التساهل التربوي
إن تاريخ الجريمة مرتبط بالوجود البشري، وتعتبر قصة "قابيل" الذي قتل أخاه "هابيل" أولى الجرائم في تاريخ البشرية، ويختلف الباحثون في تفسير أسبابها ودوافعها، كما يختلفون في كون الجريمة متأصلة في الإنسان وموروثة أو بكونها سلوكا مكتسبا، وانقسموا إلى تيار يقوده العالم الإيطالي "سيزار لامبروزو" الذي ربط بين السلوك الإجرامي وبين التكوين الجسماني والبيولوجي للفرد، وتيار آخر يربط الفعل الإجرامي "بالعوامل الاجتماعية والاقتصادية، وبالظروف النفسية والحاجات التي يعانيها الإنسان المجرم"[1]
يرى قاموس علم النفس أن السلوك الإجرامي يتمثل بـ:"مجموعة من الميول القوية التي تفعل بطريقة مضادة لقوانين المجتمع ولعاداته"[2]، وشخصية الإنسان المجرم تتصف "بالانطواء واللامبالاة العاطفية، بالعدوانية، بالأنانية، وسرعة السقوط في الرذيلة، بقصر النظر بسهولة اختراع القصص التبريرية"[3].
مراحل السلوك الإجرامي:
يمر السلوك الإجرامي حسب قاموس علم النفس بأربعة مراحل:
1/ مرحلة الموافقة المخففة:
"حيث تولد الفكرة الإجرامية، وتنمو بغموض أحيانا وبوضوح أحيانا أخرى.
2/ مرحلة الموافقة المبينة والموضحة:
حيث يتأرجح الفرد بين الرغبة بالفعل وبين الخوف من الفعل.
3/ مرحلة الأزمة:
حيث تتم الموافقة على التنفيذ.
4/ مرحلة التنفيذ:
حيث يقدم على فعلته مع كل ما تحمله من شناعة وقبح"[4].
الأسباب النفسية للجريمة:
1/ أفلام الحرب والعنف:
إذ أن صور العنف التي تحتويها هذه الأفلام، أو التي قد يكون المرء شاهدا عليها أثناء الحروب والنزاعات المختلفة تتراكم مع الوقت في لاشعور الفرد في انتظار انفجارها عند أي ضغط أو وضع يستدعي المواجهة.
2/ ألعاب الأطفال:
من دبابات ورشاشات وأسلحة مختلفة، وقد تحولت مع الوقت إلى أحسن مدرب على القتل والعنف، والتجرد من قيم الحياء والعفة.
3/ ألبسة الأطفال:
في ظل غياب وعي الأولياء الذين يتسارعون في كثير من الأحيان إلى اقتناء ألبسة يقال عنها: "موضة" لأطفالهم، وهي في كثير من تفاصيلها وتقطيعاتها تبعث إلى عقل ونفس الأطفال إيحاءات بالعنف خصوصا إن كانت تشبه ملابس قد ارتداها أبطال العنف في الأفلام وغيرها، وقد تتحول إلى دوافع إلى الممارسة الفعلية تكميلا للصورة.
4/ وسائل الإعلام:
وخصوصا المرئية منها، إذ أنها تحاصر المتتبع لها، وتسجنه في عالم إن كان العنف سيده فلابد أن يمر في أية لحظة إلى التنفيذ، وإن كانت الرذيلة حاكمة فالأمر سيقود إليها وهكذا.
هذا فيما يخص العنف بصفة عامة في المجتمعات، أما العنف داخل الأسرة فأسبابه النفسية كذلك كثيرة منها:
_ "معايشة مشاعر التقصير المتنامي من عجز الآباء عن تأمين حاجات الأبناء في ظروف اقتصادية منهارة"[5].
_ غياب المشاعر الإنسانية والتواصل الأسري بين الأفراد في ظل انشغال كل فرد منهم بأموره الشخصية.
_ انزواء كل فرد من أفراد العائلة بنفسه في عالمه الخاص والذي قد يكون مليئا بالعنف(مما يجعلهم أغرابا في بيت واحد) حاملين في أعماقهم لاستعدادات تحمل بين طيّاتها العنف والكره، والأحقاد الدفينة، مما يجعلهم غير قادرين على التواصل أو التفاهم، الأمر الذي يحوّلهم إلى أشبه من قنابل موقوتة، تنفجر عند أية شرارة(مواجهة، اصطدام، سوء تفاهم، تعارض المصالح...الخ)، والأهم من كل ذلك غياب الدين في البيت، فالدين هو المنظم للحياة المصلح والحكم العدل عند الخلافات، وغيابه يعني سيادة الاضطرابات والعنف والظلم.
العنف المنزلي :
يلاحظ أنّ هناك أنواعا مختلفة للعنف داخل البيوت منها:
1/ العنف الجسدي:
وأكثر من يمارسه الرجال إذ يمتلكون غالبا القوة، ويحدث أن يوجهوها في حالات الغضب، أو التأثر بمشاهد معينة أو حالات اللاوعي كالسكر والتخدير ضد زوجاتهم أو أولادهم، مما يدخل الأسرة في حلقة مفرغة، وخصوصا الأطفال إذ تجعلهم في استعداد للعنف وتولد لديهم الرغبة في ممارسته على غيرهم، ويبدأ هذا النوع من العنف من الضرب لدواعي غير تربوية، مرورا بالضرب المبرح والمسبب لعاهات مستديمة، وصولا إلى القتل بأبشع الطرق.
2/ العنف النفسي:
وأكثر من يمارسه النساء، ويحدث في حالات عدم القدرة على التنفيس عن الضغوط النفسية التي يعانين منها إلى الاهانات النفسية والشتم والتعنيف، وتشييء الآخر، وكلها أساليب تزيد النار اضطراما، وكثيرا ما تقود إلى جرائم فعلية، كما تترسب في ذاكرة الأطفال، مما يولد العدوانية لديهم.
3/ العنف الجنسي:
بدأ وللأسف الشديد هذا النوع من العنف في التفشي داخل مجتمعاتنا المحافظة، فصرنا نسمع من وقت لآخر بقصص اغتصاب بين المحارم، أو الزنا، أو اغتصاب الأطفال، فلا أحد منهم في مأمن(لا البنين ولا البنات).
مواصفات الأسر المؤهلة لاحتواء العنف والجريمة:
1/ التعليم:
يظهر المستوى التعليمي للآباء كأحد العوامل المحددة لطرق التعامل داخل الأسرة، فكلما ارتفعت المؤهلات التعليمية نقصت نسب اللجوء إلى العنف أو الجريمة، على أن لكل قاعدة استثناءات قد تبدو في وجود حالات عنف شديدة قد تصل إلى القتل داخل أسرة متعلمة، ويطغى نوع من الهدوء لدى أسر ذات مؤهلات علمية بسيطة، وهذه استثناءات، والغالب القاعدة الأولى.
2/الحالة الاقتصادية والاجتماعية:
"يمثل انخفاض المستوى الاقتصادي والاجتماعي للأسر عاملا مهما في انتشار العنف الأسري"[6] خصوصا إذا ارتبط هذا الانخفاض مع قلة خبرة الآباء الناتج غالبا عن صغر سنهم، وتلك العوامل تتسبب في ارتفاع معدل الخلافات داخل الأسرة، ثم بعد ذلك تزايد الكوارث مع التعاطي والإدمان والسرقة...الخ.
3/ الضغوط الحياتية:
هناك ضغوطا حياتية تسبب تنامي ظاهرة العنف داخل الأسرة، وظهور الأزمات منها:
_ البطالة.
_ المشاكل المادية.
_ البيوت غير المجهزة.
_ صغر سن الزوجين.
_ ضغوط العمل.
_ المشاكل المزمنة بين الزوجين.
_ قلة المصادر المادية.
_ هجران بعض الأزواج لعائلاتهم.
4/ تعاطي الكحول:
أشارت منظمة الصحة العالمية في تقريرها عام 1992 أن"97 في المائة من حالات العنف داخل الأسرة تحدث عن طريق شخص مدمن"[7]، وتعاطي الخمور واحد ضمن عدد كبير من أنواع التعاطي والإدمان، فهناك أيضا المخدرات بأنواعها المختلفة، وحتى بعض الأدوية التي يحولها البعض إلى نوع من أنواع المخدرات.
5/ تفشي الأمراض النفسية:
مثل القلق، الإحباط، الاكتئاب والتي تعدّ من أهم العوامل الزارعة للعنف داخل الأسرة خصوصا إن لم يكن هناك علاج نفسي ملائم لها، وهذا ما يفسر ارتفاع نسبة هذه الأمراض، وتنامي العنف داخل مجتمعاتنا.
الحلول المقترحة:
1/ الحلول الوقائية:
وأهمها على الإطلاق تحكيم الشرع داخل البيوت ابتداء من اختيار الأزواج والزوجات والعلاقات الاجتماعية المختلفة التي تربط بين هؤلاء وعائلاتهم، ثم في التعاملات المختلفة داخل الأسرة، وفي تربية الأطفال، ومراقبتهم خارج المنازل.
_ إقامة دورات خاصة بالأسرة، كما يحدث حاليا في بلدان الخليج العربي، وذلك بهدف رفع الكفاءة الأسرية، وتقويم الاعوجاجات الحاصلة، وتقديم الحلول للمشاكل قبل وقوعها.
_ كسر الطابوهات، ويكون ذلك أساسا بتكوين جمعيات أو هيئات سهلة الاتصال بها للإبلاغ عن أي فعل قد يكون مقدمة لممارسات إجرامية مستقبلية، وإن تطلب الأمر التدخل في خصوصيات العائلات، ويتم ذلك بطريقة رسمية من قبل تلك المؤسسات لتفادي الأسوأ.
_ نشر المختصين النفسانيين في المدارس المختلفة، وأماكن العمل لتسهيل الاتصال بهم عند الحاجة، وكسر الحواجز بينهم، وبين من يرغب في الاتصال بهم.
_ المساهمة في توفير فرص عمل للأسر الأكثر عرضة للعنف للتقليل من إمكانات حدوثه.
2/ الحلول العلاجية:
إذا وقع العنف أو الجريمة داخل الأسرة فهنا يتطلب الأمر حلولا أخرى منها:
_ تفعيل القوانين التي تنص على حماية الأفراد المعتدى عليهم، خصوصا الصغار، إذ أن القوانين موجودة ولكن يبقى تحقيقها على أرض الواقع أمرا آخر.
_ التشدد في الإجراءات القانونية العقابية ضد من سولت لهم أنفسهم الإقدام[8] على ظلم ما حتى يكونوا عبرة للآخرين.
_ تكوين قضاة متخصصين في مشاكل الأسرة، إذ لا يمكن مثلا لقاضي أعزب أن يحكم في قضية واقعة بين زوجين، أو أولياء وأبناء.
_ عدم تمكين من يعثر في ملفه على جريمة أو عنف أسري من القيام بمهام معينة كالتدريس مثلا، أو الطب، أو التمريض...الخ إذ أنها مناصب تتطلب مستوى أخلاقي ونفسي وإنساني عالي جدا.
_ جعل الأطفال والنساء خصوصا الذين يتعرضون للاعتداء تحت عهدة مؤسسات خاصة تضمن لهم الرعاية والحماية وإعادة التأهيل حتى يعودوا إلى الحياة العادية.
_ تكوين هيئات خاصة تضم مختصين نفسانيين، وشرطة خاصة للتكفل مباشرة بالأشخاص الذين يتعرضون للعنف الأسري.
الإحالات والهوامش:
[1] _ جليل وديع شكور، العنف والجريمة، الدار العربية للعلوم، ط1، 1997، ص21.
[2] _ Norbert Sillamy, Dictionnaire de psychologie, Paris , Bordas, 1980, P299.
[3] _ جليل وديع شكور، العنف والجريمة، ص21.
[4] _ Norbert Sillamy, Dictionnaire de psychologie, P299.
[5] _ جليل وديع شكور، العنف والجريمة، صص38.
[6] _ علي إسماعيل عبد الرحمن، العنف الأسري(الأسباب والعلاج)، مكتبة الأنجلو المصرية، ط1، 2006، ص49.
[7] _ نفسه، ص50.







