فكرة ... ارفعوا السّقف ..
في كلّ صباح يومٌ جديد...المار على بضاعة الورّاقين الّذين تحوّل الكثير منهم إلى عقلية أصحاب"الشكارة"، حتّى لا أقول الاسم الآخر الّذي له علاقة بالبقر، قلت المار يجد هناك وبالألوان وعلى صدر الصّفحة الأولى عناوين مقرفة تدعو للتّقزز، لست أدري ما الدّاعي إلى وضعها في الواجهة مصحوبةً بالصّورة الملوّنة و بالتّقنية الرّقمية من آخر طراز؟؟
أتساءل دائمًا..ما الدّاعي لوضع صوّر رؤوس حمير(أكرمكم الله و رفع من مقامكم) وبالصّورة المكبّرة و بالألوان؟ ثمّ كتابة العنوان الّذي فحواه..."إن لحوم الحمير بيعت هنا و هناك، وإنّ بعض الجزائريين قد ذاقوا من طعمها مفرومًا أو مرقازًا أو بشكلٍ آخر؟؟...ما الغاية من كتابة عنوان عريض ودائما في الواجهة...بأنّ امرأة قتلت زوجها وأولادها بمقلاة زيت أو شاقور أو سكين مطبخ؟ أيّة رسالةٍ يُراد تبليغها ـ لو افترضنا أنّ هناك رسالة – من وراء إبراز هذا النّوع من الأخبار عن مجتمعٍ فقد البوصلة وأصبح يبحث عن تلبية مطالبه بالاعتماد على ثقافة العنف في أعنف مظاهره؟..فمن أراد سكنا رمى بنفسه من أعلى نقطة في المدينة، و من أراد شغلاً أحرق نفسه؟...و من ذهب يخطب ورُفض لجأ إلى قطعة حبل في أعلى الشّجرة ... وهكذا أصبحنا لا نُصبح ولا نُمسي إلاّ على مثل تلك الأخبار... ورغم ذلك فالحياة مستمرّة، و الجرائد تطبع وتزداد نُسخها، و المجتمع يتحلّل، و المُثل السّامية تتهاوى بشكلٍ متسارع.
لقد تنوّعت الجرائم أنواعًا وأشكالاً و وسائلاً وأحوالا، حتّى بِتنا نسمع باندلاع معارك بالسّيوف في مظهرٍ من مظاهر البدائية والتّراجع حتّى في استعمال الوسائل، دون أن نُغفل ما فعلته الحبوب المهلوسة في العقول والأمخاخ، والّتي ظهرت أثارها جرائمًا لم يكن يتصوّرها أحد من قبيل زنا المحارم وقتل الأصول.
في كلّ هذا الخضّم نتساءل كيف على الإعلام أن يتناول مثل هذه الأحداث؟ من أيّة زاوية يكون المدخل؟ هل من باب الخبر العادي دون تعليق أو توجيه؟ أو تضمين ذلك إشارات ترغيب أو ترهيب من مآلات وعواقب تفشّي مثل تلك المظاهر الّتي ينفر منها كلّ مجتمع راقي؟؟
لقد دخل في القوم من ليس منهم، و سيطرت عقلية الرّبح والخسارة المادية على الغالبية، وأصبحنا نرى الموضوع والصّورة الّتي تجذب إليها الفضول أكثر، المهم في كلّ ذلك أن يُباع أكبر عدد من السّلعة في السّوق ولا يهم بعد ذلك...الّذي يهم هو مقدار الحسابات البنكية، ولِتُبنى المقرّات الزّجاجية العصرية المُلفتة للانتباه حتّى يتقاطر عليها الإشهار من كلّ حدبٍ وصوب...أمّا حكاية تأثير ما نكتب والاستعانة بأهل الاختصاص لمعالجة مظاهر التّفسخ وما شذّ من الإجرام...فتلك حكاية لا وزن لها أمام كمية السّحب وما ينجرّ عنها من ألقابٍ..."كـالأولى إفريقيا أو عربيا"...
إنّ تهافت الإعلام المكتوب – في انتظار تجسيد الانفتاح السّمعي البصري – في تناول مثل تلك الجوانب الحسّاسة ممّا تموج به السّاحة من مظاهر مستجدّة بطريقة القصف العشوائي من أناسٍ غير أولي اختصاص سيترك أثرًا مضاعفًا على مجتمع بدأ يفقد البوصلة، وأصبح يعيش في ما يشبه غابة تسود فيها سياسة "افعل واش حبّيت و وين حبيت"...إنّنا نستنجد وننادي بتدارك الأمور لأننا نخاف أن تدهمنا موجة السّمعي البصري الّتي ستكون أعتى، ولأن إرهاصات ذلك بدأت تتشكّل و نذر الأنياب اللامعة توحي بالكثير.
المهندس: عبد الباقي بن محمد/ عنابة.







