ذاكـــرة الصّــمـت
تجوب خيالي في بعض لحظات الصّفاء النّادر صورة إنسانٍ مولعٍ بذاك الزّخم المتوهّج من المشاعر الفيّاضة، المُنبعثةِ من بين حروف كلماتٍ يُنظّمها قلمه على صفحاتٍ تعكس وجدانه وتفكيره،وهي بكلّ ذاك السّحر الّذي تمتلك لم تتمكن من إنقاذ إلاّ بعض الشّظايا المتطايرة، فاختطفتها لتنثرها كاللآلئ على ذاكرتها، لتمنحها الخلود...ربّما ذات يوم ستتحدّث وحدها لتحكي لمن سيأسره الفضول قصّةً كانت دومًا عادية، ولكنّها كانت أيضًا تشعر أنّها عند نقطةٍ ما لم تدرك بعد موعدها ستُصبح قصّةً غير عادية، وستنبض لها الكثير من القلوب، ربّما...
وذاك العاشق كان يتمنّى دومًا لو أنّه يتمكن عند مواجهته للحظات الأخيرة من عمره لو أنّ الأجل يمهله لحظاتٍ أخرى زيادة ليُسجّل فيها تفاصيل مشاعره وأحاسيسه الأخيرة...تلك اللّحظات النّادرة المتميّزة، غير العادية، والّتي لن تكون له فرصة معايشتها مرّةً ثانية، وهو بكلّ ذاك الولع المسيطر عليه يودّ لو أنّه يترك لها أثرًا... للذّكرى، ويتساءل بكلّ ثقة...هل بإمكان المرء أن يختار لحظاته الأخيرة بإرادته قبل وصولها، وأن يُسجّل تفاصيلها قبل أن يُعاينها، ثمّ يمضي إليها دون خوفٍ أو وجل، شامخ الرّأس لا يُبالي برُخص الوجود الّذي يخلّفه وراءه، وأن يُعلن بكلّ شجاعة، وبكلّ الصّدق الّذي يجب، وكلّ الحب المتدفّق الصّافي: لقد اخترت الأعلى، الأبقى، الأجدر.
إلى كلّ الّذين سبقوا إلى الاختيار، فتجاوزوا المكان والزّمان، واخترقوا القلوب والعقول، ونثروا للوجود بذور الحياة، والّتي ستخترق الخمود ذات يومٍ لتُشعل الأمل الموعود من جديد، ليُنير دروب السّماوات والأرض...ذات يوم، وإن غابوا فلم تضع حياتهم سدى، لأنّهم أودعوا أسماءهم سجل الخالدين...
إلى الأمير عبد القادر، عمر المختار، مصطفى بن بولعيد، عزّ الدّين القسّام، أحمد ياسين، العربي بن مهيدي، عبد العزيز الرنتيسي، لالة فاطمة نسومر، آيات الأخرس، المبحوح، حسن البنا...
أهدي هذه الذّكرى مع كلّ الحب والوفاء.







