ربوا أولادكم قبل ولادتهم أو لا تلدوا
يقول الشيخ محي الدّين بن عربي أنّ الرجل إذا جامع زوجته وتخيّل صورة عن الابن قبل أن يقذف ماءه في رحم المرأة فإنّ الابن يستوي على تلك الصورة الذهنية المتخيّلة، فزكريا تخيّل ابنه ذكرا وريثا علّيا فخلق يحيى كذلك.
ما تفطن إليه ابن عربي من القرنين 12 و13 هجريين ما ينفكّ الطبّ الحديث يؤكده، إذ تلعب الحالة النّفسية والذهنية للزوجين قبل الجماع دورا هاما في تحديد طبيعة شخصية الابن التي تتكوّن. ويحضرني موقف طريف لمالك بن نبي يصبّ في علم النّفس الطفل دائما: أقبل صديق إلى مالك بن نبي يسأله نصائح في تربية حفيده فسأله مالك بن نبي: ما سنّه؟ أجاب الرّجل: شهر. فقال مالك بن نبي: فات أوان تربيته. إنّ إجابة مالك بن نبي تدلّ على أهمّية مرحلة ما قبل الولادة في تربية الطفل، لأنّ الجنين ليس مجرد كائن حيّ مستلق في ركن مكين، يتلقى غذاءه عبر الحبل السريّ، بل هو كائن شعوريّ يتكوّن في الرحم وأثبّت علماء الأجنة والنّفس أنّ الطفل يستقبل ذبذبات المحيط العائليّ وتتلوّن نفسيته بألوان نفسية الأمّ. فإذا كانت الأمّ حزينة أو منفعلة تعيش في مشاكل عائلية فإنّ نفسية الجنين تتأثر وتظهر آثار ذلك بعد الولادة مباشرة. إذ نجد مثلا المولود الجديد لا يتوقف عن البكاء ليلا نهارا، مع أنّ الأم تغذّيه وتغيّر له ثيابه والحفظات وتدفّيه وتتأكّد من أنّه لا يشتكي من أيّ مرض. ما السبب في بكائه في مثل هذه الظروف الصحية إذن؟
السبب بسيط جدا يتمثل في الحالة النّفسية المضطربة للأمّ قبل الولادة، فانطبعت نفسية الطفل بنفسية الأمّ المضغوطة مهنّيا أو أسرّيا. وأثبت علماء النّفس أنّ الجنين يشعر بحبّ آبائه له، فينتقل إليه حبّ الأبوين ليخلق كائنا سوّيا هادئا لا يكثر من البكاء في شهوره الأولى. وينصح علماء النّفس - في البلدان التي تحترم الروح البشرية- الأمّ بأن تختلي بنفسها في مكان هادئ، على الأقلّ لمدة ساعة كلّ يوم، تمارس فيها الرياضة وتستمع إلى الموسيقى الهادئة، لتصرف الضغط النّفسيّ ليوم كامل. وينصحون أيضا بتحدث الأبوين إلى الجنين بكلمات الحبّ كلّ يوم.
فتربية الابن إذن تبدأ قبل الولادة، بل قبل تكوّن الجنين أصلا، بدءا من المناخ العائلي المناسب إلى مزاج معتدل أثناء العلاقة الحميمية بين الزوجين، انتهاءا بالبرمجة الحبّية الإيجابية للجنين في بطن أمّه. فكم من الأزواج يراعون هذه الشروط الصّحية التي تفطن إليها ابن عربيّ قديما وأثبتها العلم الحديث؟
أكاد أجزم أنّ أغلب الآباء يجهلون كلّ ذلك، إلا من رحم ربك. والأقلّية التي تهتمّ بالتربية النّفسية للابن، فإنّها تصدم بالبيئة المتخلّفة التي تجعل الابن رقما يتفاخر به الأبّ أمام أقرانه، أو شيئا يستخدمه للاتّكاء عليه في شيخوخته مثل العكاز أو الكرسيّ المتحرك. وقد نشرت سابقا مقالا على صفحتي بعنوان: " الجزائريّ المولود صدفة في حادث سريريّ" توصلت فيه إلى أنّ أغلب الجزائريين ولدوا صدفة دون تخطيط بأحداث سريرية مثلها مثل أحداث الطرقات التي تقتل الأرواح البريئة، استنادا إلى مقولة شائعة في أوساط النّساء يبرّرن بها حملهنّ غير المتوقع ب: " حدث الأمر صدفة", ماذا نتوقع من أبناء ولدوا صدفة بأخطاء سريرية أو ولدوا في جوّ أسريّ متشنّج؟
إنّ تبرير بعض النّساء لحملهنّ المفاجئ بالصدفة أو الخطئ ينمّ عن جهل بقيمة الرّوح في مجتمعاتنا العربية- خاصة في الجزائر- فبينما الغرب يخطّطون للمولود من كلّ الزوايا المادية والنّفسية، بل ويخطّطون حتى ليوم خلق طفلهم – ولو بشكل تقريبيّ- لازال الآباء في مجتمعنا يضعون في الوجود أطفالا، الواحد تلو الآخر، بأخطاء سريرية أحيانا وبداعي المباهاة أمام الخلق أحيانا أخرى وبداعي الحاجة الاستعمالية في معظم الأحيان. وهذا ما يعود على مجتمعاتنا بعوائد الأمراض النّفسية المتفشية في أوساط الأطفال أو الشباب من عنف واهتزاز الشخصية وميل إلى الخمول والغمّ. إنّ ما نلاحظه من ضياع القصد في أوساط شبابنا ألخصه في ثلاث سلاسل موضوعية متتابعة: أطفال ولدوا بصدفة في أحداث سريرية فنشأوا بشخصية عبثية صدفية وبنوا جزائر صدفية عبثية.







