صـراع القلــوب

_ من هذه يا ترى؟ من تكون؟...أنّي وكلما رأيتها شعرت أن قلبي سيخرج من موضعه ليُعانقها...وعقلي يصارعه ويمسكه عن الأمر بصعوبة، لا أدري ما تعنيه لي تلك السيدة؟ لكن قلبي يرغب دائما في رؤيتها...كم يشتاق إليها ويشتاق إلى لقائهاǃ...إنّي أكره قلبي، فقد خان حبي وزوجتي وأم أبنائي...تلك المرأة الّتي صبرت لأجلي، وصارعت الغربة كذلك من أجلي، وساندتني في مرضي...كم كانت جميلة تلك الصدفة، بل ذاك القدر الّذي جمعني بها ذات يوم في دار عمها...
منذ شهر وأنا على هذه الحالة...حينما أرى "سارة" أعجب بحزنها...تجذبني إليها تلك الهالة الآسرة الّتي تلفها، يعجبني منها وفاؤها لزوجها المتوفى...لكن سرعان ما أتذكر زوجتي فأعود إلى رشدي...إلى حين.
حينما أرى "سارة" مع أبنائها أشعر وكأنها قطعة مني، وأبناؤها كأنهم من صلبيǃ وأعود لأتذكر زوجتي "رشا"...ماذا أفعل؟ هل أتبع قلبي؟ أم أسمع لعقلي؟
أذكر ذاك اليوم بالتفصيل...الاثنين 13من شهر مايو 2013...رأيت على بعد خطوات مني "سارة" جالسة والحزن يلفها كعادتها، وسواد ثوبها يعكس سواد أفكارها، فاستجمعت قواي واستسلمت لقلبي وهرعت إليها مسرعا...لكن وما أن وقفت أمامها ولمست يدي يدها حتى أحسست وكأنّ الأرض تدور من حولي...ما هذا؟ǃ...أهي نزوة؟ أم حبٌّ حقيقي وصلني متأخرًا؟...نظرت إليها...وجهها مألوف...إنّها زوجة أحلامي...تلك الّتي أراها كلّ ليلةٍ في أحلامي...نعم إنّها هي، نلتقي في الأحلام...نتخاصم ونتصالح، وميراث عمر من الهوى تتبادله العيون بيننا...
عدت إلى الواقع بعد حوار عيون بيننا دام زمنا لم أشعر به، سألتها رغم علمي بالإجابة:
_ لما أنتِ حزينة...سيدتي؟

أجابت:
_ توفي زوجي في حادث أليم منذ شهر تقريباǃ
أجابتها بأسف يخالطه شعور آخر لا أفهمه:
_ أنا آسف سيدتي، أسأل الله أن يرحمه ويسكنه فسيح جنّاته.
نظرت إليّ باستغراب:
_ أنت مسلم؟
أجابتها بالاستغراب ذاته الذي سألتني به:
_ نعم...أنا مسلم، لماذا تسألين؟
فاجأتني بإجابتها:
_ أنا مسيحية، ولقد تخليت عن فكرة أن أصبح راهبة في دير بعدما تعرفت على زوجي.
زارني خاطر من حيث لا أدري...أشعر أنّي أعرف هذه القصةǃǃ...لماذا تُحدّق بي هكذا ومن تكون؟؟
سألتها وأنا أنوي فتح مجال أوسع للحديث:
_ أراك دائما حزينة وجالسة في هذا المكان، وحينما أقترب لأكلمك يكون قد حان وقت مغادرتكǃ
أجابتني وهي تهمّ بالانصراف:
_ وهو كذلك...لقد حان وقت مغادرتي...إلى اللقاء.
استمهلتها قليلا لأسألها:
_ كيف أراك ثانية؟
أجابتني وهي تتجنب التحديد:
_ أتركها للصدفة.
عدت إلى البيت وكلّي فرح بلقائي الأوّل، وشوقٍ إلى لقاءٍ ثانٍ. لاحظت زوجتي كثرة نظراتي إلى الساعة وكأني أستعجل الوقت لألتقي ثانية بالجميلة الحزينة.
حلّ الظّلام بكلّ ما يحمله معه من تضارب في مشاعري...فرح، حزن، شوق، خوف، وحنين...نمت لأرى كابوس كلّ ليلة يعاودني من جديد كعادته، لكنه تلك المرّة كان غريبا...كان صوتي مسموعا، كنت أتشاجر مع...زوجة أحلامي:
_ أنتِ أنانية ومتعجرفة، سوف أتخلى عنك دون ندمǃ
_ إن فعلت هذا فلن تعيش لتندم...سأقتلكǃ
_ طبعا...كلّ يوم أكتشف فيك علّة جديدة...واليوم هذا جديدك...سفاحةǃ...يلائمك الاسم كثيراǃ
_ قل ما تريد، لكن إن جمعت أغراضك وتركتني فلا تفكر أبدًا في الحياة بعديǃ
تغيّر موقع الكابوس إلى الطريق السريع، وقد كنت أقود بطريق جنونية، وحينما حاولت أن أوقف السيارة لم أتمكن من التحكم في الفرامل، وما أن خرجت سيارتي عن الطريق حتى استيقظت من النوم مذعورا و"رشا" تحاول تهدئتي:
_ هل هو كابوس كلّ ليلة؟
أجابتها وأنفاسي لا تزال متقطعة:
_ نعم، لكن اليوم كان مفصّلاً أكثر وأوضح، وكأني أشاهد فيلما، ولكني لم أكن بطلهǃ
اقترحت عليّ "رشا":
_ اسأل أحد الأئمة، قد تجد عنده تفسيرا ما؟
في الصباح توجهت إلى مسجد المدينة، وبحثت فيه عن الإمام المسؤول وأخبرته بقصتي...سألني بداية:
_ هل تصلي؟
أجابته على استحياء:
_ لا.
أجابني كمن يعرض إحدى البديهيات:
_ إنه على ما يبدو عقاب من عند الله ليوجهك نحو الصلاة.
عدت إلى بيتي حائرا، والتساؤلات من حولي تعذبني...اغتسلت، وتوضأت...وقررت من يومها أن لا أنقطع عن الصلاة أبدًا. تحسنت كثيرا بعدها، وخفتت ذكرى "سارة"، لكن ذكرى أبنائها لم تزل تسكنني.
علمت بعد فترة أن "سارة" تنوي الزواج من جارٍ لها، فشعرت بألمٍ شديد في قلبي نُقلت على إثره إلى المستشفى، فتبيّن بعد المعاينة الطبية والتحاليل أنه مجرد انفعال لا أكثر.
قررت الذهاب لحضور زفاف "سارة" لأجبر قلبي على نسيانها...ولكني حينما عدت إلى البيت كنت...وكأني لست أنا...وجهي أصبح شاحبًا، وحزني اشتدّ أكثر...نمت تلك اللّيلة كمن ينام على جمر...عاودني الكابوس نفسه، لكنه كان أغرب...رأيت فيه أن "سارة" كانت تخون زوجها مع ذاك الجار، ولمّا اكتشف ذلك قرر الطلاق لكنها لم تتقبل الأمر، فاتفقت مع الجار على قتله...على قتلي...أخبرتني الخادمة بنواياها، لكني ظننته كيد نساء لا غير...واستمر الكابوس بي...خرجت للسهر مع بعض الأصدقاء، وبعد طول سهر عدت إلى البيت، وفي الطرق اعترضتني سيارة، وحينما حاولت الهروب لتفادي الاصطدام بها انحرفت عن الطريق ووقعت من مكان عالٍ أما السيارة التي اصطدمت بها فقد ارتطمت بصخور في الجهة الأخرى من الطريق، ونقلنا جميعنا...أنا والسائق الآخر إلى المستشفى...وعند تلك اللحظة استيقظت فزعا من النوم، أخبرت "رشا" بما رأيت، ولدهشتي أكملت لي هي ما تبقى من القصة الغريبة...أخبرتني أن قلبي توقف عن النبض حينما وقع لي الحادث، وبما أن السائق الآخر والذي كان زوج "سارة" قد أصيب بسكتة دماغية فقد قرر الأطباء إنقاذك بعد استحالة إنقاذ الآخر ونقلوا إليك قلبه، ولذلك أجروا لك عملية جراحية، ولم يعلم بما جرى إلا أنا والطبيب، وأخت الرجل المتوفي. كانت "رشا" لا تزال تتحدث حينما تذكرت أني رأيت أحدهم صباح يوم الحادث يعبث بسيارة زوج "سارة"، ولم أعط ذلك اهتماما لأني كنت مسرعا للذهاب إلى المسجد...
سألت زوجتي وأنا حائر لا أدري ماذا أفعل:
_ من سيصدق هذه القصة يا 'رشا"؟ سيعتقدون أني جننت؟
طمأنتني "رشا" كما ألفت أن تفعل دائما:
_ لا تخف إن الله سيظهر الحق، وسأظل إلى جانبك.
قررنا في صباح اليوم الموالي أن نخبر شيخ المسجد عن القصة لنرى ما يمكننا فعله، وقد أفرحنا أنه صدّق ما قلناه له وقال لنا:
_ الشيخ: اعلم أن القلوب مواطن الكتمان، والله أراد أن يدفع المجرمين ثمن جرمهما.
أرشدنا الشيخ الطيب إلى ضرورة إيجاد الخادمة التي كانت تعمل في بيت الرجل المتوفي، والتي رأيتها في حلــمي إذ كانت الشاهدة الوحيدة على ما حدث.
استعنت بأحد أصدقائي والذي كان يعمل شرطيا في قسم الشرطة القريب من منزلنا، وطلبت منه إعانتنا للبحث عن تلك الخادمة، وفعلا وفر علينا الكثير من التعب والوقت، وعثر عليها بسهوله خصوصا أنها لم تغادر المدينة بعد وفاة زوج "سارة"، وأكدت لنا كل المعلومات التي كنا نمتلكها حينما التقينا بها، ووافقت على الإدلاء بشهادتها لإظهار الحق، وإكراما لسيدها الذي كان يكرمها كثيرا، وأعتقد أنها أرادت أيضا الانتقام من "سارة" بسبب سوء معاملتها لها وطردها من عملها مباشرة بعد وفاة زوجها، ومع ذلك كانت شهادتها حاسمةـ تم على إثرها إلقاء القبض على الزوجين المجرمين ليقضيا شهر العسل في عتمة السجن.
كم هو غريب أن يظل القلب حيًّا بعد وفاة صاحبهǃ وكم هو غريب أن يستمر في الشعور في جسد غير الجسد الذي كان فيهǃ...أمور أكبر منا ولا نفهمها، كما الكثير من الأمور التي يغيب عنا معناها، ولذلك قررت إكرام هذا القلب الجديد وتطهيره، وإبعاده عن كل ما يمكنه أن يلوثه، فاتفقنا أنا و"رشا" على العودة إلى ديارنا الأولى...مكة الحبيبة، ليعيش فيها أبناؤنا في سلام وأمان، وقررنا قبل ذلك أن نكرم أبناء الرجل الذي أعيش بقلبه ونحفظ له أبناءه، ولذلك أتممنا إجراءات الكفالة هناك بعد موافقة عمتهم على ذلك، وأخذناهم مع أبنائنا إلى الديار.

صفحة الفايسبوك

التسجيل في الموقع

  • صلاح
  • kadchahed

فيــــــــــــديو : تحية لقراء مجلة حنين