لقاء مع الدكتور زكريا عمر أمبيق

احترت كيف أناديه، هل أناديه بالدكتور أم الشاعر أم الأديب أم المفكر؟! هي ألقاب كلها تطلق على شخص واحد، اسمه زكريا عمر أمبيق، كان أول لقائنا في دمشق عام 2007، في أحد الملتقيات الدولية هناك، فنشأت بيننا صداقة وأخوة ومحبة، وبقينا نتواصل عبر الأنترنات إلى أن فاجأني بمكالمة هاتفية يقول لي فيها:(أخي قدور..إني حللت بالجزائر)، فرحت حينها كثيرا، واتفقنا على اللقاء، وكان لنا ذلك حيث استقبلتنا شوارع العاصمة بترحابها المعتاد، كما كان لنا مع التاريخ موعد في مقام الشهيد ومتحف المجاهد، وموعد أخر مع روعة خلق الله في حديقة الحامة، كنا نتبادل أطراف الحديث أثنائها، فكان يخبرني وأخبره عن حال الدنيا عندهم وعندنا، فأدركت أني أسير إلى جانب موسوعة في الدين والأدب والفكر والسياسة وغيرها، ففكرت أن أشرك متصفحي موقع حنين المتعة التي أشعر بها، وعرضت على الدكتور زكريا فكرة إجراء حوار معه للموقع، فقبل بسرور واتفقنا أن نسمي الحوار قلوب مفتوحة.

س 1 : أهلا بكم مرة ثانية دكتور زكريا في الجزائر، ونحن جد سعداء بإجراء هذا الحوار معكم لموقع مجلة حنين .

جـ 1 : أتشرف بوجودي في الجزائر بلد الشهداء والأحرار، و أسعد بلقائي معكم وإجرائي هذا الحوار لموقع مجلة حنين.

س 2 : هل لكم دكتور زكريا أن تعرفوا متصفحي موقع حنين بشخصكم الكريم ؟

جـ 2 : أخوكم زكريا عمر أمبيق من مواليد 1976 ببنغازي الليبية، متحصل على درجة دكتورة في علم الحديث من جامعة ويلز في بريطانيا، مسئول ثقافي لأحد المراكز العربية في بريطانيا، لدي بعض الكتابات الأدبية نثرا وشعرا، كنت متزوجا ولدي بنت اسمها جمانة، تعيش الآن مع أمها في سويسرا.

س 3 : معذرة للتدخل في الأمور الشخصية، ولكنكم قلتم (كنت متزوجا) وهذا معناه أنكم مطلق، كيف ينظر الدكتور زكريا عمر للطلاق ؟

جـ 3 : صحيح كنت متزوجا وحدث الطلاق منذ سنتين أو ثلاث، وأعتبر تجربة الطلاق تجربة غنية تعلمت منها الكثير، وإن كانت معظم المجتمعات العربية تنظر دائما إلى الطلاق بعيون سلبية، ولكنني صدقا استفدت من هذه التجربة الكثير، وأنا الآن أبحث عن زوجة صالحة جميلة.

س 4 : دعنا ننطلق من البداية، كيف كانت نشأة الدكتور زكريا؟ وما مدى تأثير الأسرة في بناء شخصيته ؟

جـ 4 : أعتقد أن لأسرتي الأثر الكبير في بناء أغلب ملامح شخصيتي، كان والدي رحمه الله من مؤسسي الحركة الإسلامية الحديثة في ليبيا، وأحد العشرة المؤسسين لحركة الإخوان المسلمين فيها في الخمسينيات، تربيت في بيت رجل داعية تمرس في السجن والميدان، كان يترأس الحملات الانتخابية لرؤساء الحكومات في ليبيا في الخمسينيات والستينيات، ثم عمل في سلك القضاء فأسس أجهزة قضائية حديثة، ثم أسس نادي الهلال الرياضي، وهو من أكبر النوادي الرياضية في ليبيا، فكان الوالد رحمه الله من مؤسسي المؤسسات الحديثة في ليبيا، في مجالات الدعوة والقضاء والرياضة، وكان يهتم باستضافة الزعماء الوطنيين والمفكرين والرياضيين في بيتنا، فكنت أرى ذلك فكانت نشأتي بين هؤلاء الناس.

أما الوالدة حفظها الله فهي من بيت محافظ من صعيد مصر، أخوها هو رئيس جماعة أنصار السنة المحمدية في مصر الشيخ ناصر البدري، وهو الآن مقيم في مكة المكرمة وله مؤلف اسمه (مذكرات ربانية) يوزع في الحرم المدني، فكانت نشأة الوالدة في بيت علماء، إذن نشأتي كانت بينهما، درست في الكُتاب مثل أقراني من الأطفال ولكن الوالد رحمه الله كان يريدنا أن نتوجه في التعليم المدني وليس الشرعي، فكان يحب أن يرى أبناءه مهندسين وأطباء وغير ذلك ... فتخصصت في الهندسة الزراعية، ثم تغيرت الوجهة نتيجة دخولي الحركة الإسلامية، لأن الحركة الإسلامية في ليبيا كانت تحتاج إلى أناس يدرسون الشريعة.

س 5 : كيف كانت مرحلة طفولة الدكتور زكريا ؟

جـ 5 : كما قلت لك منذ قليل أني درست مع أقراني من الأطفال في الكتاب، هذه كانت مرحلة من طفولتي، إلى جانب ذلك كنت مشهورا بصيد الطيور وكنت ماهرا في ذلك، فكان الأطفال يستعينون بي في صيد الطيور والعصافير، وأذكر أنهم كانوا يأتون إلى بيتنا من أجل مساعدتهم في صيد طيورهم الفارة، وكنت إذا ألقيت حجرا لابد أن يسقط الطير، فكنت مشهورا بالرمي واشتريت لوازم كل ذلك، وكنت أيضا أحب ركوب الدرجات، والشيء الذي ملئ طفولتي هو كرة القدم، فلقد لعبت في نادي بنغازي لكرة القدم، وكان آنذاك في الدرجة الثانية، وكنت أحمل رقم 10، وعندما ذهبت بعدها إلى بريطانيا لعبت في نادي درجة ثانية اسمه (كاردوف يونايتد) كنت أحمل رقم 9، هذه هي بصفة عامة أهم ما ميّز مرحلة طفولتي وبداية مرحلة الشباب .

س 6 : هل يمارس الدكتور زكريا الرياضة الآن ؟

جـ 6 : من حين لأخر أمارس كرة القدم مع بعض الشباب في بريطانيا، وأنا مشترك أيضا في قاعة للآلات الرياضية التي تعمل على تقوية الجسد وتخفيض الوزن والرشاقة، وأهم رياضة أمارسها هي المشي، تقريبا أمشي في كل ليلة ساعة أو ساعتين، خاصة إذا تجاوز الإنسان الثلاثين من العمر أظن أن المشي مفيد له .

س 7 : على ذكر الرياضة وكرة القدم، أنتم تعلمون أن فعاليات كأس العالم 2010 بجنوب إفريقيا لم يبق لانطلاقها سوى أسبوع تقريبا، كما تعلمون أن منتخبي الجزائر وإنجلترا وقعا في مجموعة واحدة، بصفتك تملك جنسيتين بريطانية وليبية، فأي المنتخبين ستشجع في كأس العالم، الجزائر أم إنجلترا ؟

جـ 7 : عاطفيا أن مع الجزائر ولا شك في ذلك، وأرى أنه من العيب أن يشجع العربي غير الجزائر، أما عقليا أشعر أن المباراة صعبة جدا على الجزائر، خاصة بوجود المدرب الخطير كابيلو على رأس العارضة الفنية للمنتخب الإنجليزي، وحتى أن بعض المحللين البريطانيين يقولون أن المنتخب الإنجليزي الحالي هو أفضل منتخب مر على إنجلترا منذ 40 سنة، وأن المدرب فابيو كابيلو هو أفضل مدرب في تاريخ إنجلترا، فالمباراة ستكون صعبة على الجزائر خاصة أنها ستكون المقابلة الثانية في المجموعة للفريقين، لأن إنجلترا ستحاول أن تضمن تأهلها قبل المباراة الثالثة، عقليا إنجلترا أقوى ولكن لن أقول أنها ستفوز، لأنه يدخل في المباراة عامل الحظ والنفس الجزائرية المتحدية، النفس الصحراوية التي تصارع من أجل الفوز، ولعل عقلية الجزائري تقلب كل الموازين، وأنا شخصيا أتمنى ذلك ، وأنا كلي مع الجزائر .

س 8 : قلتم منذ قليل أنكم بعد دخولكم الحركة الإسلامية في ليبيا، غيّرتم توجهكم الدراسي إلى التعليم الشرعي، كيف كان ذلك ؟

جـ 8 : كما قلت لك بعد دخولي الحركة الإسلامية في ليبيا، كان عليّ دراسة الشريعة الإسلامية، فذهبت إلى الأردن ودرست في جامعة الزرقاء، هذه الجامعة التي كان يترأسها الإخوان المسلمين آنذاك، ولكن لم أكمل دراستي بسبب مطالبة الملك حسين لنا بمغادرة الأردن لكوننا ننتمي إلى الإخوان المسلمين، ومع هذا فقد صفيت الكثير من المواد، ثم أعدت الدراسة من جديد في الكلية الأوروبية للدراسات الإسلامية، وهي كلية بجامعة فرنسية لها قسم في بريطانيا تخرجت منها ببكالوريوس في الشريعة، ثم تحصلت على بكالوريوس أخر في الشريعة الإسلامية أيضا من كلية بريطانية، ثم واصلت الدراسات العليا بجامعة ويلز وأخذت الماجيستير و(الأنفل) وهو ما يعادل الدكتورة في الكثير من الجامعات، في تخصص علم الحديث، وكان موضوع الرسالة شرح صحيح البخاري .

س 9 : كيف تحصل الدكتور زكريا على الجنسية البريطانية ؟

جـ 9 : يجرنا هذا السؤال إلى الإجابة على سؤال أخر، وهو لماذا ذهبتُ أصلا إلى بريطانيا ؟ كما قلت لك سابقا أني نشأت في بيت دعوة كان مفتوحا للدعاة والإخوان، وكان أصهاري (أزواج شقيقاتي) كلهم مسئولين في الحركة الإسلامية في ليبيا، فكان بيتنا تحت رقابة الأمن، وبعد وقوع أحداث 1995 فأصبح الأمن كثير التردد على بيتنا للتحقيق مع أصهاري وباقي أفراد العائلة، فاضطر أصهاري للهجرة إلى بريطانيا بعد تضيق الأمن عليهم، واضطررت أنا كذلك للخروج لنفس السبب، أما بخصوص حصولي على الجنسية البريطانية، فالجنسية البريطانية تمنح لأربع أصناف من البشر، تمنح للمتزوج من البريطانية وقد عدّلت بعض بنود هذا القانون، وتمنح أيضا للأجنبي الذي يعمل في بريطانيا مدة أكثر من 10 سنوات متواصلة، كما تمنح آليا لكل مولود يولد على التراب البريطاني، والصنف الرابع وأنا منه، تمنح الجنسية لكل لاجئ سياسي وهم المضطهدين في بلدانهم بسبب إنتماءتهم السياسية أو العرقية أو الفكرية، أو ما يسمى باللجوء الإنساني .

س 10 : قلت أحداث 1995 ، ماذا حدث بالضبط في هذه السنة ؟

جـ 10 : لقد ضُيق على الحركات الإسلامية في ليبيا، لم يُسمح لهم بممارسة السياسة والنشاطات الدعوية في المجتمع المدني، فاضطرت الحركات الإسلامية للعمل في الظلام، مثل أي حركة مضطهدة، وطبعا العمل في الخفاء ينتج في نهايته التصادم مع الأمن، فشعر الأمن بتنامي التعاطف الشعبي مع تلك الحركات، فأراد أن يلقنها درسا، فشدّد التضييق عليها فنتـج عن ذلك ردة فعل بعض الشباب الذين حملوا السلاح ضد الأمن في بنغازي، فاستغل الأمن ذلك وشنّ حملة اعتقالات واسعة ضد كل الإسلاميين، كالسلفيين والإخوان، فأصدرت الحكومة أحكاما بالإعدام على عشرة من الإخوان المسلمين، ولكن تم العفو عنهم لاحقا، هذا ما عُرِفَ عندنا بأحداث 1995 .

س 11 : ما أكبر التحديات التي تواجه المسلمين في بريطانيا ؟

جـ 11 : لقد انتشر الإسلام في بريطانيا كمؤسسات وعمل دعوي فردي في عهد حزب العمال، ولكن ضُيق عليه قليلا بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، ولكن من أهم التحديات التي تواجه المسلمين في بريطانيا حسب رأيي، هو مشكل تربية الأبناء، بسبب ندرة المدارس التعلمية المدنية الخاصة بالمسلمين، فمقاطعة ويلز التي أقطنها مثلا تخلو من مدارس خاصة بالمسلمين، مع أن أشهر أغنياء ويلز هم من الباكستانيين وغيرهم من المسلمين، ولم يستطيعوا بناء مدرسة واحدة لأبناء المسلمين، لأن المدارس الإنجليزية تسبب مشاكل كبيرة للجالية المسلمة في بريطانيا .

أما التحدي الثاني فهي العادات التي جاء بها المسلمون من بلدانهم ويحاولون تطبيقها في بريطانيا فيما يتسبب ذلك في مشاكل مع البريطانيين .

س 12 : كيف دخل زكريا عمر عالم الأدب ؟

جـ 12 : كانت بداية نشأتي الأدبية في بريطانيا من خلال المطالعة، فتصادف أني كنت في الدار البيضاء بالمغرب مع صهري الشيخ ونيس المبروك رئيس الإتحاد الأوروبي للأئمة والمرشدين الدينيين، فأهداني كتابا للمنفلوطي يحمل عنوان (الفضيلة) وهي قصة فرنسية اسمها (بول فرجيني) فنقلها المنفلوطي إلى اللغة العربية بقلمه السيال وأسماها (الفضيلة) فكانت هذه القصة القنطرة التي مررت من خلالها إلى عالم الأدب، فشعرت بعد قراءتها أنه يجب عليّ أن أطرق باب الأدب، فقرأت تقريبا كل ما كتب في الأدب العربي، فلم يفتنِ منها إلا القليل .

فعاصرت وخالطت الأدباء فكان أكثر من ترك أثرا فيّ اثنين أولهما أبو عثمان محمد شوشان رحمه الله كان صديقي وقد قدّم وراجع لي كتابي ـ كلماتي ـ  وهو أديب جزائري كان مقيما معنا في بريطانيا، وكان رئيس قسم الأدب في جامعة ويلز، فكان يطلق عليّ اسم شوقي الصغير عندما يقرأ بعض أشعاري، ويقول دائما عني أني كوّنت نفسي بنفسي، وكان يصحح لي بعض الأخطاء، فتأثرت بهذا الرجل تأثرا كبيرا .

و الثاني هو يوسف عز الدين السامرائي، عميد أدباء العراق في الستينيات والسبعينيات، وكان له الأثر الكبير جدا في توجيهي الأدبي، خاصة الأدب الفرنسي والإنجليزي المترجم، وهو متحصل على دكتورة عام 1950 في موضوع تأثير الأدب العربي على الأدب الإنجليزي، فكان نافذتي على الأدب الأجنبي المترجم .

لم أدرس الأدب في جامعات أو معاهد، ولكنها كانت مجموعة قراءات ممنهجة وهواية، فكنت ألتقي الأدباء وأسألهم كلما أجد صعوبة ما، فنظمت بعض الشعر وكتبت الكثير من النثر، والحمد لله وجدت كتاباتي بعض القبول في الشارع الليبي، ونُشِرَ الكثير منها في المجلات ومنتديات الأنترنات، لي كتاب عنوانه (كلماتي) قدمه لي الشيخ بن بية والأستاذ محمد شوشان، وهو كتاب في الأدب والفكر، طبعته في القاهرة، وأنا الآن بصدد طباعة كتاب أخر عن شرح صحيح البخاري ـ وهو نفسه مذكرة الدكتورة .

س 13 : بطبيعة الحال سأطلب منكم أن تسمعونا بعض الأبيات الشعرية التي نظمتم .

جـ 13 : لي قصائد كثيرة، ولكني سأسمعك بعض الأبيات من قصيدة نظمتها بمناسبة الإفراج عن الإخوان المسلمين في ليبيا من سجن (بوسلِيمُ) عام 2006، فطلب مني الإخوان أن أنظم قصيدة بمناسبة ذلك الحدث، خصوصا أن كل شعراء الإخوان كانوا في السجن، فنظمت قصيدة على بحر الرجز أقول في بعض أبياتها :

مرحىْ لكمْ يا أيُّها الأبطالُ                   فبكمْ و ربي تُضرَبُ الأمثالُ

سبعٌ من السنواتِ تذكرُ فضلكم              كسنينِ يوسفَ ملؤها الأهوالُ

ما السجنُ في حقِ الكرامِ مذلةٌ               بل معهدٌ تبنى بهِ الأجيال

و كأنما "المختارُ" يبسِمُ ضاحكاً            لبلائكمْ و بقبرِهِ يختالُ

"بوسليمُ" لن ينسى لياليكمْ بهِ              قد نورَتها "النورُ" و"الأنفالُ"

والشعبُ كل الشعبِ منقادٌ لكم               وإليكم من وجههِ إقبالُ

وعيونُه في لهـفةٍ ترنو لكُم                  وعليكم من حُلمِهِ آمالُ

لم تنتهيْ الأعباءُ يا "إخواننا"               بل ضوعفتْ في حجمها الأثقالُ

حتى يضيءَ الفجرُ في ظلمائنا              ويبيدَ بالحقِّ المبينِ ضلالُ

ولقد أصبحت هذه الأبيات كنشيد في أوساط شباب الإخوان المسلمين في ليبيا .

س 14 : أبياتك تتغنى بالإخوان المفرج عنهم عام 2006، ولكنه تم إعتقالكم سنة بعد ذلك، هل لكم أن تحدثونا عن هذا؟

جـ 14 : هي فترة بسيطة قضيتها في المعتقل، وأنا دائما أستحي أن أتحدث عنها، لأنه إذا قُورنت بما أصاب الإخوان لهانت كثيرا، أما سبب إعتقالي هو أنني أسست جمعية الشاب الليبي في بريطانيا، والنظام الليبي دائما يتحسس من أي جمعية ليبية خارج الوطن، فسجنت قرابة أربعة أشهر وكانت تجربة مفيدة لي، كانت بالنسبة لي فترة نقاهة وصفاء روحي، فكنت في الزنزانة مع الشباب نتدارس كتبا كثيرة، فدرسنا كتب الحديث والأدب والتاريخ وعلوم أخرى كثيرة، فكانت مرحلة استفدنا منها كثيرا ولله الحمد، واسمح لي أخي أن أروي لك واقعة طريفة حدثت لنا في السجن ـ تذكرتها بعد أن زرت معك اليوم حديقة الحيوانات في الحامة  ورأيت ذلك الكبش من نوع اللاما ـ تصادف أن حل عيد الأضحى المبارك ونحن في السجن، فاشترت لنا إدارة السجن كباشا كثيرة بهذه المناسبة، وتركتها ترعى في ساحة السجن، فكنا في زنزاناتنا نسمع (بعبعتها) فبقينا اليوم بطوله نمني الأنفس والبطون بلحومها، ولكن العيد قد مضى ولم نأكل منها شيئا، وعلمنا بعدها أن حراس السجن قد التهموا كل شيء، فكلما أرى كبشا أتذكر ذلك المشهد فتنتابني رغبة كبيرة في الضحك .

س 15 : بما أنكم قرأتم الكثير من الكتب، فما هي الكتب التي تنصحون الشباب بقراءتها ؟

جـ 15 : أعتقد أن مفاصل الثقافة العربية ثلاثة رجال، وقد وافقني في ذلك الشيخ جاسر سلطان ـ رئيس بيت الخبرة في قطر، و هم الذين جمعوا بين الأدب والفكر والتاريخ والفقه ...

أولهم الشيخ محمد الغزالي، أعتقد أنه يجب أن تُقرأ جميع كتبه بدون إستثناء، خاصة كتابه (دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين) والثاني أبو الحسن الندوي الهندي، وخصوصا كتابيه (ماذا خسر العالم بإنحطاط المسلمين؟) وكتاب (ربانية لا رهبانية) والثالث الشيخ خليل الطنطاوي السوري، هؤلاء الثلاثة هم الذين جمعوا بين الفكر والتاريخ والفقه وقضايا الأمة .

أما المعاصرين فأنصح بقراءة كتب الرئيس البسني السابق علي عزت بيغوفيتش، خصوصا كتابيه (الإسلام بين الشرق والغرب) ـ (الهروب من الحرية) لابد لأي مثقف أن يقرأ هذان الكتابان، وكتاب الحريات للشيخ راشد الغلوشي، وكتاب المجتمع لعزمي بشارة، وكتاب الشهود الحضاري لعبد المجيد النجار التونسي .

س 16 : وما رأيكم في مؤلفات المفكر الجزائري مالك بن نبي ؟

جـ 16 : هو مرجع من مراجع النهضة، وصاحب بعض النظريات لا يزال يعمل بها في مشاريع النهضة إلى يومنا هذا، لقد صاحبت وعاصرت رئيس مشروع النهضة في الشرق الأوسط الشيخ جاسر سلطان وهو من رموز الفكر الإسلامي في قطر، فكان يزورني في بيتي كلما زار بريطانيا، وكلما يتحدث عن النهضة إلا وكان لمالك بن نبي الجزء الأكبر من حديثه، فمالك بن نبي مرجع كبير من مراجع النهضة، وهو صاحب نظرية قابلية الاستعمار ونظرية التراب + الإنسان + الزمن = الحضارة .

س 17 : كيف ينظر الدكتور زكريا إلى القضية الفلسطينية ؟

جـ 17 : لا يمكن تلخيص القضية الفلسطينية في بضع كلمات، ولكني أقول كما قال الراحل هواري بومدين: (نحن مع فلسطين ظالمة أو مظلومة) أرى أن مفتاح حل القضية يبدأ بالوئام الوطني بين جميع الفصائل، إن فعلوا هذا فإنهم سينجزون إنجازا كبيرا خاصة بعد تخلي دول المنطقة عنهم، وأذكر أن الشيخ راشد الغلوشي كان دائما يقول لي أن الفكر العربي ينصب دائما إلى النصر بالضربة القاضية مثلما في رياضة الملاكمة، ولكن يتناسون أن هناك نصر من نوع أخر إسمه النصر بالنقاط، فأظن أن النصر لفلسطين يكون بالنقاط وليس بالضربة القاضية لأنها لا تملك إمكانيات الضربة القاضية .

س 18 : هل لكم أن توضحوا أكثر ماذا تقصدون بالنصر بالنقاط ؟

جـ 18 : النصر بالنقاط يكون بمساهمة جميع الأطراف، وفي جميع الميادين، يجب أولا أن تتحد جميع الفصائل، والمساهمة بالتظاهرات وجمع التبرعات والتحسيس بالقضية عن طريق وسائل الإعلام، والكتابات والفنون إلى غير ذلك، وأنا شخصيا جلست مع الكثير من رموز القضية الفلسطينية الذين زاروا لندن مثل شيخ الأقصى محمد صيام الذي أخبرنا أن حاجتهم ليست في الرجال، ولكن حاجتهم في الدعم المادي والمعنوي .

س 19 : هل تعتقدون أن قافلة الحرية أكسبت نقاطا إضافية للقضية الفلسطينية ؟

جـ 19 :  لقد تفاعل المجتمع الدولي مع الحدث تفاعلا كبيرا، وأرى أن القضية الفلسطينية كسبت عدة نقاط من خلال ما حدث، الهدف الأساسي من القافلة هو كسر الحصار وفتح المعابر لإيصال المساعدات الإنسانية لأهل غزة، أهم نقطة كسبها الفلسطينيون هي فضح الكيان الصهيوني أمام الرأي العام الدولي، فعندما أشاهد المظاهرات في جميع أنحاء العالم لنصرة أهل غزة وضد جرائم إسرائيل، أدرك أن فلسطين كسبت نقطة نحو النصر، وعندما أجد مثلا كوستاريكا تقطع علاقاتها مع الكيان الصهيوني، وأجد ردود فعل كثيرة ضد اعتداءات إسرائيل من طرف الإتحاد الأوروبي وحتى بعض الأصوات المنددة في الولايات المتحدة الأمريكية، أدرك أن فلسطين كسبت نقطة أخرى، وعندما أرى المعابر تفتح ولو لإشعار أخر أدرك أن فلسطين كسبت نقطة ثالثة، فكلما تكسب فلسطين نقطة، ينقص من رصيد العدو نقطة وهكذا ستنتصر فلسطين في النهاية بالنقاط .

س 20 : ماذا أضاف السفر للدكتور زكريا عمر ؟

جـ 20 : السفر مدرسة يتعلم الإنسان من خلالها الكثير، ووسيلة يتعرف بفضلها على أناس كثر، وخير دليل على ذلك أني تعرفت عليك بعد أن سافر كلانا إلى دمشق، لقد زرت معظم دول أوروبا، منها فرنسا، ألمانيا، سويسرا، اليونان، إيرلندا، بلجيكا، مالطا ومعظم دول الشرق الأوسط، مثل مصر، سوريا، لبنان، الأردن، تونس، المغرب والجزائر،  وأنا أعتقد أنه لولا كثرة أسفاري لما نشأت علاقات صداقة وأخوة مع أناس أحبهم، والحديث عن الرموز التي إلتقيتها قد يطول، فبفضل السفر واستقراري في لندن عاصمة الثقافة أتيحت لي العديد من الفرص فالتقيت بالعديد من الشخصيات من كُتاب وعلماء وإعلاميين ورياضيين وغيرهم، أذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر، الشيخ محمد الغزالي زرته في بيته في القاهرة قبل وفاته، والتقيت أيضا الشيخ راشد الغلوشي زعيم حزب النهضة في تونس، وعبد الباري عطوان، والزعيم الأردني ليث الشبيلات، والشيخ محمد الشنقيطي رئيس علماء بريطانيا، وكنت أحد تلاميذه، والشيخ كمال الهلباوي وهو من كبار شيوخ مصر، ويوسف عز الدين السامرائي عميد أدباء العراق، والداعية عمرو خالد كان يدرس معي في نفس الجامعة، والشيخ القرضاوي إلتقيته أكثر من مرة، ومن الرياضيين البطل العالمي الأسبق في الملاكمة نسيم حميد قد نشأت بيننا علاقة صداقة وهو يصلي معي في نفس المسجد، وكذلك لاعب كرة القدم الفرنسي اعتنق الإسلام و أطلق على نفسه اسم يزيد، وهو مدافع فريق ( شافيلد يونايتد ) من الدرجة الأولى الإنجليزية، وهناك شخصيات رياضية أخرى كثيرة .

وأنا جد متأسف ونادم لأن الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله، قد زارنا في بريطانيا مرتين و لم ألتقه فيهما، كان يلقي محاضرة في لندن ليس بعيدا عن بيتي ولم تتح لي الفرصة لحضورها، فأنا جد متحسر لذلك، لأني أعتبره من أكبر زعماء الدعوة الإسلامية في هذا العصر، كما كانت عندي رغبة في رؤية الشيخ سحنون، ولكنه توفي قبل ذلك، ونفس الأمر بالنسبة للشهيد بوسليماني رحمه الله .

و عندي شوق كبير لرؤية الشيخ سعيد بويزري، لما سمعت عن نضاله في الدعوة وميادينها ، والبذل والتضحية والوفاء، وأخلاقه الطيبة، فأنا أتمنى أن تتشنف أذنايّ بسماع حديث خاص له معي وأتشرف بذلك .

س 21 : على ذكر السفر، هذه أول زيارة لكم للجزائر، كيف وجدتموها ؟

جـ 21 : أكثر شيء يميز الجزائر هو السلم المدني في المواطن الجزائري ذاته، فتشعر بالجزائري مسالم، وتشعر بالناس هنا متحضريين مدنيين، وأما الجزائر كدولة فيها بنية تحتية كبيرة، وأشعر أن الجزائر قد ظُلمت إعلاميا وسياحيا، ولقد أعجبتني ظاهرة كبيرة في الجزائر وهي امتلاء المساجد في الصلوات حتى تظن نفسك كأنك في صلاة الجمعة، وهذا ما رأيته في ولايات عين الدفلى والشلف وغيلزان .

س 22 : ما هو الانطباع الذي خرجتم به بعد زيارتكم لمتحف المجاهد بمقام الشهيد ؟

جـ 22 : لقد تألمت لما رأيت صور تعذيب الجزائريين إبان الاحتلال الفرنسي للجزائر، شعرت كأن فرنسا لم تدع شيئا في الجزائر نحبها لأجله، فتذكرت مرثية أحمد شوقي في عمر المختار عندما قال :

ركزوا رفاتك في الرمال لواءَ                 يستنهض الوادي صباح مساء

يا ويحهم نصبوا منارا من دم                 توحي إلى جيل الغد البغضاء

ما ضر لو جعلوا العلاقة في غد              بين الشعوب مودة و إخـاء

جرح يصيح على المدى و ضحية             تتلمس الحرية الحمراء

ففرنسا مهما تبرز من وجه حسن، إلا أنها تبقى دائما ذلك الشرير الذي كان يعذب الجزائريين ويقتلهم، شعرت بحزن كبير لما لقاه الإنسان الجزائري من بطش الطغيان الفرنسي .

س 23 : أشكركم دكتور زكريا لرحابة صدركم، وأتمنى أن تجدوا الزوجة التي عنها تبحثون .

جـ 23 : أمل ذلك .. الشكر موصول لك ولأهل الجزائر الكرام، وأتمنى لك التوفيق في مجلة حنين. والسلام عليكم ورحمة الله و بركاته .

وعليك السلام ورحمة الله تعالى وبركاته .

حاوره قدور شاهد ـ الجزائر العاصمة

الجمعة 4 جوان 2010 م

صفحة الفايسبوك

التسجيل في الموقع

  • صلاح
  • kadchahed

فيــــــــــــديو : تحية لقراء مجلة حنين