من أجل تحويل التعليم إلى تدريب

يسألني بعض أصدقائي: كيف تصرفين أموالا طائلة في التنمية البشرية، وأنت باحثة جامعية  تشتغل على العلم ولا علاقة لها  بالتدريب؟ ماذا يجديك نفعا التربصات والأموال الكبيرة المستثمرة؟ 

أسئلة وجيهة، في عصر يخضع فيه الإنسان حركاته وأقواله وأفعاله للمنفعة وللمصلحة الشخصيتين. وسؤال وجيه لمن لم يدخل عوالم التدريب، ولمن دخل ولكنّه لا يمتلك حسا نسقيا، يربط به بين الحقول المعرفية المختلفة. 

بالنّسبة إليّ أؤمن أنّ الحقول المعرفية المختلفة منفصلة ومتّصلة في آن واحد، منفصلة أكاديميا لتشكّل تخصصات معرفية لها مقوّماتها المختلفة عن الحقول الأخرى، ومتّصلة في الآن ذاته من خلال التبادلات والتأثيرات التي تحدثها في بعضها البعض، على مرّ العصور. فلا يخفى مثلا أنّ المذاهب الأدبية المختلفة  كانت وليدة الأفكار الفلسفية السّائدة في فترة ما. كذلك الأمر بالنّسبة لعلوم التدريب، وأمثّل على ذلك بحقل الكوتشينغ في الولايات المتّحدة الأمريكية الذي ظهر نتيجة تقارب وتداخل بين التصوّف الإسلاميّ في جانب التربية الذاتية( التخلّية والتحلّية) وعلوم الحداثة الغربية في بعدها العقلانيّ البراغماتيّ، فنجم عن التحاقل الكوتشينغ.

وانطلاقا من هذه العقلية التحاقلية الترابطية أسعى إلى استثمار تكوينيّ المتقدّم في التنمية البشرية في مجال البحث العلميّ، سواء تعلّق الأمر بالكتابة الأكاديمية أو المداخلات والمحاضرات في الملتقيات؟ كيف ذلك؟

التدريب فنّ طرح الأفكار للجمهور، لأنّه يمدّك بتقنيات فعّالة لإيصال الفكرة والمعلومة وباستثمار الوسائل اللازمة وفي أقصر وقت ممكن. وأسعى الإفادة من هذه الجوانب العمّلية في محاضراتي ومداخلاتي، من خلال تقديم المداخلات في ثوب عرض تدريبيّ، باتّباع الميزات الآتية:

1- أقدّم المداخلات والمحاضرات شفهيا وارتجالا ولا أستند إلى القراءة من الورقة، كما هو معمول به في الأوساط الأكاديمية، وإن اعتمدت على الورقة فلأجل الربط بين عناصر المداخلة ليس إلا.

2- أستطيع تقديم لبّ المحاضرة، مهما طالت في نقاط أساسية، تحقّق الفهم في الجمهور، وهو ما مكّنني منه التدريب. فطرق التصميم المختلفة التي تلقيتها في التدريب على يدّ المدربين العالميين مكّنتني من اختصار مداخلة طويلة في عناصر مهمة قليلة.

3- أعانني التدريب في عرض المداخلات والمحاضرات في شكل حوار وتفاعل مع الجمهور، من خلال استثمار تقنيات تدريبية( تعابير الجسد وحركاته، نبرات الصوت، الإشارات والإيماءات)، وهذه التقنيات تجعل المداخلة تفاعلا مباشرا بين الجمهور والمحاضر، وتساهم في شدّ انتباهه والحفاظ على تركيزه طيلة المحاضرة. بينما في طريقة الإلقاء التقليدية التي يقرأ فيها المحاضر من الورقة وبنفس نبرة الصوت ودون النّظر في كثير من الأحيان، حتى إلى الجمهور، فإنّ أغلبية الحضور يشعرون بالملّل والرتابة ويشردون عن سيرورة الأفكار لا محالة، لأنّ تركيز المحاضر عينه على القراءة من الورقة  يقصي الآخر المستمع.

4- أعانني التدريب في استثمار الوقت المخصّص للمداخلة أفضل استغلال، إذ أستطيع تقديم عرض عن كتاب مثلا في خمس دقائق أو عشر دقائق أو ربع ساعة، وأقلّص أو أزيد من كمّ الأفكار وفق الوقت، دون أن أحدث فجوة معرفية في ذهن المتلقي. كيف أفادني التدريب في ذلك؟ من خلال العروض التدريبية التي قدّمتها، على مدار تكوينيّ العام الماضي وهذا العام، كلّفت بتقديم عروض عن دورات في خمس دقائق أو أكثر قليلا، فكان المدرّبون الذين أطروني( المدرب  محمود آل التايه من كندا، المدرب إدريس أوهلال من المغرب) يصرون على تمديد الأفكار وتقليصها وفق الحجم الزمنيّ، وأتذكّر أنهم يوقفون المدرب المتربص إن تجاوز الزمن الذي حدّدوه، وينتقدون ويقيّمون سلبيات استغلال الزمن في كلّ عرض تدريبيّ قمنا به. ومداومتنا على ذلك مكّنني من تطويع الأفكار والزمن وفق المقام التدريبيّ. وهذا ما أسعى إلى استغلاله في مداخلاتي الجامعية.

5-أعانني التدريب في تسيير الضغط النّفسيّ ما قبل المحاضرة  وصرفه عن طريق تقنيات لغوية وجسدية، أو على الأقلّ حبسه في الدّاخل دون أن يظهر للجمهور.   

كلّ التقنيات السّابقة مهمة في إنجاح التدريب، وأسعى إلى الإفادة منها في مجال البحث العلميّ، قصد تجاوز الأساليب التقليدية في عرض المحاضرات و تقديم المداخلات في الملتقيات.  وهو ما أجسّده في كلّ مداخلاتي ومحاضراتي الجامعية. فأسعى أن تكون ارتجالية وتفاعلية مع الجمهور. وغالبا ما يستفسّر البعض عن سرّ تمكّني من ذلك دون التقيّد بأيّ مكتوب؟

ليس سرّا ولا سحرا، بل كلّ ما أقوم به الرّبط بين طريقة التدريب وطريقة إلقاء المحاضرة. أي تحويل للميزات والتقنيات التدريبية السّابقة إلى مجال البحث العلميّ. ذاك هو التحاقل والتداخل المعرفيّ الذي أسعى إلى تجسيده.

صفحة الفايسبوك

التسجيل في الموقع

  • صلاح
  • kadchahed

فيــــــــــــديو : تحية لقراء مجلة حنين