ميـلاد جديد
يحدث أحيانًا أن تستوقفنا الحيرة للحظات، نتأمل فيها، نبحث في ضبابها عن شيء ما يكشف لنا عن دهاليز أنفسنا...الّتي ما عادت تفهم نفسها، وما عادت قادرة على فكّ رموز ذاك الألم المفاجئ الّذي يهاجمنا دون مقدّمات، ويستقر فينا مبهمًا..هادئًا..عميقًا..مُشتِّتًا لأفكارنا..ومشاعرنا..وأحاسيسنا..ينقلنا بين أضدادها في أقلّ من لحظات، يجعلنا نرغب في البكاء..لا ندري لماذا بالضبط؟ ولكن نشعر بتلك الرّغبة الملحة في البكاء..في الصّراخ كما يفعل الأطفال، ونتمنى في قمّة وحدتنا وحزننا أن لا يرانا أحد، ربّما لأن الحزن مسألة شخصية لا تعني غيرنا، أو ربّما لأنّنا لا نريد أن نتواجه مع أسئلة لا ندري مسبقًا بماذا سنجيب عنها...وبين أنصاف الأفكار، وأشتات الكلمات، ورهبة الصّمت المحيط بنا، وتاريخ خيباتنا..نتوق في لحظة أملٍ عابر إلى ميناء سلام، بل إلى كهفٍ يحتوينا لعلّنا نجد فيه من أمرنا رشدا...كم يؤلم الحزن حينما يأتينا مُبهمًا..غامضًا..ومُكابرًا، غريبٌ أمره..كيف يحتويناǃ ويزرع فينا اليأس والضّياع، وقد كانت الحياة قبله على خير حال...أصمّ، أبكم، أعمى..لا يُبالي بنا، ولا بما يثيره فيناǃ
أيّها الحزن الجاثم على صدري
أزح عنّي يداك...إنّك تؤلمني
لا تُحدّثني...فحديثك يقتلني
وأنا أريد الحياة قبل أن يأتيني
يؤلمني التّفكير فيك، ويرهقني هذا الشّتات والتّيه، وهذه البراكين في عمقي تترصدني، تبحث عن فوهة تتحرّر منها، لتنقلب عليّ حِممًا حارقة لن تُحرق في نهاية المطاف غيري...موجعةٌ تلك الذّكريات الّتي أحملهاǃ
أيتها الأحلام النّائمة في عمقي، وفي كلّ ذرّةٍ من وجودي...كم آلمني رحيلك عنّي...حاولت أن أكون ما تمنوا، ونسيت في غفلة عمري الضّائع أن أكون ما كنت أتمناه أنا
وانتحرت...
يوم استبدلت بقوتك ضعفي، وبجرأتك جبني، وبتفاصيلك الدّفينة عموميات معلنة على الملأ، لم يفهمها منهم أحد، فاسترجعتها إليّ، واستأمنتها عمقي...لكن بعد ماذا؟...شوهتها النّظرات، والقيل والقال، وخفتت جذوتها، تكاد تنطفئ في مستنقع خيباتي.
أيّتها الرّاحلة عنّي...عودي إليّ قبل أن أموت قهرًا وصمتا.
لستِ ميتة لأنساك...
ولكنّك هناك...نائمة منذ أعوام، تنتظرين لحظة ميلاد جديد.
أعود إليك بعد هذا العمر...أستنجد بك...لتنقذيني، وقد كنت منذ أعوام، ودون كامل وعي منّي قد ألقيت بك إلى الرّكن المهمل من ذاتي، أعود إليك اليوم بعدما استبدّ بيّ الألم، وأدركت أنّي عاجزة على إكمال المسيرة وحدي.
أيّتها الغائبة الحاضرة...آن الأوان لتعودي إلى الحياة من جديد...مكتوبٌ على كلّ ميلاد جديد أن يبدأ بألمٍ شديد...وقد وصلت إليه.
آن الأوان أن تولدي فيّ من جديد.
سأكتبني بك...لعلّني أكون أنتِ، أو على الأقل وجودًا يشبهك..
أنتِ تنظرين إليّ مبتسمة على استحياء..وتقولين بهمسٍ متواطئ:
_ لا بأس..فلنحاول من جديد.
أيتها العائدة إليّ من جديد، فلنتوحد...من جديد.







