أين ورود البليدة؟
كانت البليدة بالنّسبة لي مدينة الجمال قبل أن أزورها، مدينة تنبعث من شرفات منازلها روائح الورود، وتغازلك حقولها المسطحة بما لذّ وطاب من أشجار الفواكه. كلّما سمعت باسمها إلا وانتعشت ذاكرتي برائحة العطر الذي كنت أضعه في مراهقتي " miss worood ". ارتبطت صورتها بعطري المفضّل في مراهقتي، فكنت أقول دائما أنّ البليدة مدينة يتعرف عليها بالشمّ قبل أي حاسة أخرى، ندخلها بأنوفنا قبل عيوننا. دخلت البليدة لأوّل مرة في أكتوبر الماضي، بصورة حالمة عن مدينة وردية، فرحت أفتشّ بعيوني على طول الطريق الفاصل بين العاصمة والبليدة عن حقول الفواكه فلم أبصر غير الأعشاب وما شحّ من أشجار الحمضيات هنا وهناك، وبين كلّ مشهد وآخر تنتصب بنايات آجر وإسمنت. كنت أمنّي نفسي بباقة ورد أعود بها من هذه المدينة، فمن دخل البليدة ولم يتزوّد بالورد ما دخل.
سألت الشيخ الذي أوصلني من محطة القطار إلى جامعة البليدة: لم لا أرى الورود في البليدة؟
تنهد فتنهدت سيارته أمام زحمة السيارات في الصباح. وانحرف عن الطريق العموميّ سالكا طريقا ضيّقا بين ملتو كالثعبان، بين فيلات منتصبة على طول الطريق، وهو يلعن ويسبّ ويشتمّ يوم ولد في البليدة. صمتت ثمّ كررت سؤالي: عمي لم لا أرى الورود في البليدة؟ فتحت نافذة السيارة ورحت أبحث عن روائح الورد فلم تنبعث غير روائح القاذورات المرمية أمام عتبات المنازل.
كرّرت سؤالي للمرة الثالثة: عمّي لم لا أرى الورود في البليدة؟ فتنهدّ السائق مطوّلا وضرب بكفّه على مقود السيارة العجوز ثمّ قال: يا بنتي الورود بكري " قديما"، الآن ما بقاش في البليدة ورود، ما بقاش غير البيطون- البنايات- وتنهد مطوّلا للمرّة الثانية، وهو يخرج يدّه ويشير إلى الفيلات المبنية على حافتي الطريق ويقال: بكري- قديما- كانت هذه البنايات حقولا زراعية للحمضيات والآن اكتسحها الإسمنت كما ترين. هذه المنازل بنيت منذ أقلّ من عشرين عاما فهي البليدة الجديدة. أما لو زرت البليدة القديمة في الماضي لاستقبلتك شرفات المنازل بالورود المختلفة. الآن ما تشوفي غير البيطون، وتنهّد طويلا للمرة الثالثة وواصل: كيفاش تحبي الواحد كيما أنا يخدم خدمة طاكسي ما توكلش نهار واحد ما يزعفش، كنت بكري عندي الصبر، أما اليوم مع الاسمنت والبيطون والزحمة أنتاع الطريق والعقلية أنتاع النّاس أصبحت عصبيا ولا أتحمّل أحدا.
لم أعقب على كلامه ورحت أجول بعيني علّي ألمح وردة في شرفة أبعث بها الأمل في قلب هذا الشيخ اليائس، وكلما أمعنت النّظر لاحت فيلات اسمنت مسيّجة بأسوار تنتهي بأسلاك شائكة، تضع حدا لرؤيتي وما وراء الأسوار الشائكة، تنام مدينة البليدة على أنقاض وردها. فمن يعيد الورود للبليدة؟ من يبثّ الروح في هذا الجسم الاسمنتيّ الوهن؟







