كأس للإبداع!

كان لها بيتٌ وزوج..وأحلامٌ كثيرة خطّطت لها منذ الطفولة...قبل الزواج تمّ الاتفاق على عدم الإنجاب في السّنوات الأولى إلى حين استقرار الوضع، وتوفير كل الإمكانات اللاّزمة لحياة في المستوى العالي.
كانت "هي" تعمل مربّية في روضةٍ للأطفال، وكان ذلك يُخفّف عنها بعض الشّيء حرمانها من الأمومة، وكان "هو" يكمل تكوينه بمدرسة الفنون الجميلة، كان يحلم أن يكون رسّاما مشهورا مثل "بيكاسو" وغيره، وأن تُقام المعارض لأجله، والمأدُبات على شرفه، وأن يُنشر اسمه في الجرائد والمجلات، وأن يُكرّمه رئيس البلاد...كان جادًّا في تحقيق أحلامه... يقضي الصباح بالمدرسة بين الورشات والكتب يستلهم منها النّظريات وسِيَّر العباقرة الأوائل! وبعد وجبة خفيفة يعود إلى البيت ليظلّ في ورشته باقي النهار وجزءًا من اللّيل، زوجته كانت تعود من العمل مساءًا، وكان يساعدها أحيانا في إعداد الطعام، كان مع كثرة مشاغله يجعل لها نصيبًا من وقته، كان ذلك النّصيب مقبولا ًفي الأشهر الأولى، لكنه بدأ يتناقص مع الأيّام، وأصبح عصبيًّا، المشكلة الّتي ظهرت إلى الوجود كانت قلّة الإلهام بالمقارنة مع الأيّام الأولى، لم يفهم السّبب، وعندما كان ينظر إلى اللّوحات الّتي أنجزها سابقًا يتساءل ماذا جرى له؟ أيمكن أن يكون سحرًا رماه به أحدهم؟ أو أنّه التّراجع الّذي يسبق التّوقف النّهائي؟ وكان ذلك يُثير جنونه، وكانت الخلافات بينه وبين زوجته تتوالد مثل الجراثيم، واضطرّ في نهاية المطاف إلى استشارة أصحاب الخبرة من أصحابه...أخبروه أن الأمر عادي، ولا يستدعي كل ذاك القلق، وأن كل فنّان يمرّ بمرحلة الفتور تلك، وذاك صراعٌ سيخوضه طيلة حياته لكن مع ذلك يستطيع معالجة الأمر، يستطيع تنشيط مُخيّلته وتحسين إبداعه: قالوا له: {تكفيك كأس واحدة وسترى الحياة بشكلٍ آخر...سترسِم كما لم ترسم أبدًا، وستستغرب حين تصحو أأنت فعلا من أبدع ذلك!}.
كلّهم كانوا يفعلون ذلك وأكثر! التّجربة الأولى كانت ناجحة ونتائجها غير متوقعة أفرحت حتّى الزوجة! اللّوحات ازدادت ونوعيتها تحسنّت؛ النّقاد قالوا عنه أنّه موهبة جديدة قد ظهرت ولابدّ من تشجيعها! زيادة الكؤوس أصبحت ملحوظة، وزوجته بدأت تستاء من الأمر فذاك المُنشّط أصبح يستهلك جزءًا من الميزانية...فترات الصّحو بدأت تقل، لكن المعارض المُقامة هنا وهناك هوّنت من المشكلة؛ والجرائد بدأت تكتب عنه، فكرة الأطفال أصبحت مرفوضة تمامًا...{إنّها فترة حرجة تستلزم كلّ التّركيز، ولابدّ من التّأجيل قليلاً!}، الزوجة لم تحتمل...ضربت قراره عرض الحائط...حملُها الأوّل سبّب له غضبًا شديدًا...{مصاريف جديدة كان من الممكن اجتنابها!}...لكن الأمر خرج من يده! عنفه معها لم يقل إلاّ مع مجيء أملِ أمّه! نظراتُه البريئة جعلت قلب أبيه يذوب، وينحني لسلطان الأبوّة، وصار مع ذلك أكثر إبداعًا! ولقّب وليده بالعصا السّحرية! ومع ذلك لم يتوقف عن أخذ المنشّط العجيب، أصبح شيئًا لا يتجزأ عن حياته! أراد أن يشبه الفنّانين الّذين قرأ عنهم...ملابسه أصبحت غريبة! وقُبعته أصبحت تُضحك زوجته، السّجائر لم تعدْ تُغادر أصابعــــه...وبدأت ملامح شخصيةٍ جديدة تَنْسَلُّ منه، وتتكوّن شيئًا فشيئًا، وصارت تطالب بإلحاحٍ اعترافا جادًّ بها، وكان الطفل في هذه الأثناء يكبر بين واقع أمه...وأحلام أبيه! وصارت المجلات تتحدّث عنه أكثر، والمأدبات تُقام على شرفه، ولم يبق إلاّ أن يُكرّمه رئيس البلاد!...الأحلام بدأت تكبر...تجرّأت...تجاوزته! وكان ذلك يُقلق الزوجة: فقد صار لها منافسات، وبدأت تخشى على مكانتها ومُستقبلها! لكنّه طمأنَها...فلم يكن ينوي الغدر بها لكنّه تنويعٌ فقط للمنشّطات ليزداد إبداعه! لابد أن يذوق كلّ شيء ليُبدع أكثر! كلّهم يفعلون ذلك!!
في إحدى الأيام جاءت الشرطة تطرق على باب الزوجة: أخبروها بكثير من الحزن والأسف أن زوجها قد تذوّق شيئًا لم يَحتمِله جسده المُنهك! كانت جرعةً قويّة أوقفت القلب في ثوان!...طلبوا منها الذّهاب إلى المستشفى للتّعرف عليه!!...وانطفأت الموهبة في قمّة العطاء، ولم يُكرمْها بعد رئيس البلاد!!

صفحة الفايسبوك

التسجيل في الموقع

  • صلاح
  • kadchahed

فيــــــــــــديو : تحية لقراء مجلة حنين