المغلوب الزامبيّ والغالب الجزائريّ
فاز أمس فريق زامبيا بكأس إفريقيا للأمم على حســاب فريق ساحل العاج، في مباراة نهائية بملعب لوبروفيل/ الغابون. تمكّن الفريق الزامبي من إحراز اللّقب القاري الأوّل في تاريخه بركلات الترجيح 8/7 .
. كانت الصدمة كبيرة لعشاق نجوم ساحل العاج، والمفاجأة جليلة، تنافي التخمينات الصحفية لما قبل المباراة. فجلّ المحلّلين أجمعوا على ترشيح فريق كوت ديفوار لنيل اللّقب، استنادا إلى المجموعة المتميّزة من اللاعبين الذين ينشطون في أعرق الأندية الأوروبية، دروقبا وكالو ويايا توري وجيرفينيو، وكذلك خبرة رفاق دروقبا في خوض النهائيات خاصة في السنوات الثمانية الماضية، فقد وصلوا إلى النّهائيّ في 2006 و2008 وأقصوا من طرف الفريق المصريّ حامل اللّقب ست مرات، ووصلوا 2010 إلى ربع نهائي كأس إفريقيا بأنغولا وأقصوا من طرف الجزائر، في المباراة المشهودة (3/2). وأنا أشاهد المباراة بعيون جزائرية، ربطت الفريقين بالمنتخب الجزائريّ لكرة القدم. فالثابت في علاقتهما بالمنتخب الجزائريّ، أنّ زامبيا مغلوبة الجزائر في تصفيات التأهل لكأس العالم 2010، إذ تمكّن منتخبنا التغلّب عليها ذهابا بنتيجة(2/0) وإيابا(0/1)، كما أنّ كوت ديفوار مغلوبة الجزائر في أنغولا 2010 كما أسلفت الذكر( وكلّنا يتذكّر صرخة حفيظ دراجي، الجزائريّ لا يقهر أبدا ههههه). غلبناهما في 2010، وفي 2012 ينشطان المباراة النّهائية، وتغيب الجزائر عن العرس الإفريقيّ. ما الدروس المستفادة من تراجع الغالب الجزائريّ وتقدّم المغلوبين الإيفواريّ والزامبي؟
كرة القدم فنّ وعلم. فنّ لأنّها عرض إنسانيّ بالجسد لتجربة رهان بين فريقين، أمام جمهور في رقعة مكانية محدّدة وفي ظرف زماني محدّد، تحكمها قوانين لعبة كرة القدم، بحضور جمهور يسهم في مآل وسيرورة اللّعبة، وكأنّها تمثيلية ينخرط فيها اللاعب والحكم والجمهور، بأحاسيسهم وأجسادهم، بأصواتهم وأقوالهم، الكلّ يعلم أنّها مجرد لعبة لكنّهم يخرجون من ذواتهم ويتبنون الأدوار بصدق، فتتناغم حركات الأقدام مع نبرات الأصوات في المدرجات، الكلّ ينخرط في عرض جماليّ شهوانيّ، يرفع من حدّة شهوة النّصر بين شوطي المباراة، تخبو الشهوة بهدف مباغت للفريق الخصم ثمّ تشتعل من هدف تعديل، تخبو وتشتعل، في مزيج جماليّ لا يدرك كنهه بالبديهة، بل ببداهة الجسد، فما يصنعه اللاعبون من عروض في الملعب يتمفصل مع أحوال تعترّي الجمهور، من بسط وقبض، فرح وحزن، رغبة ورهبة، لا حضور معها للعقل الضابط، لغة الأجساد بالأجساد، وهي أصدق لغة، لأنّها تنفتح على مخزون شعوريّ ولا شعوريّ يجتاح الطرفين، اللاعب والجمهور، وحتى الحكم قد يجنح إلى هذا الفريق أو ذاك، حبا في هذا أو ذاك. لعبة كرة القدم علم لأنّها تستند إلى دراسات نفسية واجتماعية وثقافية واقتصادية، في تسيير المجموعة البشرية وتحديد خطّة لإعداد الفريق من كلّ الجوانب، البشرية في اختيار اللاعبين ومعايير الاختيار، وفي دراسة سوسيولوجيا كلّ لاعب على حدى، ومعرفة مدى ملائمة شخصية اللاعب لمنصب الدّفاع أو الهجوم أو الوسط، وكيفية تجميع الطاقات البشرية الفردية في فريق متكامل ومنسجم في كلّ الخطوط، أي استراتيجية للفريق في جانب العمل الجماعيّ، الذي بدونه لا يكون الفريق وبه يكون. ثمّ تستند كرّة القدم إلى دراسات اجتماعية، لمعرفة علاقتها بالمجتمع وماذا تضيف إلى الحراك الحضاريّ لبلد ما وكيف تسهم في مداواة بعض العلّل لدى الشباب كالجريمة والإدمان والانتحار بتوجيههم إلى لعبة تفتح لهم آفاق التواصل مع أقرانهم، وبالتالي الانخراط في نشاط إنسانيّ منتج وملهم، سواء في نوادي المناصرة أو في نوادي اللّعب، أو في مقاهي المشاهدة الجماعية، أو في مدرجات الملاعب، هي تسيير لطاقات الشباب وتوجيه لها في الاتّجاه النّافع للمجتمع، وهنا تحضرني وصية الرّسول "ص" : " علّموا أولادكم السباحة والرّماية وركوب الخيل" ولو عاصرنا لأضاف إلى الرياضات السابقة:" كرة القدم" . لو أنّ شعوب العالم المتخلّف تلعب بنفس الشخصية المناصرة أو اللاعبة، في لعبة الحياة الاجتماعية بشتى وجوهها لاستطاعت أن تتجاوز خلافاتها المشهودة، وحتى الطائفية، لتجتمع على الجواهر الإنسانية والمصالح الجماعية. أو بتعبير آخر لاستطاعوا أن يجدوا الجاموع بلغة هيدجر أو الكيمياء الفاعلة على حدّ تعبير مالك بن نبي التي تربط وتجمع وتوجّه الذخائر الفردية في أعمال جماعية ذات نفع.
كما أنّ لعبة كرة القدم ظاهرة ثقافية، تتجلى طريقة المناصرة وفي أسلوب اللّعب أيضا، وحتى في النّهج التكتيكيّ لكلّ فريق. فالثقافة بعناصرها اللاواعية تتجلى في الأفراد والمجتمعات . وأستدلّ هنا بتحليل سوسيو ثقافيّ لفريقنا الجزائريّ، قمت به من خلال نهجه التكتيكيّ في اللّعب خلال كأس إفريقيا وكأس العالم الماضية، والذي يستند على الدفاع أكثر من الهجوم( هههههه خرجنا 0 أهداف من كأس العالم)، دفاع الجزائر كان قوّيا وتحمّل عبء المباريات، وحتى الأهداف التي سجّلت في أغلبها من طرف المدافعين، ولا ننكر دور عنتر يحيى وبوقرة وحليش في وصولنا إلى كأس العالم 2010. عانى الفريق الجزائريّ من العقم الهجوميّ بسبب غياب هدافين حقيقيين أو قناصيّ الأهداف، وكذلك غياب النّهج التكتيكيّ الهجوميّ. فسعدان كان ينتهج خطة دفاعية، تجنح إلى تعزيز الدّفاع ووسط الميدان وإبقاء على مهاجم وحيد معزول( ههههه غالبا مايكون عبد القادر غزال). والأدهى أنّ هذا النّهج عاينته حتى في البطولة الوطنية، فنادرا ما نعثر على هدّافين من العيار الثقيل، وحتى وإن وجدوا لا تسمح لهم الخطط الدّفاعية بإبراز قدراتهم وتسخيرها. قد يرجع البعض الأسباب إلى غياب التكوين الجاد منذ الصغر على مستوى الأندية للأطفال، وفي هذا جانب الصحة، وهذا السبب له علاقة بسياسة "كوّر وأعط للأعور" كما يقال في العامية الجزائرية أو سياسة سعدان التي يسمّيها "الواجد"، والتي تسود في كلّ مجالات الحياة في بلادنا، فالجزائر البلد العربيّ_ تقريبا الوحيد_ الذي لا يملك مشروع استراتيجيّ ذي رؤية في كلّ المجالات، المغرب تبنى مشروع إلى 2030 سمّاه" المغرب في أفق 2030" والإمارات تبنت مشروع " رؤية إلى 2020" ، يشمل كلّ مناحي الحياة بما فيه الرياضة. أما نحن في الجزائر فنتبنى سياسات ارتجالية في كلّ المجالات، وكرّة القدم لا تحيد عن هذه الارتجالية.
في تحليلي السوسيولوجيّ ثقافيّ لشخصية اللّعب الجزائريّ، وجدت علاقة بين قوّة الدّفاع وضعف الهجوم من جهة ، و الرّواسب التاريخية التي تدخلت في تحديد معالم اللّعب الجماعيّ الجزائريّ من جهة أخرى. فلو تصفحنا التاريخ نجد أنّ الجزائر تعرّضت لحملات استعمارية متوالية منذ الأمازيغ إلى العصر الحديث، من الرومان والوندال والبزنطيين والعثمانيين والفرنسيين، فكان الجزائريون في وضعية ردّ الفعل دائما، ممّا عزّز لديهم شخصية المدافع المنفعل لأفعال تأتيه من فاعل خارجيّ. وبتوالي الحملات الاستعمارية توطّنت الانفعالية والدّفاعية في شخصية الجزائريّ، وقد أعانته في إجلاء الاستعمار من بلاده المرّة تلو المرّة، لكنّها في نفس الوقت طبعته بردود الأفعال الانفعالية لا الفاعلة على حدّ تعبير مالك بن نبي، وانغرّست أكثر في الممارسات الاجتماعية، في شكل مطالبة بالحقوق أكثر من القيام بالواجبات، فالكلّ يشتكي، وقد تمكّن مالك بن نبي من استجلاء هذا الملمح الانفعاليّ، حتى في النّخبة المتعلّمة إبان الاستعمار الفرنسيّ، التي غرقت، خصوصا ماقبل الخمسينات في الشكوى والمطالبة بالحقوق بدل المبادرة والحركة. تعزّزت هذه الشخصية حتى بعد الاستقلال، وخصوصا بعد الأحداث المؤلمة التي مرّ بها الجزائريون في العشرية الأخيرة، من إرهاب وفقدان الثقة في بعضهم البعض، واهتزاز نفسيتهم. كلّ ذلك عزّز النّكوص على الذات، والسّكون إلى الهواجس والمخاوف، بدل الإقدام والحركة. ولما كانت كرّة القدم ممارسة جماعية جزائرية، فإنّها تحمل من بذور الوهن في هذه الشخصية الدّفاعية الانفعالية. وهو ما تجلى في النّهج التكتيكيّ الدّفاعيّ لفريقنا الوطنيّ، وفي الانفعالية والنّرفزة التي كلّفتهم غاليا، في مباراة النّصف النّهائيّ من كأس أنغولا أمام المنتخب المصريّ، يومها انفلتت أعصاب الجزائريين وطرد ثلاثة منهم، وانتهت المباراة بهزيمة مدوّية( 4/0). وحمّل الجميع الحكم كوفي كوجيا أسباب الهزيمة، وهذا يدخل دائما في طبع الشكوى والسّكون والدّفاع بدل الحركة والفعل، وأستحضر هنا مقولة قالها المخرج السينمائيّ مرزاق علواش لما انهالت الأقلام المأجورة بالنّقد على فيلمه الأخير" نورمال" ردّ على من اتّهموه بالخيانة للوطن لأنّه تعرض بالمعالجة لأحداث السّكر والزيت" عجبا للجزائريين لا يحبون رؤية أنفسهم في المرآة ويحبون إظهار صورة منافية عنهم للخارج"، نعم رفض مجابهة الذات ملمح هام من الشخصية الجزائرية، ولو تمعننا جيدا في سلوك اللاعبين الجزائريين بعد كلّ قرار للحكم لوجدناهم يحتجون، وفي كثير من الأحيان بدون سبب، انغرست الشكوى في سلوكنا، مردّها عناصر وترسبات لاواعية شرحناها من قبل في شخصية الجزائريّ.
لعبة كرّة القدم صناعة اقتصادية، تدرّ المداخيل الضخمة للبلدان الغربية، التي أحسنت استثمارها في شركات ضخمة، تحكم سوق كرّة القدم، وتسمح بتبادل اللاعبين والمدربين والمسيّرين وتحديد رواتبهم وكذا أسعار المبارايات وطرق الإشهار، فكرة القدم مؤسسة إنتاجية وسوق أيضا، ولربما أكثر التجارات درا للأرباح في العالم.
ولما كانت لعبة ثقافية واجتماعية واقتصادية وجمالية، فإنّها تستدعي اهتماما من الدول، لترقية الأبعاد السّابقة وتعزيزها وإزالة الشوائب والعيوب فيها، كي ترقى إلى مستوى الممارسة الإنسانية الرّاقيّة.
سقت هذه الأفكار بعدما شاهدت مباراة النّهائيّ أمس، وفي نفسي شيئ من التحسّر على نكوص كرّة القدم الجزائرية هذا العام إلى ماقبل صحوة 2009 – 2010 . ففريقنا الوطنيّ أقصي من نهائيات كأس إفريقيا لهذا العام، وعلى يدّ من؟ إفريقيا الوسطى وتانزانيا اللّذين لا تاريخ لهما في كرّة القدم الإفريقية. أقصينا بطريقة تراجيدية على يدّ المغرب( 4/0). أقصينا بينما تألّق مغلوبانا، زامبيا وكوت ديفوار. تأهلا وتألّقا ونشّطا النّهائيّ بعد عامين. ما الحلّ؟ هل انتبه المسؤولون عن الكرّة إلى الأبعاد السّابقة ؟ هل فعلا وضعوا استراتيجية وطنية لإعداد الفرق ولتكوين اللاعبين وبناء الفريق الوطنيّ؟ فيمّ يستطيع الغالب الجزائريّ أن يستفيد من مغلوبيه الزامبي والإيفواريّ؟
فازت زامبيا بكأس إفريقيا على حساب نجوم العالم، بلاعبين لا صيت لهم، يلعبون في أندية محلّية في بلدانهم، بإمكانيات متواضعة، مقارنة بالمنتخب الإيفواريّ. فازوا بروحهم الجماعية وبحسن تدبيرهم للعب الجماعيّ، فالفريق على محدودية إمكانياته، الفردية والفنّية أبدع وفاز في كلّ مبارياته، لأنّه يلعب كروح فريق واحد، أي أنّ العمل الجماعيّ فعّال، وهو سرّ النّجاح الأوّل في كلّ النشاطات الاجتماعية. كما أنّ علاقات اللاعبين متينة جدا ويجمعهم شعور موحد وهدف واحد، ألا وهو دافع الصراع من أجل الظهور والالتحاق. شاهدت صورة التضامن الاجتماعيّ قبل يومين من المباراة، حمل لاعبو زامبيا ومدربهم إيرفي رونار باقات ورد في خشوع تام، تذكّرا لأحداث الكارثة الإنسانية التيّ ألّمت بلاعبي زامبيا 1993 ، لما غرقوا في البحر، حملوا الورود حملة رجل واحد، يفوح منها عبق الكيمياء الجامعة الدّافعة للتقدّم. من يراهم يتيقن أنّ اللّه سيبعث شرارة في نفوسهم، لن يقهروا بعدها أبدا،. وبالفعل توفرت الإرادة شرط الصحوة والإقلاع في أيّ نشاط فكان الفوز. على النّقيض من هؤلاء، اكتفت كوت ديفوار للمرة الثالثة في 8 سنوات متتالية برتبة الوصيف، لأنّ مسؤوليها اعتقدوا كرّة القدم رصف ومراكمة( وهنا أستحضر مقولة بن نبي عن مراكمة الأشخاص والأفكار والأشياء) للنّجوم، دون إيجاد نهج تكتيكيّ يحسن استثمار كلّ تلك الذخائر والطاقات. اعتمد الفريق الإيفواريّ على فرديات دروقبا أو كالو وجرفينيوعلى الأجنحة، ولما غابت الفعالية عند هؤلاء في مباراتهم أمس تعطّل الفريق، وانكشف في صورة الكفاءات المتنافرة. بينما انكشفت زامبيا في صورة المحدود المتناغم. فالعبرة إذن من ذلك أنّ صناعة كرّة القدم، صناعة جماعية ومالم توّل بلدان مثل الجزائر وكوت ديفوار لهذه الصناعة الجماعية، ستجني الهزائم تلو الأخرى.
هنيئا لزامبيا التحاقها بكبار القارة، وهنيئا لنجوم كوت ديفوار مقاعدهم في متحف التاريخ، فما عاد دروقبا وكالو ويايا توري في سنّ يسمح لهم بممارسة الكرة لفترة طويلة. وأسفي على أفول هذه الشّهب دون أن تنير بما يكفي سماء القارة، أسفي على سياسة الكرّة في بلداننا المتخلّفة التي تجهل وسائلها( هنا أستعير مفهوم السياسة التي تجهل وسائلها من مالك بن نبي .
المدربة: ســامية







