أطياف زائرة !
أتتني من حيث لا أدري! دخلت عمقي واستقرّت! وزرعت حبّها في نفسي! من تكون؟...لا أدري! مجرّد شكوك! وتضلّ رغم وضوحها غامضة...غريبة! وبقدر ما ربطتني بها؛ بقدر ما صرت أتساءل حولها!... لا أخافها رغم أنّي لا أعرفها!... لماذا اختارتني دون غيري؟ بل من دفعها نحوى؟... شكوك بدأت تستقر دعائمها! ربّما...ربّما!!
أرض جرداء مقفرة! فارغة من أيّ وجودٍ للبشر، وطريق واسعة تشقّها في صمتٍ أعمدة الكهرباء؛ منتصبةً في شموخٍ على طول أطرافها، فراغ هائل تقطعه أحيانًا بعض السّيارات والشّاحنات الكبيرة المحمّلة بالبضائع، والغبار يتعالى...لا يعبأ بما يسبّبه من إزعاج! ولكنّه جندي مأمور...فما عساه يفعل؟ دخلوا ساحة فكري! أثاروا انتباهي! جذبتني رؤياهم!... من يكونون؟ وماذا يفعلون في ساحتي؟...لا أدري!...يتراءى لي منبسط الوجه؛ مبتسمًا في وقار؛ يقود سيّارته في اطمئنان؛ ينظر حينًا إلى زوجته، وحينًا آخر إلى ابنته، يداعبها بكلمات لا أميّزها... كم يبدو رحيمًا! هو أسمر قليلا، وله لحية سوداء قصيرة، وكأنّه من عرب الشّام! والطفلة تشدّ أمّها؛ تعانقها؛ تمازح أباها؛ ترتمي في حضن أمّها وتقبّلها! تمدّ يديها الصّغيرتين إلى رأس أبيها؛ تمسكه من ورائه برفق، وتطبع على شعره قُبلاً سريعة وتعود إلى حضن أمها! تبدو المشاهد لي وكأنّها فيلم بلا صوت! وأنا أشاهد من بعيد كطائر يحلّق في السّماء ولا يعرف كيف ينزل إلى الأرض، أحيانًا تلح عليّ تلك الصّور تنتزعني من أحاديثي مع النّاس، أشعر بها تشدّني إليها شدًّا لا يُقاوم؛ فأجد نفسي أصمت عن جملةٍ لم أنهها!...يسألونني:{ماذا بعد؟}:... لا أدري! وحين أحاول الحديث أشعر بالدّموع تخنق صوتي!، تبكيني رؤياهم!... من يكونون؟؟ وكلّ يومٍ يمضي تزداد عليّ إلحاحًا وضربًا في العمق، وحين أحاول التّركيز على ملامحها تهرب منّي!...ترفض أن تواجهني، وأجد نفسي أمسك برأسي كمن يُحاول أن يمنعها من الهروب منه! لكنّها تتلاشى كالسّراب، وحين ألتفت إلى غيرها تعاودني كما اعتادت غير عابئةٍ بها تسبّبه لي من حزن وحيرة، وأظلّ أقلّب في الجرائد أنتظر أيّ خبرٍ قد يأتيني بذكرهم؛ لكن...لا أثر! فراغ كامل كفراغ تلك الطريق!...وكالمعتاد؛ تسير السّيارة في اطمئنان؛ وهم يتحدثون يتمازحون...كالمعتاد... وأنا أشاهد من بعيد؛ أحاول أن أمسك دموعي فلا أقدر! ويصرخ العمق في ألم: «حذار! عودوا من حيث أتيتم!» لكنّهم لا يعودون؛ ولا يعبأون بصراخ نفسي؛ ويستمرون في المسير كما الطفل الوديع يمشي إلى النّار وهو يضحك؛ يتوق إلى لمسها، ولا يدري أنّها ستحرقه! وربّما كان بفطرته يدرك أنّها – الحقيقية منها– لن تحرقه وهو بهذا الشّكل! وأنّ النّار...ليست كلّها نارًا! أليست نار الدّجال ماءًا باردًا؟! وربّما أيضًا كانت نارهم فردوسًا؟ من يدري!
شيء ما يخترق إحدى العجلات يجعلها تتعثّر في سيرها! ويضطرّ ذاك الغريب إلى إيقاف سيّارته جانبًا لتفقد العطب... ينزل منها...ينظر إلى زوجته وابنته؛ أتصوّر أنّه يطمئنهما!...يسير بضع خطوات، وقبل أن تمتد يديه إلى العجلة... شيء آخر يخترق صدره...في صمت! يقع على الأرض، يضع يده على موقع الاختراق فتنبجس من بين أصابعه دماءٌ قانية!...قد كانت رصاصة غادرة! ويسحب جسده الثّقيل إلى جانب السّيارة ولمّا تدرك زوجته ما جرى؛ تسرع إليه؛ تفتح الباب القريب منه، ولا تكاد تمتد إليه يداها حتّى تقع إلى جانبه هامدةً بلا حراك! إحدى يديها على الأرض؛ والأخرى على ساقه؛ وقد لامس جانبها الأيمن جانبه الأيسر!...يدرك الزوج ما جرى، وهو سائر إلى حيث سارت يضع يده المضرّجة على شيءٍ من ثوبها؛ ثمّ يلحق بها! والطّفلة داخل السّيارة تشاهد في ذهول! وأنا مثلها! لا أستطيع الاقتراب منهم؛ ولا الابتعاد عنهم! وأظلّ مكاني حبيسة صور لا يقين لي حولها! أحاول الإحاطة بما حولهم لأرى من غدر بهم فلا أستطيع! حدود الرؤية ضيّقة جدًّا! أنظر إلى الطّفلة وهي تحاول تحريك أطرافها...عيناها شاخصتان والدّموع قد تجمّدت فيهما! وكلّما حاولت التّركيز على ملامحها ازدادت أعصابي اضطرابًا!...كم تبدو لي بريئة!... من ذا الّذي تجرّأ على مثل هذه الجريمة؟!...يرهقني التّفكير! يقينًا أن لا ضمير له!
تنزل من حيث نزلت أمّها؛ تجثو بجانب أبيها؛ وتتلّمس وجهه؛ وقد كان منذ قليل يبتسم إليها ويمازحها، والآن...لا حياة فيه!...تنحدر من عينيها الدّموع دون أن تحرّكهما لحظة! تدير ببصرها إلى أمّها؛ تقترب منها؛ تُقلّبها بين ذراعيها لترى وجهها!... إنّه مثل وجه أبيها؛ وقد تعفّر بالتّراب والدّم!...تمسح عنها بعض الشّيء، وتظلّ كالطّير الذّبيح تتخبّط بين أبيها وأمّها!...
أحاول الاقتراب منها وانتشالها من هناك؛ لكن...وكأنّ حاجزًا ما لا أراه يمنعني عنها! وهي غير شاعرة بوجودي! ولا بنظراتي إليها!...وفجأة ترفع بصرها إلى وجهة لا أحيط بها؛ أراها منتفضة؛ فزعة! وكأنّ شيئًا ما قادمٌ إليها! ربّما كان الغادر بفقيديها؟!... تحرّك نظراتها فيه وكأنّه جمع وليس فردًا...تتلّمس خمارها كالمستيقظ من غفلته؛ فتسرع إلى حزام أبيها تبحث فيه...تخرج منه مسدّسا لم يلحق استعماله، وتصوّبه نحو الشّيء القادم إليها، وتضرب دون توقف!...لا أسمع أصواتًا...أرى مسدّسًا يرتجف بين يديها، وجسدًا صغيرًا يحاول الثّبات ثم يقع!...ما كانوا ليرحموا ضعفها، فكيف يتقبّلون قوتها؟
أحاول التّركيز...شيء ما يمنعني؛ يسحبني من الساّحة رغمًا عنّي! وحين أصّر على الثّبات تتلاشي الصّور من ذهني ! أحاول التّشبّث بها، ولكن أوقن أن لا مزيد بعدها، منع عنّي أكثر من ذلك ! وتظلّ نفس الصّور تزورني بين الفينة والأخرى! تأتيني أحيانًا كاملة وأحيانا أخرى متقطّعة كالوميض! تثبت في قلبي مزيدًا من الانقباض والأسى، ثمّ تنسحب بسرعة! وحين أنشغل بحياتي أكثر...تصمت عنيّ بعض الوقت ثمّ تعاودني بقوّة كالصّفعة في عمقي! تمنعني من الغفلة عنها ولو بعض يوم!... وكيف أغفل عنها الآن وقد صارت جزءًا منّي؟!...لماذا اختارتني دون غيري؟ ومن دفعها نحوي؟ و لماذا الآن وليس قبل هذا؟...لا أدري! مجرّد شكوك!...ربّما، ربّما!







