تأملات شاهدة من (على) التعليم

ترتبط  قيمة الفرد في المجتمع بما يحسن صنعه في مجال تخصّصه، أي بقدرته على تحويل مهاراته وكفاءاته إلى منتوج  مفيد، ذي جودة وفي ظرف قياسيّ معقول. وسواء أكان هذا المنتوج فكريا أو ماديا، فإنّه يصنع ضمن المعادلة الشهيرة لمالك بن نبي:

منتوج حضاريّ= إنسان + وقت+ تراب. لنأخذ مثالا عن إنتاج الكمبيوتر: كمبيوتر= إنسان+ وقت + تراب، وقس على ذلك كلّ المنتوجات. وبتعدّد المنتوجات وتنوعها نشكّل من الطرف الأوّل من المعادلة منتوجات حضارية، تمثل الحضارة. فالحضارة ليست سوى منتوجات يصنعها إنسان في وقت ما ليطبقها على رقعة ترابية ما( حضارة= إنسان+ وقت+ تراب).  ولا يقصد بالجمع بين الأطراف الثلاثة، الإنسان والوقت والتراب، جمع المراكمة أو التكديس، بل جمع التفاعل الإيجابيّ بينها، يسمح للعناصر الثلاثة بالتكامل والتناغم في عملية الإنتاج. وهنا أستعير مثال بن نبي عن إنتاج الماء. فلا يكفي مراكمة  أو تكديس مئات ذرات الهيدروجين والأكسوجين لصنع الماء، بل يجب إيجاد وإنجاح التفاعل الكيميائيّ بينها. فالتفاعل الفعّال بين العناصر الثلاثة هو معيار نجاح عملية الإنتاج وجودتها، وإلا تؤول العملية إلى تكديس للمنتوجات ليس إلا. وقد يمّس التكديس الأشخاص أو الأشياء أو الأفكار، باعتبار الثلاثة منتوجات حضارية، تصنعها المؤسسات والاستراتيجيات العلمية المعرفية في أيّ بلد.

تضطلع الجامعة بالدور المركزيّ في إنتاج  الطاقات المفكرة المؤهلة  لخوض غمار الإنتاج الحضاريّ. فهي تعتبر الوسط  الذي ينتج فيه الفرد المؤهل، مهندسا وأستاذا وطبيبا وعاملا بسيطا. وفي نفس الوقت فهي الوسيط بين متطلّبات المجتمع في مختلف المجالات الاقتصادية والثقافية والسياسية، وبين متطلبات البحث العلميّ وشروطه، أي تجمع بين البعد البراغماتيّ الاجتماعيّ للإنتاج وبين البعد العلميّ والمعرفيّ لطرائق الإنتاج. فتكون الجامعة من هذا المنظار مخبرا للتفاعل بين مختلف الطاقات البحثية، قصد إنتاج منتوجات معرفية، كتبا أو مجلات أو دوريات. كما أنّها سوق لتسويق المنتوجات، في المعاهد والمعارض ودور العرض الجامعية.  وإنّ أيّ خلّل في العملّية الإنتاجية لن يخرج عن الخلّل في أحد العناصر الثلاثة، الإنسان والوقت والتراب، أو في الثلاثة مجتمعة. فهل تنتج جامعاتنا أفرادا منتجين فاعلين، بالمعنى البراغماتيّ للمصطلح، أي يضيفون ما ينفع ميادين تخصّصهم، أم أنّها تنتج طاقات، تراكم المنتوجات دون جودة؟

لو حلّلنا السوق الإنتاجية للبحث العلميّ لوجدنا صنفين من الباحثين، أوّل يتباهى بالعدد المشهود من الكتب والمنشورات المنتجة  في كلّ عام، وصنف ثان يشتكي من العقم الإنتاجيّ. وقد يبرّر الصنف الأوّل الوفرة بالتنافسية التي تشهدها ساحة البحث العلميّ، فضرورة التواجد الكثيف وقانون الانتشار السّريع يستوجب الإسراع في المنتوجات، الواحدة تلو الأخرى، حتى وإن كان على حساب الجودة في كثير من الأحيان. ويبرّر الصنف الثانيّ عقمه الإنتاجيّ برداءة الاستراتيجيات والمناهج الجامعية وكذا المناخ البيروقراطيّ في المعاهد، فكلّ ذلك لا يسمح بتحرير الطاقات المنتجة.

إنّ شخصية الصنف الأوّل مصابة بذهان السهولة، أما شخصية الباحث الثاني فمصابة بذهان الاستحالة، وهنا نستعير المصطلحين من المفكر مالك بن نبي في تحليله لشخصية الفرد الجزائريّ العامل.

يقود الأول إلى استسهال المهام وإنجازها كيفما اتّفق، دون إتقان. فيعمد الكثيرون إلى مايسمّيه مالك بن نبي مراكمة الأفكار والأشياء

والأشخاص. فيتوهم الباحث أنّ جمع ولملمة الأفكار من هنا وهناك، دون نسق جامع لها، هو جوهر الكتابة. فينتجون الكتب تلو الأخرى دون تصوّر ابستمولوجيّ ولا نسق معرفيّ، يبرّر هذه المراكمة المعرفية. ولربما هذه الآفة  ورثناها من مناهج التعليم عندنا فهي لاتعلّم الطالب الربط المنطقيّ بين الأفكار والمعارف، ولا تمدّه بطرائق منهجية لتلّمس الثوابت والمتغيّرات في الرّكام المعرفيّ الإنسانيّ، أو بتعبير آخر يعجز التعليم عندنا عن تدريب عقول الطلبة على استنباط بنية صورية تجريدية خفّية، تجمع مايبدو متباعدا متناقضا في بنيته الظاهرة المشهودة. إذ يتوجّه التعليم إلى شحن الرؤوس بالمضامين لا إمداد الطلبة بالطرائق والمناهج، للتفكير والفهم ثمّ الكتابة. لا تخلو بحوثنا من الحشو والتكرار و السرد التاريخيّ، دون تفاعل جليّ بين كلّ ذلك، أو بتعبير مالك بن نبي دون كيمياء جامعة، تجعل ما يكتب معرفة مؤسسة ومنتوجا حضاريا راقيا. الكلّ متسرّع يريد أن ينتج، يتّبع أقرانه، في وسط استهلاكيّ، يجعل من ذوات المفكّرين معمّمة، تفعل الأشياء نفسها وتلوك المقولات نفسها، على حدّ تعبير هيدجر.

أما الذهان الثاني فهو ذهان الاستحالة، فإذا كان الأوّل وافرا من حيث الكمّ، فإنّ الثانيّ عاقر من حيث الكمّ. ويرجع أساسا إلى نقص الفعالية في الفرد المنتج في أمّتنا، فرغم امتلاكه لكفاءات ومعارف، لكنّه يعجز عن إخراجها في منتوج ملموس، أي يفتقد إلى عنصر الإنجاز حسب مصطلح مالك بن نبي. وقد قدّم الكاتب في مذكراته مثالا  حيا عن صديقه السّاعي الذي يقرّ بن نبي  بفضله الكبير فيما كتب، وفي توجيه تفكيره  إلى طرق جديدة لفهم القرآن الكريم و التاريخ و السياسة، إلا أنّ السّاعي، عجز عن إنتاج أعمال فردية و جماعية. يعلّل مالك بن نبي عجز  صديقه عن إنتاج أعمال جماعية كونه يرى الآخرين أقلّ وعيا منه، فلم يستطع  مشاركتهم في أعمالهم، وبسبب الرؤية نفسها لم ينظم إلى أيّ حزب سياسيّ. ومن جهة أخرى، لم  يمتلك الإرادة الكافية لإنجاز أعمال فردية. هذه الشخصية المؤثرة في فكر مالك بن نبي، لم تستطع أن تنتج ما أنتجه بن نبي، رغم أنّه محدّث بارع ومحلّل ذكي للأوضاع السياسية، وصاحب ثقافة واسعة. وكم من نماذج السّاعي في مجتمعاتنا العربية. كم من أشخاص أذكياء ومثقفين، يعجزون عن كتابة مقال في جريدة. ذاك هو ذهان الاستحالة. مردّه عجز هؤلاء عن تحويل الفكرة إلى منتوج ملموس، أي تجسيد الفكر العمليّ الأداتيّ أو البراغماتيّ بالتعبير التداوليّ. نربط الأمر بطرائق التعليم دائما، التي تعتمد حشو الرّؤوس بالأفكار، دون إيلاء أهمّية للجانب التطبيقيّ. فماهي نسبة البحوث التطبيقية في جامعاتنا مقارنة بالنّظرية، وماهو حجم الأعمال المخبرية وقيمتها في تقييم الطلبة في معاهدنا؟  وكيف نجعل الفكر عملّيا وجلّ التحصيل العلميّ في جامعاتنا نظريّ؟

يركّز التعليم أكثر على النّظريّ، ففي كثير من الأحيان لا ينجز الطلبة طيلة السّنة سوى عملا أوعملين مخبريين، في المواد التقنية، فكيف سيتمكن هؤلاء من ربط الفكر بالمادة؟

وحتى في العلوم الإنسانية، وأقدّم مثالا عن محاضرات الأدب العربيّ، يركّز المحاضرعلى السّرد التاريخيّ للمذاهب الأدبية. فنلفّه منذ ولوجه المدرج، يستخدم أسلوب المحاضرة والإلقاء الكثيف للمعلومات، دون توقف، ودون تنويع للأساليب، من حوار أو لمحة قصصية أو عروض فيديو، أو تغيير حتى لنبرات الإلقاء لشدّ الطلبة وبث الدهشة، الباعثة على التساؤل والاندماج في المحاضرة. مما يجعل الطلبة يغيبون في أغلب الأحيان عن المحاضرات ويكتفون بالمطبوعات التي تمنح لهم قبل الامتحانات.  يتحوّل الطلبة إلى آلات لتخزين المعلومات المطبوعة، ولاجترارها وقت الحاجة، فترة الامتحانات، وفق طريقة بافلوفية، تقوم على الإثارة والاستجابة، دون أدنى إعمال للفكر اليقظ.

لا يتعلّم الطلبة طريقة التفكير المنهجيّ والكتابة الأكاديمية. وإن تعلموها، فإنّ التقييم غائب، بسبب الإضراب المتواصل، أو تواضع مستوى الأساتذة، أو أسباب إدارية. كلّ الظروف اجتمعت لتصنع من الطالب مستجيب، على طريقة بافلوف لما يطرح عليه من أفكار، دون أن يشارك في إبداعها أو نقدها أو طرح بدائل معرفية. يشتكي الطلبة من صعوبة الكتابة ويبرّرون عجزهم بالطرائق البائدة لمنظومة التعليم في بلادنا، رغم أنّهم يسهمون في ذلك، بكسلهم وانعدام العزيمة عند الكثيرين منهم.

يقود ذهان السهولة  إلى تكرار المنتوجات نفسها ومراكمة المعرفة. أما ذهان الاستحالة فيقود إلى العقم الإنتاجيّ. قد يكون الأوّل هاما في المرحلة الأولى من تجاوز ذهان الاستحالة، فيعمد الباحث إلى إنتاج المنتوجات كيفما اتّفق قصد التغلّب على الحاجز النّفسيّ، حاجز العجز أو الخوف من الفشل أو الخوف من النّجاح وتبعاته. أما إذا تجاوز الباحث ذهان الاستحالة فعليه أن يوليّ أهمية لما ينتجه من حيث الإبداع في طريقة التفكير ووسائل تحقيق المنتوج والأهمّ استغراق الوقت اللازم لذلك. فما جدوى تكرار المنتوجات نفسها وإغراق سوق الكتب مثلا، بالبحوث المتماثلة، من حيث المواضيع المعالجة وطرائق المعالجة. إنّ التكرار يعني  النّمطية في التفكير، ويقود الأمر إلى السكون الفكريّ، وركود مجال البحث العلميّ، بل وإصابته بالتضخم الانتاجيّ دون قيمة معرفية ملموسة. ولن نكون مغالين إن قلنا أنّه واقعنا البحثيّ في الجزائر.

نحتاج إلى حلّ ثالث يعلّم تلاميذنا وطلبتنا استراتيجيات التفكير الفعّال والإبداعيّ، وطرائق تحويل الفكر إلى منتوج نافع، أيا كان نوعه، في ظرف قياسيّ وبجودة عالية. ولو عدنا إلى المعادلة الإنتاجية أعلاه فإنّ زمن تدريب الفرد الباحث لن يقتصر على ساعات تطبيقية في المعاهد الجامعية، بل يعدّ الطالب الباحث منذ مراحله الابتدائية. فيتوجب تعليم التلميذ منذ الابتدائية طرائق تحويل فكرة ما تجول بخاطره إلى منتوج ملموس وفي ظرف زمنيّ مناسب، لا يطول ولا يقصر. ويكون هذا المنتوج قابلا للاستعمال حسب ظرفه المكانيّ والزمانيّ، كصنع مثلا أدوات تزيينية للقسم بمناسبة حفل نهاية العام، أو تصميم خطبة جماعية، يلقيها التلميذ في حفل ما... إلخ ، أو إصلاح حتى منتوج ما يملكه في غرفته، فيتعلّم من التصليح التغيير والتصيير في الأشياء والإبداع في المنتوجات. فالوقت إذن يتحوّل إلى زمن اجتماعيّ، يشارك فيه المعلّم والأستاذ والآباء، لإعداد الفرد المبدع في تفكيره وإنتاجه. ولن يجدي نفعا إيجاد الحلول في مراحل تعليمية متقدمة، كتشجيع الابتكار مثلا في المعاهد أو تقديم المنح الدراسية للمبدعين المتفوقين، أو كوثرة المنتوجات المعرفية من كتب ومجلات ودوريات، فهي معالجة  ظرفية عرضية، لا تمّس جوهر الإشكال المتمثل في مناهجنا التعليمية البالية التي تميل نحو تنميط تفكير طلبتنا منذ الابتدائيّ وشلّ طاقاتهم الإبداعية، بالتركيز على التلقين وشحن الرؤوس والتلّقي السلبيّ للمعارف، على حساب الإنجاز والتفاعل والفاعلية.

التعليم صناعة للذات وإبداع للسّلوك وتجديد لطرائق التفكير والإنجاز. ومالم نولّ الاهتمام لهذه الجوانب العملية في سلوك تلاميذنا وطلبتنا، سننتج في مراحل متقدمة من التعليم باحثين قابعين في ذهاني السهولة أوالاستحالة، أي في الاستعمار الدّاخليّ، أخطر استعمار، يعيق سير الأمّم نحو ركب الحضارة. بل ويبقيها في طور التخلّف، وهو طورنا بامتياز.

المدربة  سامية بن عكــــــــــــــــوش

صفحة الفايسبوك

التسجيل في الموقع

  • صلاح
  • kadchahed

فيــــــــــــديو : تحية لقراء مجلة حنين