أشواق يا أمي ..
يا من فقدتم الأم كيف عشتم بعدها ؟ كيف تذوقتم لذيذ العيش ، وهناء المحبة ؟
إنها فصول من الذكريات ، ودنيا من الوفاء ، وقد يعذر المتنبي عندما خلط الحنوط بالجمال ، وهو واقف على شفير قبر أم سيف الدولة قائلا : صلاة الله خالقنا حنوط على الوجه المكفن بالجمال
أي جمال يرى في التراب إلا جمال الأم؟ وأي حنوط يفدى إلا ذياك الحنوط ؟ لقد رأى المتنبي فيها أمه ، فجاءت هذه المعاني كشباب الهوى وري الصبا .
إنه القلب الذي لا يحزن إلا أذا حزنا ولا يفرح إلا إذا سعدنا ، كأن دنياه دنيانا ، وأحلامه هي احلامنا العذاب ، وآماله هي آمالنا الكذاب ، إنها الوحيدة التي تقبلنا على علاتنا ، وتحبنا لذواتنا . أتذكرون تلك الدموع التي ذرفت على أوراق النتائج حتى أذهبت رسمها ، إنها دموع غالية كنا لا نبالي بها
وهذا امير العربية أحمد شوقي لا يرى منبعا للرحمة إلا في قلبها الذي تفيض به على الدنيا ماطاب لها ان تفيض ، كان قلبها غدير صاف لا ينضب ، تنهل منه الطفولة حتى تشب ، قائلا:
وإذا رحمت فأنت أم أو أب هذان في الدنيا هما الرحماء
وهذا رسولنا العظيم صلى الله عليه وسلم ينزل من بغلته ، في أحدى غزواته ، ويعدو كأنه النكباء ، عندما لاح له قبر أمه من بعيد ثم يجثو على ركبتيه ، ثم يسوى لها قبرها الذي عبثت به الرياح ، ويبكي حتى أجهش الأصحاب قائلا إنه قبر أمي .
أصحيح أن العرب قالوا : أن أحب الأبناء إليك هو الغائب حتى يعود ، والمريض حتى يشفى ، والصغير حتى يكبر ، ولكن هل سمعت العرب أن الثلاثة قد اجتمعت فينا يا أماه فغبنا في مهاجر الغرب ، نكابد هجير الغربة القاسي ، ومرضنا وترهلت أجسامنا ، ولكننا نتشافى ونتعافى إذا أهين الوطن ، ونمتشق أقلامنا ونطاعن بها تلك الطعنات النجلاء ثم نعود نتهادي بين الهموم والاسقام وهكذا دواليك يا أماه .
وقد سألت يومها صديقي الشاعر الموريتاني زين العابدين بن بيه بعد أن قرأت ديوانه 'على سكة القطار' الذي ذاع صيته وعلت جلبته قائلا له : ما لي لا أرى تلك الصفحات البيضاء التي يفتقدها ديوانك ؟ فقال متسائلا : ماذا تقصد يا صديقي ؟ فأخبرته : أين رثاؤك لأمك التي طالما حدثتني عنها بأنك أحب الأبناء إليها والتي ماتت بين سحرك ونحرك ؟ أتدرون ماذا قال أيها القراء ؟ قال اني وجدتها ( أكبر من الكلمات) ياصديقي .
فيا من كانت له أم ، فليلحق ما بقى من أيامها ، وليرحم ما بقى من انفاسها ، قبل أن يهتف ذلك الملك الكريم في سماء الدنيا :( ماتت التي كنا نرحمك من أجلها ) .
بقلم الدكتور زكريا عمر أمبيق ـ ويلزـ بريطانيا







