سفريتي.. حـــ (ـو) ــريتان

أحسست حيال نفسي بأشياء آدمية، بعناقيد تفّاح ...بأقدام تتقاطع شوقا لتمتطي الطريق.. ببصر يعانق أفقا آخر.. بغيمة شاردة ترميني بطمأنينة آهاتها.. برغبة صبيّ في أن يخط تراب الأرض يواري هابيلَ أفكاري .. بخطيئات اشتهاءاتي ... لم تكن الوجهة واضحة بقدر ما كانت كل الجهات حلاًّ لي كي أحدد قبلتي.. ثمة وجهان .. حين قررت أن أمضي، مددت يدي للأبد.. كي يحضن فيّ ذاك الصبيّ.. كي يوقظ فيّ ذاك المارد.. كي يقدّس فيّ ذك النبي.. كي يجمع شتات من ينامون فيّ ضلوع حنين وأوتار عود.. كل ما أحسست به فقط رغبة في السفر يعثر المرء فيها على نفسه.. قلت علّني أشهد صمت الكل فأظفر بعلم الرؤيا.. أو أشهد نطق الكل فأحظى بعلم الحجاب، قلت ذلك بقلبي وقد التفتّ إلى مقولة أحفظها للنفري وأخرى عن القشيري ولم أكن أدري تفسيرهما.. لحظتها فقط أدركت معناهما.
"سطيف" بنقائها وصفائها لم تسع هذا الوافد إليها، قسنطينة بعراقتها وشموخها لم تحضن بدفئها أي فكرة... لم تعد المدن على معاصرتها تريح الإنسان، أدركت أنّه من الصواب أن يفرّ المرء إلى عالمين كي يعثر على نفسه، أن يستنطقهما ولا طاقة له في استنطاقهما إلا بمسّهما.. المس بمعناه العميق الذي نادى به أيوب النبي وهو يبوح بما به لمن هو اعلم منه به:" وأيوب إذ نادى ربه أنّي مسّني الضر وأنت أرحم الرّاحمين" ، عالمان هما السحر والساحر.. إليهما الملجأ منهما.. هما من يجمعان سحر حرفان .. الراء في تكرارها وكأني بهما يتكرران مرارا في حياتنا رغما عنا.. الحاء وهي تنهي نفَسَ الألم وكأني ببحة تخالج صدر حاملهما.. روحان هما وهما تحلاّن جسد ابن آدم وتمنحانه عمرا وطموحا.. حرّيتان هما وهما تأسرانه بسحرهما وتنهيان فيه عمر الوثنية لكل ما خلاهما.. حوريتان وهما تفتحان الشواطئ شهقة موج ليركب ابن آدم عبرهما المدى.. ليمضي صدى.. ليحل بكل أرض وردا وندى.. "روح" "حرّيّة" "حوريّة" تتقاسم كمفردات تكرار الراء وهمس الحاء ليتكرر العالمان ويهمسان ضيفهما الأبدي...
أما أوّل العالمين فهو المرأة، لكن ، ولاعتبارات عديدة لم تكن هذه الوجهة صحيحة، فاليوم لم تعد المرأة كتابا مفتوحا بما فيه الكفاية لتنتشل الرجل من ضياعه، بل صارت ضياعا بلا معنى، إلا من رحم ربي، فخديجة التي حملت همّ البشرية حين محمد صلّى الله عليه وسلّم عجز عن ذلك لحكمة ربانية باتت بنات جنسها أبعد ما يكنّ عنها، أقول وأكرّر عدا من هنّ أقدر حتى من الرجال أنفسهم، ومريم التي رضي بها بنو إسرائيل حين رفضوا زكريا عليه السلام فكانت ملاذا لأمة بأكملها لم يعد لها امتداد إلا ما يتراءى على خجل... وآسيا وقد ضرب بها الله مثلا للمؤمنين وهي تتمنى ما عند الله .. وهي تنفي عن نفسها الوثنية والشرك الذي لم ينج منه بنو إسرائيل.. أقرب الناس إلى من نادى:" أنا ربكم الأعلى" شهدت روحها سعة وفسحة دلّتاها بطمأنينة إلى حب المعبود بحق.. كأنّي بأسرار كل بنات حوّاء قد استنفذت على أيدي الأربع: مريم، آسيا، خديجة، وفاطمة الزهراء؟... تساءلت وأنا أجلّ المرأة وأعظّمها: كم من نبيّ بعث الله، كُثُرٌ طبعا.. كم من صحابي ومجدّد وقائد وعالم و... ساقه الله للبشرية؟ لكن كان نصيب المرأة من كل الحضور أربع. وأيّ أربع.. لسن عاديات .. كم سرّا تجلّيه امرأة بمثل تلك العظمة؟ كم من صعب تبدده؟ كم من حياة تمنحك إياها... لم أكن أريد الجواب . لأني أستحضر المقولة الشهيرة للمتصوفة :"المكان الذي لا يؤنث لا يعول عليه"...
أما ثاني العالمين فهو " الطبيعة"، كانت الوجهة الأخيرة بجاية بجمال الطريق إليها، بوديانها التي تقاسمني الأمس والغد.. تحضنني اليوم كما احتضنت في دفء أبي آدم وهو يهبط فيها.. دون بيت كان.. ولا حتى لباس.. بيته الطبيعة ولباسه خضرتها، بجبالها التي تلألأ الرذاذ على توأم الأشجار التي انحنت تواضعا لي وأنا أمرّ بها.. علي آوي إليها لأهز بجذعها تساقط عليّ من خيرها.. كأني بها تدرك أن بيني وبينها حميمية سرعان ما استذكرتها وهي تناجيني.. كم أحببتها أكثر وقبلتها بعيوني نيابة عن المسيح عليه السلام الذي آوت به مريم في حيرتها لتهدّئ الخضرة من روعها.. كم كانت حاضرة ...بمياهها التي سار السحر في ضبابها وهو يومئ إلي أنه حمل موسى رضيعا .. أنه شهد دمع أمه ووعد الرب لها بـ"أنا رادوه إليك".. وأنه أنهى ابن آدم يوم حمل نوحا ليطهّر الأرض ممن لم يحتملهم الكون.. كأني به يقول لي إن لي من القوة ما أمحو به الاسم والرسم.. ولي من الحب ما يبدأ به أهل الأرض عمرا جديدا..
"بجاية" بجمالٍ هو نبيذ الحرف وهو يستل المعنى من أفواه الشعراء،أرض سماوية متوهجة كأني بها نبض القلب في بدايات حبّه .. أرجوحة القلب بجاية وهو يتراوح يمنة ويسرة قمرا أبيضا فوق كفّ الريح بين حنين لمن رحلوا وشوق لمن سوف يأتون.. من أبناء آدم.. أهل الطين.. وهبتني جسما سليما ، وقلبا عظيما.. وعقلا متدبرا.. وهبتني بجاية صفحة بيضاء .. داكنة البياض ، فقرأت فيها كل الكتب والتراجم والسير.. قربتني من ابن بطوطة وابن خلدون.. جعلتني أصلي على كل رسل ربي.. جعلتني أتذوق أكثر لغتها في نفسها " الموسيقى".. أدركت أن القراءة ربع الحياة.. لكن التفكر والتدبر في الطبيعة هو ثلاثة أرباع متبقية . وهنا أيقنت أن رهان جبران خليل حول كتاب الحياة قوي.. كنت أستمتع بكل ما يمكن أن تنطق من خلاله الطبيعة... كل ما يذيب صدأ الأماني، لم يكن من حقي أن آخذ معي أي شيء، لأن الطبيعة أكبر من أن تستنطقها بشيء، فقط معي موسيقاي التي انتقيت منها ما يليق بعظمة التضاريس ، لم يخطئ نيتشه حين قال :"بفضل الموسيقى تمتع الأهواء نفسها بنفسها" ، وأنا أمضي كنت أقترب أكثر فأكثر منّي، كنت أعرفني شيئا فشيئا.. تعجبت لهذه العلاقة القوية بين الإنسان والطبيعة، كم يحنّ الطّين للطّين؟
اقتربت أكثر من منبتي، من طينيّتي فعرفتني أكثر، لم تكن هناك وساطة لأي شيء بيني وبين نفسي، أدركت حينها لم قبض الملائكة من كل أرض ليخلق الله آدم، لم آدم ـ وأنا مثله وكلنا ـ مزيج من تربة الأرض على اختلاف مكوناتها، كم سنكون قادرين على التأقلم مع هذه الطبيعة، كم سنحن إلى طينيتنا، إلى رمليّتنا، إلى الاخضرار، إلى المرتفع والمنبسط ، كم الاختلاف فينا كما في الطبيعة...
في الطريق كانت التقنية تكنس أجزاء لا تتجزأ من الطبيعة لتفرش للإنسان طريقا بين شموخ هذه الجبال... كم سيبقى الجدل بين الإنسان والطبيعة، ماذا ستجني التقنية والأداتية على هذا الكائن.. كان هيجل حاضرا وأنا أتجرأ على مثل هذه الأسئلة، وبشكل أكبر كان هيدجر يفجر كل الأسئلة الموقوتة..
أدركت في غمرة كل ذلك لم كان الأنبياء يستلهمون من الطبيعة أسرار الكون، إبراهيم وهو مشرئب بعنقه إلى السماء كان في كل ليلة يجد إلها لكن سرعان ما يتراجع ليمتد شكه وسؤاله وهو يكتشف أن الرب لا يأفل... في النهاية انتهى إلى أنه اجل وأكبر... وحين بلغ من العبودية لربه ما بلغ طلب أن يرى كيف تنبعث الحياة في الموتى، ليطمئن قلبه... اطمئنانا تحصل به راحة في النفس وطمأنينة في القلب ..ومرة أخرى يطلب منه أن يفرق الأجزاء على قمم الطبيعة (الجبال) لترتبط المعجزة بعظمة الطبيعة.. موسى وهو يضرب الحجر فتنبجس منه الإثنى عشرة عين وهم يستسقونه.. كم الطبيعة حاضرة، ومرة أخرى تشهد نجاة أهل الخير وفناء فرعون ، تضع الطبيعة بقوتها حدا للغرور الفرعوني...
موسى عليه السلام وهو يطلب رؤية الله جهرة.. فيتأذن الله للجبل فيجعله دكّا... كم ترتبط الرؤية ببقاء أعظم خلق الطبيعة. الجبل . لكنه يتزيّل ويتحوّل...
العزير وهو يستغرب رحلة الموت والبعث.. احتاج إلى أن يعود إلى منبته.. إلى عمق الأرض ليشهد البدء والانتهاء.. ليتعلم...
ناقة صالح عليه السلام خرجت من بين الصخور.. كان لهم شرب ولها شرب يوم معلوم، كيف تستطيع الطبيعة أن تفني الطبيعة.. تشرب كل الماء لتهبهم لبنا.. لم تكن ناقة عادية بقدر ما كانت الطبيعة ، طبيعة المنشأ...
يوسف عليه السلام وهو يؤول أعقد الرؤيا، لم ينتف وجود الطبيعة من بناء المشهد النبوي لمعجزته، الماء . الماء الذي انتهى إليه كل شيء .. أنا أيضا انتهيت إلى البحر.. الماء.وأنا أقول يا أيها الماء..أنت يا قمة القمم... يا من شهدت ابتداء الأولين وستشهد انتهاء الآخرين... يا من حملت العشاق.. وأصحاب الأمل في بلدان يحيون فيها حياة كريمة... أيها الماء ليت لي امتدادك وقوتك.. فالعمر أقصر من طموحي... سيأتي يوم تشهد على معجزتي أنا أيضا... كان شيء من الكتاب المقدس يحضر معي... شيء من القرآن... وبعض المؤلفات حول الوجود والتقنية والجدل... هناك تلاقت النصوص مع النص الأول....
أدركت أنه لا شيء يمنح مجانا... العزير احتاج مائة عام ليتعلم درسا واحدا.. كم نحتاج من تعلم روح البذل لنتعلم درس الحياة... قدمت يومين من عمري وسافرت إلى المجهول لأتعلم هذا... لأجدني ...
أدركت وأنا في طريق عودتي أن للسفر سرا.. وللوحدة في السفر أسرار.. وأن قطعة العذاب هذه تعلمك وتعرفك... وعدت ووجهي النور.

صفحة الفايسبوك

التسجيل في الموقع

  • صلاح
  • kadchahed

فيــــــــــــديو : تحية لقراء مجلة حنين