التجاذب التربوي

 كان لبيان أوّل نوفمبر1954 القول الفصل في أصالة الثّورة وهويتها، ومن ثمّ بناء دولة كما أرادها الشّهداء، ودفعوا لأجلها مُهج الأرواح وأزكى النّفوس لتحرير الأرض وصيانة العرض والذّود عن حمى الجزائر أرض الإسلام كما جاء في الدستور، و لكن – و ليت ما كانت هذه الـ:"لكن"- وبعد الاستقلال دخلت البلاد في صراعات  المغانم والكراسي وما رافق ذلك من انعكاس الوضع الدولي آنذاك من صراع المعسكرين والاستقطاب النّاتج  عنهما، و الّذي ألقى بدوره ضلاله على الوضع القطري والإقليمي.

وكنتيجة حتمية، ولأنّ بناء الإطار البشري يُمثّل جزءا هامًّا من بناء الدّولة بعد تراكمات قرن وثلثه من استدمار مُدعيّ "الحرية والمساواة"، شُرع في مواجهة التّحديات الآنية لبناء دولة "لا تزول بزوال الرجال"، و كان من أوكد ما يجب البدء به آنذاك هي معركة بناء الإنسان وما يستوجبه من إيجاد المناهج والبرامج وِفق منظومةٍ تتوافق مع المجتمع، منسجمةٍ مع روح الحداثة، متناغمةٍ مع ما اصطلح عليه من أصالة ومعاصرة، وبدأت المدرسة الجزائرية تشق طريقها وسط تجاذباتِ مخلّفات حقبة الهيمنة الاستدمارية-على رأي مولود قاسم نايت بلقاسم(رحمه الله)- و ما بقي من نضالات الوطنيين على مدرسة عربية اللسان إسلامية الروح والّتي كافح لأجلها رجال جمعية العلماء وغيرهم من الشّرفاء  المخلصين، وبقي الأمر على ذلك واستطاع من خلاله بعض الأصلاء العمل على إرجاع مياه النّبع إلى صفائها ونقائها، ومسح كل ما علق بها من شوائب تسلّلت إليها من أثر سياسة التّجهيل ومحو لمكوّنات الهوية الوطنية عبر التاريخ الضّارب في القدم.

و في أفريل 1976 حدث ذلك المنعرج الفارق في منظومة التعليم عندنا بأمرية توحيد التّعليم بإلغاء التّعليم الأصلي، والّتي جاءت نتيجة صراعات في الكواليس، ومن حينها أصبحت الحرب سجالا،  وبدأت معركة كسب المواقع بين أنصار المدرسة الأصيلة والمُتفتحة، وبين المدرسة الهجينة التّائهة، وسارت الأمور بين مدٍّ وجزر كسبت اللّغة الرّسمية والوطنية بعض المواقع من خلال المدرسة الأساسية، ولكن الأجيال الّتي درست كلّ مراحل التعليم بالعربية كانت تصطدم في الجامعة ببقاء التّدريس تحت مظلةـ:"غنيمة الحرب" الّتي تمترست هناك وحافظت على الحصن والأنصار، فكان الّذي يصل من النّاجحين إلى الجامعة يصطدم بعامل اللّغة، فمنهم من يجتهد ويكابد المشاق ويمرّ بشقّ الأنفس ومنهم من يرمي المنشفة في أوّل منعرج .

ثمّ هبّت سنين عجافٌ أخرى بدأت بالتّراجع عن الأساسي في التّعليم مع ما رافقها من تغريب كلّ المصطلحات في التّدريس، وحتّى عمليات الحساب في الابتدائي مشت في الاتّجاه المعاكس للغة الضّاد، وإن كنّا سننسى فلن ننس ما كان من  تسريبات مواضيع الباكالوريا في بداية التّسعينات، والّتي تُمثّل إزاحة غير شريفة لمن أراد أن يُرجع للمدرسة هويتها ويُعطي للعملية التّربوية أبعادها.

من يومها دخلت المدرسة والتّعليم في البلد دوّامة من الإصلاحات التّائهة في ظلّ استقرار وزاري نُحسد عليه، فمرّة يكون تدريس اللّغة الأجنبية الأولى في السّنة الثّالثة، والعام القادم تُقدَّم للسّنة الثّانية، ثمّ بعدها ترجع كما كانت في عملية أشبه بلعبةٍ للأطفال...و كثرت الإضرابات وتنوّعت النّقابات وكشّرت عن أنيابها خاصّة لمّا لاحت تلك الرّزم من أموال المعلّمين الّتي وضعت في غرفة أشبه ما تكون بمغارة علي بابا مكتوب على بابها "أموال الخدمات الاجتماعية".

فأيّ مستقبلٍ في انتظار الأجيال؟...و أيّ مستقرٍّ سترسو عليه المدرسة الجزائرية في عصر النّقال والشّبكة العنكبوتية و الفيسبوك؟؟؟



بقلم المهندس عبد الباقي بن محمد

صفحة الفايسبوك

التسجيل في الموقع

  • صلاح
  • kadchahed

فيــــــــــــديو : تحية لقراء مجلة حنين