في منزلي .. جامعة الدول العربية

أنا "بلال"..مصري...عمري أربعون عاما...أخاف الله كثيرًا، لذا كلّما أردت شيئًا أعجبني ابتعته بسرعة حتىّ لا أحسد صاحبه، وهي نظرية أُطبّقها على المرأة أيضًا...فكلّما أعجبتني إحداهن سارعت إلى الزواج منها...حتّى لا أخطئ .
قبل عشرين سنة تزوجت من "سميحة"...فتاة مصرية بسيطة وجميلة، وبعد عشرة سنوات من الزواج لم يرزقنا خلالها الله ولدا قرّرت الزواج من غيرها_ مع العلم أنّ لي فتاتين...الأولى تسع سنوات والأخرى سبع سنوات _ ومرّت بي فترة عمل في بلاد المغرب، وتحديدً في الجزائر، يومها صادفت فتاة عفوية وكأنها لبراءتها صفحات كتاب مفتوح أمامنا، قررت الارتباط بها...قبلت وعدنا سويا بعد شهر من العسل في تونس إلى مصر، وتمامًا بعد تسعة أشهر من الحمل أنجبت لي توأما ....نعم بنتانǃ فأصبح المجموع أربع بنات ولا ذكر...غضبت منها كثيرا وقررت الزواج مرة ثانية...أقصد ثالثة، وكانت هذه المرة فاتنة من سوريا كثيرة الدلع _سخيفة أحيانا كثيرة _: "مايا"...وكانت الكارثة حينما علمت أنها لا ترغب في الإنجاب خوفا على رشاقتها. مرت الأشهر وكثرت مشاكلي بسبب التنقل بين هذه وتلك، ففكرت بغبائي الخارق أن أجمعهن في بيت واحد كبير بالقاهرة...وهنا بدأت معاناتي، فكل واحدة منهن تنصب الكمائن للأخرى وأنا أقع فيها، وعندما أحاسبهن تقول كل واحدة منهن أنها تحب الأخرى وتعتبرها أختا لها...إلا الجزائرية "صافية" فقد كانت اسما على مسمى، صريحة إلى درجة قيامها بالمصيبة واعترافها بها بكل صراحة وعفوية، وقد وضعت لكل واحدة منهن اسما..."فسميحة" حنونة ذات كلام معسول، لكنها بدينة بعض الشيء...أقصد كثيرا لذا لقبتها بـ:(كعبورة)، وبما أن "مايا" كثيرة الدلع والبكاء والشكوى لقبتها بـ:(السوسة)، والشهادة لله أحببت ثلاثتهن...حنان "سميحة" ودلع "مايا" وبراءة وجرأة "صافية"، إلا أن طمعي جعلني أرغب في الرابعة، وكانت ابنة رجل خليجي فاحش الثراء، رغبت في مشاركته النسب قبل العمل ليُسهل لي أعمالي، وما أن علمت الثلاثة بالأمر حتى بدأن معي مسلسل الرعب و كان عنوانه جزائريا خالصا...(تسويد حياتي)، لذا لأول مرة اتحدت الثلاثة ضدي، وأيقنت لأول مرة أني جمعت ثلاثة أفاعي في جيب بنطالي، وللعلم أصبح لدي ستة بنات بعد أن أنجبت لي "مايا" بنتان لإقناعي بعدم الزواج، وقد كانت أول حلقة في المسلسل المشؤوم الإضراب التام عن الأعمال المنزلية، فحينما أصل إلى البيت متعبا أجد ثلاثتهن مجتمعات مع بناتهن في غرفة المعيشة يشاهدن التلفاز وهن في غاية الراحة، وحالة البيت يرثى لها...
_سألت الأولى: سميحة هو في إيه؟
_أجابت: شوتǃ
_أردفت غاضبا: أنا بكلمك؟
_أجابتني بفرح : ولا حاجة حبيبي كل تمام ...ولا حاجة.
_نقلت سؤالي إلى "مايا": مايا أنا إيه لّي أنا شايفو دا؟
_أجابتني بهدوء مستفز: المسلسل الجاي كتير حلو.
_رفعت صوتي عليها: أنا بكلمك؟
_فازداد هدوءها المستفز وهي تجيبني: آآآآ تقبرني حبيبي أنت جيت ما شفتك.
شعرت أن رأسي كان يغلي غضبا وغيضا، حقا كانت لغة جديدة عليّ من زوجاتي المحبات المطيعات المسالمات، قلت في نفسي لن تجيبني إلا" صافية":
–صافية ....صافية بتكلم معاك، واش غير الخير؟
_أجابتني بنبرتها الجزائرية الغاضبة: واش تحتاج مني؟
للصراحة لقد خفت منها كثيرا وأجابتها بعد مدة من الصمت والدهشة:
–أريد أن أسألك فقط لما البيت مهلهل هكذا؟ وأين الأكل؟
_أجابتني "مايا" مكانها: لا تقبرني كنا تعبانين اليوم...
وقاطعتها "صافية" دون مقدّمات: روح جيب الخليجية تطيبلك وترعاك حنا كبرنا وكرهنا.
غضبت منهن وذهبت مسرعا إلى غرفتي الانفرادية، ولأني كنت جائعا طلبت بعض البيتزا، وعندما خرجت لأستقبل أكلي وجدته قد قضين عليه.
سألت غاضبا: فين الأكل...أكلي فين؟؟؟؟؟؟
_أجابت "صافية" بدلع غريب عليها: أتأكل وتتركنا جائعات؟...ما هذا الظلم؟
_قاطعتها "سميحة" بلباقة: متى نذهب إلى دبي؟
-قلت: نذهب؟ǃ...لا...اسمها: تذهب، وتذهب يعني أنا فقط...وحدي.
_مايا: أنت مولازم يكون ليك أهل تفخر فيهن؟
_صافية: وحتى نرى نحن هذه ال....
_قلت: أكملي...الـ ماذا؟
_فاجأتني صراحتها كأنها تصارحني لأول مرة: القردة يعني حنخاف؟
سألتها مستغربا: مابيتخافيش مني؟
أجابتني باستعلاء وهي تركّز على تلك اللاّء: لا، ولعلمك كرهت نزواتك ومللتها.
المهم بعد جدال طويل قررت أخذهن معي. وصلنا ذاك اليوم إلى دبي، ورغم تعب السفر طلبن مني أخذهن للتنزه، ونفذت طلباتهن تنفيذ المضطر، وقد كانت كل واحدة منهن لا تشتري إلا الباهظ الثمين، وأنا أدفع وكأني أقوم برشوتهن حتى لا يحرجنني مع أهل عروسي الجديدة.
وفي اليوم التالي كان مقررا اللقاء...لأرى عروسي الجديدة، لبست وتأنقت وتعطرت وذهبت أسألهن عن مدى جمالي وأناقتي.
_سألتهن بصيغة الجمع: إيه رأيكم فيّ يا حلوين؟
_أجابتني "سميحة" بمكر: قمر خمسة في عين لي يشوفك ولا يصليش على النبي.
_واصلت "مايا" المديح الكاذب بعدها: ياي شو حلو...بتجنن.
_ وتلتهما "صافية" بصراحتها الحازمة: ماكش مليح خلاص، روح بدل بركاو بلا كذب، أنت صح راح تتزوج عليا بصح مادمني رايحة معاك .....روح بدل راك تبهدل.
دخلت غرفتي فسمعت الاثنتين يؤنبن "صافية" على نصحي، غيرت ملابسي وذهبنا.
المهم جلست مع شريكي...أشار برأسه أن أعرفه بهن، فأجابت "سميحة" مباشرة:
_معاك "سميحة" من مصر رقم واحد و دول بناتي.
أضافت "صافية" بعدها مباشرة وبسرعة خارقة:
_"صافية" من الجزائر رقم زوج اثنين يعني وبناتي هام ليك.
وأردفت "مايا" بدلعها المألوف:
_هاي أنا "مايا" من سوريا رقمي ثلاثة...بناتي..مشيرة إلى بناتها.
أضافت سميحة وقد رفعت أحد حواجبها:
_مش باقي غير بنتك ونقفل الإطار من المشرق إلى المغرب.
قاطعتها "صافية" مهاجمة شريكي: وين بنتك...الرقم الجديد؟ أقصد وين هي العروسة؟
أشار الرجل المسكين بأصبعه إلى باب غرفة مجاورة دون أن ينطق بكلمة، فأسرعت الثلاثة رفقة بناتهن إلى غرفة العروس، وقد كنت أبتسم كالأبله من هول الموقف الذي وضعت نفسي فيه، وشريكي يحدق فيّ وقد شعرت أنه يود أن يجعل من يديه الضخمتان ربطة عنق مناسبة لي، وخلال هذه الأثناء سمعنا الصراخ ينبعث من غرفة العروسة الجديدة، ويمكن القول أنها أصبحت مهرسة ومهلهلة بعد الضرب الذي تعرضت له من طرف عصابتي الناعمة...خرجت مسرعا وكأني أهرب من الموت، وتبعتني الثلاثة مع البنات، وصوت ضحكاتهن يدوي في الأرجاء، وما أن عدنا إلى البيت حتى سألتهن:
–لما كانت تصرخ؟ هل من خيبة أملها بي؟
أسرعت جريئتي "صافية" لطمأنتي: بل من ألمهاǃ...لقد دمرناها صحيح يا بنات، اسمع لقد كانت تحتاج إلى بعض من أزرق العيون كي يزيدها بهاء وجمالا فوضعته لها...
لقد كانت جريئتي تتكلم وهي تضحك وتسخر منها فلم أتمالك نفسي، ولأول مرة رفعت يدي عليها وضربتها، وتركت في قمة غضبي الثلاثة مع البنات لوحدهن، وعدت مباشرة إلى مصر، وبعد يوم عادت "سميحة" و"مايا" إلى البيت، وعلمت أن "صافية" لم تعد تريد رؤيتي وقد عادت مباشرة إلى الجزائر، وأرسلت بناتنا أمانة مع "سميحة" لعلمها بمدى حنانها ورقتها، ومن جهة أخرى خافت أن ألحقها إلى هناك بحجة البنات وهي لا تود رؤيتي.
مرت الأيام وأصبح بيتي حزينا..."سميحة" مع البنات تهتم بأمورهن، و"مايا" في غرفتها مريضة حيث تعرضت لوعكة صحية زادت حدتها الطريقة التي فارقتنا بها "صافية"...وقتها أحسست بمدى حاجتي وحاجة البيت إلى كلامها المر والجارح أحيانا كثيرة، إلا أنها كانت القمر الذي يضيء البيت، فقد كانت تكسر صمته ووحشته بلهوها ودعاباتها، وحتى تمردها وجرأتها التي كانت توترني...اشتقت لكل ذلك، اشتقت لها كثيرا...اشتقنا لها جميعنا.

بعد ثمانية أشهر من القطيعة والاشتياق مرضت إحدى البنات، و كان دواؤها ومطلبها الوحيد هي: "أمي أمي"، وقد كان هذا سببا كريما لأخفي لهفتي لها وأسارع إليها بحجة البنت...لا أنا، حتى أني لم أفكر في الاتصال بها مسبقا، بل ركبت أول طائرة إلى الجزائر، وذهبت مسرعا حتى أطلب منها السماح وأعيدها إلى بيتها وبناتها، وللصراحة لم تكن حاجة البنات لها بأكثر من حاجتي. وصلت إلى بيت أهلها أخيرا ولله الحمد، كان قلبي يدق وكأني سأراها لأول مرة...رنّ جرس الباب، وبعد مدة من الانتظار فتحت حماتي الباب وهي تحمل طفلا صغيرا جدًّا بين ذراعيها، أخذت أسترق النظر إلى الداخل وكلي رغبة في رؤية "صافية"، قاطعتني حماتي قائلة:
_أخيرا تذكرت أن لك زوجة وابنا تسأل عنهما؟
صدمني الخبر الجديد بقدر ما أفرحني فسألتها كمن يريد التأكد من صحة ما سمعه:
–ابنا؟ ابن من تقصدين؟
أجابتني باستغراب فاق استغرابي:
-ابن من؟ ابنك طبعا هاهو...
دخلت البيت وكلي فرح ودهشة...الحمد لله أخيرا أصبح لي ولد، وعند قمة فرحتي سألتها:
- أين صافية؟ أنا لا أراها؟
أجابتني بالصاعقة التي لم أتوقعها:
-ولا نحن أصبح في استطاعتنا رؤيتها.
انتبهت إليها باستغراب:
–كيف ذلك؟ كيف؟ أين ذهبت؟ أين هي؟
أجابتني وهي تحبس دموعها وتتفاعل اللعب مع الطفل الصغير:
-الله أكبر...البركة في راسك وليدي؟
لم أرغب في التصديق وأجابتها بغباء:
-الله يبارك فيك.
انفجرت المسكينة باكية:
-أقصد أن ابنتي قد ماتت...كنت أود أن أموت قبلها وأن لا أعيش لأشهد هذا اليوم المريع. استقبلت الخبر كالصاعقة ولم أتمكن من استيعابه، أخذت ابني بين ذراعي مدة طويلة من الزمن، كان نائما كالملاك، ولم أستفق من صدمتي إلا على صوت بكائه، كان موعد أكله قد حان...أخذته جدته مني وأخبرتني أن "صافية" حينما عادت إلى الجزائر كانت متوعكة، وقد دخلت المستشفى مرارا وتكرارا، وفي أشهر حملها الأخيرة أخبرنا الطبيب أنه يجب القيام بعملية غير مؤكد فيها نجاة الجنين، لكنها رفضت لأنها تعلم مدى رغبتي في إنجاب الولد فلم تشأ التضحية به، فكانت هي الضحية، وقد أوصتني أن أطلب منك عندما تحضر لتسلّـِمه "لسميحة" و"مايا"، فهي تعــلم أنهما لن تتخلـيا عنه مهما حـدث، وستحبانه كابنهما أو أكثر.
أخذت ابني بين ذراعي وعدت معه إلى بيتي وكلّي ندم وحزن على فراقها...لقد تركت فراغا رهيبا في قلبي وبيتي، وبـعد هذه التجربة علمت لماذا الجزائري لا يتزوج إلا مرة واحدة، فذلك صعب جدًّا، خصوصا لو كانت كل الجزائريات مثل "صافية" فهنا الأمر يصبح مستحيلاً...مستحيل للغاية.

سمية بوشعيلة/ قسنطـينة

صفحة الفايسبوك

التسجيل في الموقع

  • صلاح
  • kadchahed

فيــــــــــــديو : تحية لقراء مجلة حنين