هل الغربيّ كائن منته؟
لما تقرأ السيرة الفكرية لأيّ مفكّر غربيّ، فإنّك تكتشف أنّ المفكّر الغربيّ لا يتوقف عن التساؤل والتفكير والتحليل والكتابة في أيّ مكان يتواجد فيه: السجن أو الحرية وأيّ ظرف تاريخيّ يمرّ به: الحرب أو السّلم، وفي أيّ حالة صحية: العافية أو المرض، وفي أيّ حالة اجتماعية: الفقر أو اليسر. أي أنّ المفكر الغربيّ ينجح دائما في تجاوز الانفعالات الإنسانية اللاإرادية المجبول عليه لينتقل إلى الفعل الإنساني الإراديّ. أو بتعبير آخر يحوّل ذاته دوما إلى موضوع للدراسة والتحليل، في كلّ الأحوال والمقامات.
ويمكن أن نسوق العديد من الأمثلة: إنشطاين كان مريضا بالتوحد لكنّه أهدى للإنسانية نظرية النّسبية ثمّ نظرية الانشطار الذريّ، ألتوسير- الفيلسوف الفرنسيّ ذو الأصول الجزائرية- عانى من نوبات جنون تخلّلت مشواره الفلسفيّ، لكن لم يمنعه الأمر من تعديل الجدليتين الماركسية والهيغيلية والمزج بينهما. فرويد عانى من عقد وأمراض نفسية، لكن لم يمنعه الأمر من إيجاد آليات عقلانية لتحليل اللاوعي الإنسانيّ. فجعل بذلك عقده موضوعا للدراسة والتحليل، وهلم جرى. ولما يحتك المفكر العربيّ بهذا المناخ المتحرّك، لابد أن ينطبع بهذه العقلانية ويتجاوز ذاته وانفعالاته ليترك بصمته في أفعال فكرية تخلد بعد مماته. وأستدلّ بمثال واحد: المفكّر العربيّ الفلسطينيّ الأمريكيّ الذي لم يمنعه سرطان الدمّ في أواخر حياته من كتابة سيرته الذاتية " خارج المكان" والأهمّ من ذلك ألهمه مرضه في أن يبحث عن خصائص أسلوب الأدباء فترة المرض وأوجه اختلافها عن فترة العافية. سمّى الكتاب " الأسلوب الآخر" ويعتبر سبقا نقديا في مجال الدراسات الأدبية، لأنّ إدوارد هو الوحيد الذي كشف التغيّرات التي تلحق أسلوب الأدباء المرضى، مستشعرا بعمق الفرق. ولو قارننا هذه العقلية الفاعلة بعقلية الإنسان العربيّ، يمكن أن نقولها في كلمتين، الانفعال والفعل، السكون والحركة. وأتحدث خاصة عن سياقنا الجزائريّ أين تكثر فيه الشكوى وينزع المواطن الجزائريّ إلى المطالبة بالحقوق أكثر من القيام بالواجبات، وهذا المناخ الانفعاليّ استجلاه مالك بن نبيّ بعمق في كلّ مستويات الشعب الجزائريّ بدءا من المثقفين إلى العامة. ونمثّل على ذلك بالقصة الشهيرة هذا ما استنتجته من خلال قراءاتي في الفكر الغربيّ، ويتأكّد لي مرة أخرى وأنا أعيد قراءة كتاب بول ريكور: " بعد طول تأمّل" وهو سيرة ذاتية يسرد فيها مراحله الفكرية الهامة، وما استوقفني روحه العالية المتجاوزة لكلّ الإكراهات التي يسمّيها بلغة البروستانتيين" اللاإرادي" وتجسيده للفعل الفلسفيّ، حتى في الفترة التي عانى منها اليهود من التصفية العرقية على يدّ النازيين إبان الحرب العالمية. إذ يجعل من الشرّ موضوعا لتأمله الفلسفيّ والتنظير له في السياسة أيضا، متسائلا عن العلاقة بالإنسان الخطّاء بطبعه أي الطبع المتناهي. ويستعيد بول ريكور سنوات سجنه إبان الحرب العالمية الثانية باحتفاء فكريّ وإنساني في قوله: " كانت سنوات الاعتقال مثمرة جدا بالنّسبة إليّ على الصعيدين الإنسانيّ والفكريّ جميعا. " إذا كانت الفلسفة تحوي فرعا يهتم بتاريخ الأفكار الفلسفية، فإنّ فرعا جديدا عن تاريخ الذات المفكرة ضروري ويفيد الإنسان العربيّ، والجزائريّ خاصة، الذي لايزال يقبع في طور الانفعال ويطالب بحقوقه أكثر مما يقوم بالواجبات، ويصرخ ويندب للسعة إبرة في ثوب. حريّ بمجتمعاتنا أن تقتدي بهؤلاء الذين لا يتوقفون عن الفعل حتى في احتضارهم







