موقف البحر
أوقفها البحر في موقف "غور الأشياء"، فقال لها: خطبي جليل وقلبي عليل
فقالت: بح ولا تتكتّم، فالهمّ الجلل لا تداويه إلا الجمل
فقال: مصابي في اسمي، أردتموني منذ شعرية الجاهلية أن أكون رديفا للعطاء والغنى، شبهتم كرمائكم بكراماتي البحرية وكنوزي، أرعبتم أعداءكم بصوتي المجلجل، فهذا المتنبي يصف غضب الملك ورضاه بي:
هو البحر غص فيه إن كان ساكنا على الدرّ واحذره إن كان مزبدا. وقبله امرؤ القيس يتبرم من اللّيل بأمواجي: وليل كموج البحر أرخى سدوله بأنواع الهموم ليبتلي. أردتموني مطّية لأغراضكم، قطعتموني بألواحكم فوصلتم إلى سواحلكم، وما وصلتم إلى أعماقي ولا داويتم أسقامي.
فقالت: هكذا ورثنا الدلالة عن فحول شعرائنا، فغدت طللا معنويا نكرّر فيه المعاني نفسها، نرى في تماثلاتنا عبر أمواجك وكنوزك تجاربنا الداخلية، فنرتاح لنقلها عبر تشابيهنا، لأنّنا ننسجم بها مع ذواتنا. كنت مرآة تذكّرنا بأتراحنا وأفراحنا، فتريحنا.
فقال: رأيتم صورتكم لا ذواتكم، إذ قلتم أنت بحر في الكرم، جعلتم التطابق ممكنا بيني وبين ذوات موصوفيكم، من خلال صفات جامعة بالتطابق بين الطرفين وتنكّرتم للاختلاف الذي ينخر ذاتي وذواتكم. عشتم وهم المطابقة والمشابهة لقرون، فكبّتتم الاختلاف الذي ينخرّ أسّس مشابهاتكم. فالمشبه ومهما تطابق مع المشبه به، يبقى مختلفا معه في صفات، فما أنا أنتم ولا أنتم أنا يا عباد الظاهر، وعبيد التماثل
فقالت: لكنّني أرى مع الرّواقيين أنّ نظاما خفّيا يربط سلسلة الاختلافات الطبيعية، ويؤسّس لتجانسات ممكنة مع الذات الإنسانية والطبيعة، ماهذا بجديد في فلسفة التماثل.
فقال: ليست صوّركم سوى شبحا مرئيّا، يتراءى لكم مطابقا لتصوراتكم، لكنّه في حقيقته معكوس الرّائيّ وشبحه في الآن ذاته، فالتماثل ظاهريّ في الشكل، والاختلاف جلّي في المضمون. وقعتم في وهم الرّائي والمرئيّ. كنتم ضحايا فكركم المنطقيّ الذي اعتاد الرّبط بين التماثلات، وإقصاء الاختلافات. أما آن الأوان أن تفنوا عن معانيكم الحرفية، وتكشفوا الحجب عن دلالاتكم المغيّبة؟
فقالت: ماذا أصنع بأحكام سابقة وافتراضات بلاغية تعشعش في تصوراتنا، ماذا أصنع بألواحي وأسبابي التي تحضر كلّما أقبلت نحوك؟
فقال: اخرجي من وهم الصورة المرئية لتعرفيني في عمقي لا في ظاهريّ، فكّكي اسمي، تنكشف حجب الحقائق وتغوصي إلى غور الأشياء
فقالت: قطّعت الألواح، وفنّيت عن الأسباب، فرأيت ظاهر البحر سرابا خادعا، وباطنه قعر لا يستنفد، وبينهما أسماك قرش لا تؤتمن. فكيف لي السير من الظاهر إلى الباطن؟
فقال لها: دعي كيف؟ فهي سبيل الأسباب، إن لم تدركي الباطن، فتشتّتي بالظاهر. انبسطي، انبسطت فانكشف لها البحر منشرحا، تتراقص أمواجه على وقع نغمات قلبها، وانخطف بصرها في أفقه الممتدّ المريح.
فقال لها: انقبضي، انقبضت فانكشف لها البحر مهموما، مكفهر الوجه. فصبّ ملحه على جروحها، فزادها كلوما، وأرعبها بسدوله الكثيفة التي يقيمها حوله وحولها، فسجنها في سرّها وحجب عنها سرّه. فصرخت: آ
فقال لها: المسألة لغوية أنطولوجية، في حروفي تنبجس أحوالك . كلّ حروفي تنصرف إلى القصد، حاء حب في حال الانبساط، تسكن إلى الباء، وتدير ظهرها لرجّات الرّاء. وحاء حرب تفرّ من سكونها تحت رجّات الرّاء، فتنفث روعها في روعك. منّي حروف الحرب ومنك حرفا الآهات آ. تتآلف حروف الحرب مع آهاتك، حربآ – حرباء تتلوّن بأحوالك النّفسية، قفي وراء حالي الانبساط والانقباض، تسلّمين من الرجّات و تفنين عن الخلجات.
فقالت: كيف لي أن أتجاوز أسر حروفك؟ ، وأنا حرف أعبر بالحروف وفي الحروف؟
فقال: قفّي وراء الحروف، تصلين إلى المعنى دون الحروف...... ( يتبع)







