حنين
أراه في مخيّلتي طفلاً غير كلّ الأطفال...هم يلعبون، ولكنه بعيدٌ عنهم، يُراقبهم أحيانًا، ولكن لا تعنيه أمور ألعابهم، عقله العظيم يأبى أن يرافق عمره الفتيّ...هو يُفضّل أن ينضم إلى مجالس الكبار، يستمع إلى أحاديثهم يستفيد من تجاربهم، هو وإن كان يبدو لهم صغيرًا إلاّ أنّه يدرك جيّدًا أنّ أفكارهم كلّها ليست سليمة، هو يُحلّل كلامهم، وحركاتهم في صمت...قد لا ينتبهون إلى وجوده أحيانا.
أراه في مخيّلتي مريضًا، ولا حضن أمٍّ يأويه، أو أبٍ يحنّ عليه، من يحيطون به يحبّونه كثيرًا...نعم أكيد، ولكن ليس كمثل حضن الأب والأم مثيل...أراه في مخيّلتي يتلوّى من الحمّى...كم أتمنى أن أضمّه إلى صدري، وأمسح جبينه، وأبرّد الحمى الّتي تعتريه، كم أشتاق إلى احتوائه في حضني، وأخبره كم أحبّه...كم أحبّك أيّها الطّفل العظيم!...ما عرفوا قدرك، وما عرفوا مقامك، ولو عرفوا لظلّوا يُقبّلون كلّ بقعةٍ تقع عليها قدماك...أيّها الطّفل العظيم كم أحنّ إليك، وكم أحبّك! ووجهك الجميل يُنير ظلمة نفسي، وذاكرتي، وتبعث ملامحك الّتي تحدّثوا عنها كثيرًا فيّ مزيدًا من الحب والحنين...ما عرفوا أنّك ستكون مُنقذهم، وما شكّوا أنّك ستكبر لتغيّرهم وتغيّر العالم من حولهم، وتجعلهم أسيادًا بعد ذلٍّ وهوان، ما عرفوا أنّه اختارك لروعتك لتُبدّد ظلمات الدّنيا، وتهلك استبداد الممالك، وتحرّر البشرية من العبودية، ولأنّك كنت ولا تزال الأروع، الأحن، الأرقى، الأكرم، الأحسن على الإطلاق، اختارك أنت وحدك دون بقية الملايين ليُهديك إلى العوالم رحمةً أبدية، لكنهم ما عرفوا كلّ ذلك فحاربوك، واليوم يا أحب خلق الله لا يزال أقوامٌ يحاربونك، لأنّهم لا يعرفونك، لأنّهم ظلموا أنفسهم ولم يمنحوها فرصة التّعرف عليك، وتعجّلوا عداءك، بل فناءهم، ولو أنّهم تريّثوا حتّى يتعرفوا عليك ولو قليلاً لذابوا شوقًا إليك ولتمنّوا احتضانك وتقبيلك وإتّباعك كما يتمنّى ذلك ملايينٌ ممّن يعلو حبّك عندهم فوق أيّ حبٍّ آخر، ولضحوا في سبيلك بأرواحهم وما امتلكت أياديهم حُبًّا وطواعية...يا أعظم البشر، ويا أحب خلق الله، أعلم أنّك لو كنت بيننا لرحمتهم وإن عادوك، ولصبرت عليهم حتّى يفهموك، يا أحب خلق الله...رغم أخطائي الكثيرة، ورغم تقصيري وجهلي، ورغم بعدي عن خطاك إلاّ أنّي أحن إليك، وإلى لقائك، والشّرب من طُهر يديك...حبيب ربي وحبيبنا أسأل الله أن لا يحرمني وعباده نعمة اللّقاء الكريم بك.







