تشبيه بسيط

دخل البيت وهو يجرّ قدميه، نظر إلى مكانٍ يرمي إليه بأتعاب يومه، رمى بدرعه عند أوّل كرسي لمحه أمامه، تساءل إن كانت واحته في مكانها المعتاد، أم أنّها بحثت لنفسها عن موقعٍ آخر على خارطة الجزيرة، وبعد تفكيرٍ قصير قرّر أن يعفيها من رؤيته على تلك الحالة، وفي انتظار عودة مياه وجهه إلى مجاريها حوّل وجهته ناحية الصّالة، فوجد ابنه يشاهد فيلمًا كان يعرضه جهاز التّلفاز، حنّ إلى لحظاتٍ حميمية ودافئة مع ابنه الصّغير...اقترب منه، وجلس إلى جانبه على الأريكة...نظر الولد الصّغير إلى والده، وابتسم له بتلك الابتسامة البريئة الّتي طالما كان الوالد يجدّ لرسمها على ملامح وجه صغيره...أحاطه بذراعه وسأله:

 

_ الوالد: ماذا تشاهد يا ولدي؟

_ الابن: فيلم السّهرة يا أبي.

_ الوالد: أليس هذا وقت  النوم؟

_ الابن: بلى، ولكن غدا الجمعة...لا دراسة، ولن أضطر للنّهوض باكرا.

_ الوالد: لا بأس، سنشاهده معا.

_ الابن: رائع.

أحاط الوالد ابنه بذراعه، وألقى ببصره إلى الجهاز، فاكتشف من اللّقطات الأولى أنّه قد سبق له وأن شاهد الفيلم، شعر بالملل مسبقًا وهو يتذكر أنّه سيضيّع ساعةً ونصف في إعادة مشاهدة نفس الفيلم، لكنه مع ذلك رغب في بعض اللّحظات مع ولده، فاستسلم للأحداث، واطمأنت نفسه وهو يشعر بقلب ولده ينبض إلى جانب قلبه.

توالت الأحداث، واحتدم الصّراع، وظهر البطل على حافة هاويةٍ سحيقة تُطلّ على أحجارٍ ضخمة مدبّبة، وأمواج بحرٍ ترتطم بها والشّرّير المسلّح قد أوشك على الوصول إلى المكان الّذي يقف فيه البطل...صرخ الولد بشدّة، وانتفض من مكانه هلعًا، وبدأت الدّموع تجري إلى عينيه، وأخذ يهلوس ببعض الكلمات:

_ الابن: أنظر يا أبي، سوف يقتله!

_ الوالد: لا تخف يا ولدي، لن يقتله!

_ الابن: ليس هناك من ينقذ البطل، وليس أمامه وسيلة ليهرب فيها!

_ الوالد: لا تقلق، قلت لك إنّه لن يقتله، بل الشّرّير هو من سيموت!

_ الابن: لا يا أبي، أنت لا تعلم، أنظر جيدا، الشّرّير يحمل مسدّسًا والبطل لا يحمل معه أي سلاح!

_ الوالد: صدّقني يا ولدي لن يقتل الشّرّير البطل، لقد سبق وأن شاهدت هذا الفيلم، وأعلم أنّ الشّرّير هو من سيموت، والبطل سينجو ويعود لإنقاذ ابنه!

_ الابن: غير معقول! وكيف سينجو البطل؟

_ الوالد: زوجة البطل ستتمكن من التّحرّر، وتتبع الشّرّير الّذي لحق بزوجها، وتحمل معها المسدّس الّذي وقع من زوجها سابقًا، وتطلق النّار على الشّرّير قبل أن يطلق النّار على البطل، فيموت الشّرّير ويعود البطل مع زوجته لتحرير ابنهما، وينتهي الفيلم على هذا المشهد!

_ الابن: لا أصدّق هذا الكلام، ولكني سأنتظر لأرى هل كلامك صحيح أم لا!

أكمل الابن مشاهدة الفيلم مع والده، وتوالت الأحداث إلى نهايتها كما رواها الوالد!!...

لم تكن نيّتي من سرد هذه القصّة عرض أحداثها كما قد يبدو لأوّل وهلة، ولكن كانت تمهيدا يُمكّنُني من طرح بعض الأسئلة:

أولاها: هل معرفة الوالد لِما سيأتي من أحداث يعني أنّه هو من كتب السّيناريو، هل هو من حرّك الشّخصيات؟ ودفع بأحدها إلى القتل، والافساد؟ والأخرى إلى الاصلاح والدّفاع عن نفسها؟؟؟

هل معرفته لأحداث القتل يقتضي أن يُحاسب عليها؟ أو يُحاكم ؟ حتى لا أقول يسجن بسببها أو يُعدم؟

أليس معقولاً أن نعتقد أنّه حينما أخبر ابنه عمّا سيأتي من أحداث كان فقط عن رغبة منه لطمأنة ولده، وإزالة الخوف عنه؟

نحن جميعًا نعلم أنّ الوالد لا دخل له في الأحداث الّتي جرت، وليس لأحدٍ أن يحاسبه عليها، وأنّه حينما أخبر ابنه عنها فلأنّه قد شاهد الفيلم من قبل، وعلم بما سيجري دون أن يتدخل هو بأيّ شكلٍ من الأشكال، وكان بإمكانه أن لا يخبر ابنه بأيّ شيء، وأن يتركه يتابع الفيلم وهو متوتّر يبكي، ولكنه ولشدّة حبّه له أراد أن يطمئنه ليزيل عنه بعضا ممّا كان يجده.

فكيف يُتهم الوالد بأيّ شيءٍ وهو بريء؟!

دارت هذه الفكرة ببالي وأنا أتحدّث مع رجلٍ بدا من كلامه أنّه ارتدّ عن الاسلام، أو يوشك عليها...سألني كيف لله أن يُحاسب أحدًا قد قتل آخر، وكان هو من قبل قد كتب عليه أن يَقتل، والآخر أن يُقتل؟ ماهذا؟ لماذا يفرض على أحدهم أن يفعل مثل هذا الفعل ثمّ يحاسبه، ويرمي به إلى النّار؟ وسأل أسئلةً أخرى أُفضّل تركها لوقتٍ لاحق إذ أنّها تناولت عدّة مواضيع متشابكة، هل علم الله بما سيحدث يعني أنّه من دفع إلى الفعل وفرضه فرضًا؟؟ لو كان ذلك ما خلق الله الجنّة والنّار، وجعل الثّواب والعقاب...ليس هذا من العدل في شيء!ولو لم يعلم لما استحق بطبيعة الحال أن يكون الله العليم.

ما نسمّيه المكتوب موجودٌ فعلاً من قبل أن نوجد، ولكن معناه أنّ الله يعلم ما سيحدث في ملكه دون حدودٍ زمانيةٍ أو مكانية، ولا يعني أنّه فرض الشرّ والخير فرضًا، إذ أنّه وضع السّبيلان أمام عباده، وترك لهم حرية الاختيار، ووعد بالهداية لمن يطلبها، وبالتّرك لمن زهد في الدّعاء له، وطلب المعونة منه، قال في محكم تنزيله:

وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا {7} فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا {8} قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا {9} وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا {10} (الشمس 7ـ10).

هذا التّشبيه البسيط وإن لم يكن يعبّر تمامًا عن قضايا المكتوب، والهداية والتّرك والثّواب والعقاب، إلاّ أنّه يُقرّبها قليلاً من الذّهن، ولكل واحدٍ منّا أن يجلس مع نفسه لحظاتٍ يتفكر فيها في مختلف القضايا الّتي تشغل باله، وليتيقن مسبقًا أنّه لن يزيغ ما دام صادقًا في البحث، ومرتبطًا بالله بإخلاص.

صفحة الفايسبوك

التسجيل في الموقع

  • صلاح
  • kadchahed

فيــــــــــــديو : تحية لقراء مجلة حنين