سأصافح العدم..
تحركت النهايات نحوي فانغرس العبث ليدمي لحظاتي الهاربة من منطق اللاجدوى...أين سارت الكينونة وفق منطق انتكاسي تافه...كان أول ما التقيت وجهه الذي هرول نحو أحزانه المستترة...انكشفت قسماته عن سؤال ثم التقاء...فاستطاع في تلك اللحظات جمع شتات خطواته...و في يده رزمة من الأوراق حبلى بالأسماء و التوقيعات...لم يكن الجسد المدد إلا فلتة من فلتات الصمت...حاول أن يتذكر شيئا...فتذكرني.
"سيد ناصر"، أعنّي بالتفاتاتك...فقد انكسرت بطاقتي الشخصية اليوم، فزرت المكاتب كلها علّني أحظى بتصحيح، لكنّني وجدت الكل يجدف نحو الحائط، لم أفهم شيئا، حاولت السؤال فلاموني و كلّموني بكلام جارح حتى نسيت ما جئت لأجله، عندما خرجت لأطراف المدينة تذكرت فعدت أدراجي باحثا، فجرّني الحراس حتى أوصلوني إلى باب الخليفة، قالوا لي: لا تفكر، فإن علة وجودك هو النسيان، عليك ألا تبحث عن البطاقة، و لا عن جثة زوجتك، و إلا أجبرك الرحيل على الرحيل...لذت بالفرار و أنا أحمل أشلاء البطاقة، كان الجو غائما تسمّى بالألم...و اصطفى من الدموع لونه الشفاف، على طول الشارع كان الناس ينتقون من الحجارة ما عتق لونه...يستجيرون بالسماء سؤالا و انتظارا، و أمّا أنا فقد استجرت بأوراقي، انقشع الضباب قليلا فأنبأ عن حشود هائلة، كان المنظر مضحكا حدّ البكاء، رجل طويل معصوب العينين، يحمل باقة ورد و بطاقة تشبه بطاقتي، يلوح بها مهددا صبيان الحي الذين رشقوه بوابل من الشتائم و معها الأحذية، جئتك طالبا الصفح...لأنّني تجرأت و دنست البطاقة".
لم أجد ما أقوله...فقد أعياني الجلوس طويل، و أنا الذي وجدت نفسي على كرسي الانتظار منذ ولدت...أتذكر أنه في المرة الوحيدة التي حاولت فيها الوقوف داستني الأقدام، حتى كدت أن أختنق تحت نعال المارة...لقد كانوا يسيرون إلى الخلف...أعرته القليل من البسمات...هدّأته قليلا فأنا أعرف جيدا أنّني في الحقيقة ما أهدّئ إلاّ ذاتي.
كانت البطاقة تهديني كلّ يوم تأشيرة المرور إلى الحي الآخر، و تعصمني من سيل من أسئلة رجال الأمن و حتى رجال الثقافة...إنّها براءة العقل، فالجنون وحده هو العتبة التي تقف عندها الكلمة،...وعدت "وليد" أن أكرّس جميع إمكاناتي لحلّ هذه المشكلة...واصطنعت الحلم، دخلت قاعة الحفلات فوجدت صفوفا من ربطات العنق...كان زوج واحد يتغافل بزيّه التقليدي عاد إلى الحي بعد زمن طويل ففاته أنّ كلّ شيء تغيّر: المكان و اللباس و حتى اللّسان...راعني المنظر فخرجت سريعا...لكن قبل ذلك استوقفني الحارس سائلا: هل لديك تأشيرة الخروج؟!...مزّقت ربطة العنق أمامه، فأودعني الفراغ، و قال: قف في الطابور، حينها فقط تحرّكت فوجدت نفسي أمام مكتب رئيس البلدية...استقبلني بفرح مغشوش و أدخلني مكتبه فاسترقت النظر إلى كل ما حولي: أوراق، ملفات، صور، مكتب...ما شدّني إلا صورة ذئب متربص بالنجوم، عندما شاهد شدة ملاحظاتي، قال أنه يكره الليل لذلك يتربص بلحظات النور ليصطاد نوعا من الاصطفاء و العظمة، أضحكتني نكتته، فحاولت تغيير الموضوع، حدّثته عن مشكلة "وليد"، و كيف أنّه يعاني من تعطيل جميع معاملاته اليومية، حتى الشخصية منها لأنه أتلف البطاقة، وعدني أن يجد حلاّ للموضوع وقفت مسرورا و إذا بورقة رسمية تسقط سهوا أمامي، كانت تخص رئيس البلدية و عليها تأشيرة:"فاقد للبطاقة"، امتعض لونه بعد أن اكتشفت الأمر، تنهّد طويلا ثم خاطبني:"أرجو ألا تفضح أمري، لا أدري كيف فقدت البطاقة، طفت بالشوارع و البيوت علّني أجد واحدة فلم أفلح، لو يعلم الناس بأمري فسيعلقون الملصقات و يأمرون صبيانهم برشقي بالدموع، سأعقد معك صفقة، إن لذت بالصمت، فسألوذ بالإقامة الجبرية، و سأكتفي بعشاء ساخن يأتيني كلّ يوم".
هذا هو الخروج الثاني، و مرة أخرى عند الباب طلب منّي الحارس الشخصي لرئيس البلدية تأشيرة الخروج، فمزّقت حذائي حينها تزحزح معتذرا...و أعطاني الإذن بالرحيل.
كانت الجامعة هي محطتي الثالثة...وصلت إليها بعد أن أنفقت كلّ ما تبقّى لي...و عندما دخلتها حدقت العيون إليّ باستغراب،...نظر البعض إلى ربطة العنق الممزقة، و نظر البعض الآخر إلى رجليّ الحافيتين، و نظر الباقي إلى وجهي الذي استقالت منه البسمات و الأفراح، الكلّ اشمأزّ من مظهري فحملت علما صغيرا و رحت أنشد الأناشيد، علّ الكلمات تلهيهم عن رؤية جسدي الممزق، ثم وقفت بينهم أخطب طويلا، أحثّهم على المساعدة علّني أجد من يهديني بطاقته، فانفجر الكلّ ضاحكا، ولوّحوا لي بأيديهم الفارغة، لقد نهبت جميع بطاقاتهم، حملت أشيائي هاربا، و قد اسودت الدنيا في عيني، فباغتني الحارس بسؤاله: أين تأشيرة الخروج؟ فحملت بطاقتي و مزّقتها أمام عينيه، حينها مال بجسده، و أفسح لي الطريق للرحيل، فحملت فردة حذائه و صوبتها نحو وجهي...و لم ألتفت منذ ذلك اليوم.







