لقاء مع فضيلة الشيخ نعيم رحالي
أخذ العلم عن الكثير من العلماء ، و أخذ عنه العلماء الكثير من العلم ، بتواضع كبير ينسب نفسه للعوام ، هدوء كلماته تخترق قلوب مستمعيه دون مقدمات ، أنعم الله عليه بالعلم فراح يكثر الترحال يقتفي أثره أين ما وجد ، يرى أن سبيل النهضة بالأمة يكون في الاعتدال والوسطية التي تجمع بين الأصالة والمعاصرة ، ويؤمن أن من زرع بذرة طيبة حتما سيحصد ثمارا طيبة . بكرم أهل وهران استقبلني وفي مسجد زين العابدين كان لي معه هذا الحوار . هو ذاك فضيلة الشيخ نعيم رحالي .

ـ س1 : من هو الشيخ نعيم رحالي ؟
بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أشرف المرسلين ، سيد الأولين والآخرين وعلى آله وصحابته أجمعين ، أنا واحد من عامة الناس ولدت في أسرة ملتزمة ومحافظة ، فنحن خرجنا إلى هذا العالم أيام الأزمات بداية الحرب العالمية الثانية سنة 1939 بقرية رأس الماء بولاية سيدي بلعباس ، مما كانت تضيق الأمور على الأسر ، فقدت والدي وعمري أربع سنوات ، دخلت الكتاب كما يدخل معظم الصبية في هذه السن ، وكنت تلميذا لزوج عمتي ( السي علي ) رحمه الله وغفر الله له ، لأنه كرّه لنا القرآن الكريم من شدّته وقسوته ، الطريقة التي كان يدرس بها كانت تبعث على البعد عن القرآن، إلى درجة أني كرهته ، والإنسان عندما يكره المعلم لا يأخذ منه شيئا ، ثم عرض عليّ عمي يرحمه الله أن أرعى له بقرة أفضل من التعلم في الكُتَابِ ، و كان له غاية في نفسه من وراء طلبه ذاك ، فأصبحت أرعى تلك البقرة مقابل قطعة من الخبز كل يوم ، فبقيت أعمل يوميا كانوا يعتقدون أني سأمل من ذلك العمل ، في اليوم الخامس سألني عــمي :‘‘ أ لا تعود إلى الكتاب خيرا لك من هذا العمل الشاق ؟ ‘‘ فقلت :‘‘ أبدا .. أرعى البقرة و لا أجلس عند ذلك الشيخ ‘‘ وفي الحقيقة أجبروني على العودة بالقوة ، وبقيت أدرس عنده قرابة السنة ، ثم رحلتُ مع أسرتي إلى تلمسان حيث أخوالي ، ثم بدأت أجمع بين مزاولة الدروس في الكتاب و العمل في حرفة النسيج، وبقيت في تلمسان ثلاث سنوات ثم انتقلنا إلى مدينة فاس بالمغرب حيث كان شقيقي هناك ، وكذلك جمعت بين العمل والتعلم لأننا كننا عائلة فقيرة ، و أنا صغير كنت أحب أن أجالس الكبار فأخذ منهم العلم ما قدر لنا الله أن نأخذ ، تقدم السن بي قليلا ثم دخلت إحدى المدارس الدينية وبقيت أدرس فرأى فيّ بعض المشايخ أني لو اجتهدت أكثر لكنت في درجة أفضل ، بقيت في المغرب إلى أن تحصلت على الشهادة المتوسطة ، ثم عدنا إلى الجزائر و أتممت دراستي في المعهد الإسلامي بوهران وبعدها دخلت الجامعة ونلت شهادة ليسانس ، كما نلت في التعليم الأصلي شهادة الإسلامية ، ثم ككل شاب يطمح أن يكون متألقا انتقلت إلى تلمسان وصرت أعلم الشباب في الثانوية ، ثم دخلت المعهد الإسلامي مرة أخرى ، وفي شهر رمضان قدموني أنا و شاب أخر لإلقاء درس في الجامع الكبير بتلمسان أمام الملأ وذلك ليلة 27 من رمضان سنة 1963 ، كان أول درس ألقيه و بعدها ما استطعت أن أقوم بمفردي إلا بمساعدة بعض الشباب يومها ، من عظمة ما شعرت به .
ـ س2 : بين مطرقة اليتم و سندان المحتل الفرنسي ، كيف كانت مرحلة طفولة الشيخ نعيم ؟
أذكر أن والدي رحمه الله كان تاجرا صغيرا ، وترك لنا بعد وفاته بعض المال نعيش به لأيام معدودات فقط ، يومها كنا في فقر شديد ، والقمل الذي تسلط علينا لا يعلمه إلا الله تعالى ، كنا نعيش في ذل و مهانة لشعب بأكمله من جراء الطغيان و القهر الذي مارسه المحتل الفرنسي على شعب بأكمله في الجزائر ، و مع هذا كان عمي صاحب تجــــــارة و بالتــــالي كنا أفضـــل من كثـــيرين ، لا يعــــرف اليتيم إلا اليتيم ، ولأجل ذلك أدركت أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم هو سيد اليتامى ، واليتيم يحتاج إلى عطف و رحمة ، ويحتاج إلى أن تمسح رأسه ولك بكل شعرة حسنة ، وجاء في الآثر : ‘‘ أنا وكافل اليتيم هكذا ـ وجمع بين السبابة والوسطى ـ ‘‘ طبعا في السن الرابعة تبدأ القواعد الأساسية في التربية ، لأجل ذلك نحن مهتمون الآن بتربية الأطفال من سن 3 إلى سن 6 ، فقد اتفق المربون جميعا على أن قاعدة الطفل التربوية تبدأ في هذه المرحلة ، تستطيع أن تبني عليها ما شئت ، و إذا لم تقدر على التحكم في الطفل في هذه السنوات فلت من يدك ، لأن المربون يسمونها سن المراهقة الأولى .
علمتنا الحياة عن طريق الفقر ، كنت طفلا لم يتجاوز العشر سنوات بعد و كنت أحمل للنصارى أغراضهم من السوق إلى البيت مقابل فرنكا أو ريالا و كنت أفرح به كثيرا ، وكنا مجبرين على العمل لسد الرمق ، وعرفنا الفقر الشديد أيضا في تلمسان لأن الوالدة استأجرت هناك غرفة صغيرة و نحن 3 إخوة و لا نملك شيئا ، كانت الوالدة تنسج الصوف و تبيعها لنتقوت كنا حقا نعيش في مأساة ، رحم الله الوالدة برحمته الواسعة ، و الله ما قدمنا لها شيئا بمقابل ما قدمت لنا .
ـ س3: كيف كانت بدايتكم الفعلية في مجال الدعوة إلى الله ؟
كما قلت أن البداية الفعلية للدعوة إلى الله كانت في شهر رمضان في ليلة 27 من سنة 1963 بالجامع الكبير بتلمسان ، عندما لم أستطع الوقوف بعد الدرس من هيبة المكان ، و حولي مشايخ و علماء و أزهريون ، و بعدها ساعدني بعض الطلبة على الوقوف و وباركوا لي لأني استطعت أن أقدم درسا بحضور العلماء و المشايخ ، و بعدها بدأت أجتهد و قرأت الأجرومية و الألفية عن الشيخ الطيب المهاجي رحمة الله عليه وهو أحد كبار علماء وهران و أحد أعضاء جمعية العلماء المسلمين في الجزائر، واعتكفت على حفظ القرآن الكريم إلى أن وفقنا الله سبحانه وتعالى إلى ذلك ، و بدأت الحركة الدعوية شابا فقرأت الكتب القديمة لإبن تيمية و ابن القيم الجوزية ، و بدأت أقرأ آثار رجال الإصلاح و تأثرت بالشيخ البشير الإبراهيمي رحمه الله الذي جلسنا معه جلسات طيبة ، تعلمنا من كلامه الأخلاق ، بقي كل ذلك محفورا في الذاكرة ، وبعدها دخلت التعليم في سنة 1965 و بدأت أكون نفسي بنفسي و كنت عصاميا بطبيعتي ، ولأني أحمل الشهادة الأهلية الإسلامية قُبِلتُ في مديرية الشؤون الدينية على أن أكون متطوعا ، وقد عملتُ مدرسا في الأطوار الثلاث ، الابتدائي والمتوسط والثانوي ، وأنا إمام مسجد زين العابدين منذ سنة 1983 ، وألقينا بعض المحاضرات هنا و هناك ، هذه بعض المحطات التي مررنا بها .
ـ س4: ما واقع الدعوة إلى الله في وهران ؟
وهران كبقية المدن إلا أنها تحتاج إلى أرمدة من الدعاة ، اشتهرت المدينة بين الناس بـ ( وهران الباهية ليل ونهار زاهية ) ، ولكن ما نظروا إلى دعاتها و علمائها الذين استطاعوا أن يملئوا الساحة و إن كان لا يمكن أن نصلح الناس جميعا ، هناك جانب سلبي في وهران و لكن هناك جوانب إيجابية من جملتها أن هذا الحي الذي نحن فيه يعتبر من أصعب الأحياء و لكن الناس فيه يحترموننا ، وكم من شاب كان منفلتا وأصبح الآن من رواد المساجد، و الحمد لله بدأنا نرى الثمار فهناك من الشباب من تكونوا في سوريا و مصر ، ويعملون الآن في حقل الدعوة ، هناك أمال لإصلاح هذه البلاد ، وكما تعلمون أن في وهران قرابة 500 مسجد ، ونسعى انطلاقا من هذه المساجد لإصلاح المدينة و أهلها ، التحديات في وهران كبيرة ولكن الأمل أكبر .
ـ س5: بما يحلم الشيخ نعيم رحالي ؟
أحلم أن يكون لي 10 رياض للأطفال ، ومدرسة ابتدائية ومتوسطة وثانوية ، هذه هي أحلامي على قدر الطاقة ، وأنا الآن إن شاء الله في طريق تحقيق هذا الحلم .
ـ س6: ما هي الرسائل التي يريد أن يبعث بها فضيلة الشيخ ؟
أول رسالة أوجهها إلى الأئمة أقول لهم :‘‘ أن لهم أمانة سيسألون عنها يوم القيــــامة والإمــــام قــــدوة ، مصداقا لقوله تعالى : ( وقالوا ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما) ‘‘ والرسالة الثانية أوجهها إلى الشــــباب فأقـــول لهم :‘‘ أن الحياة تكون بالعلم فنطلب من الشباب أن يلتفوا حول العلماء العاملين والعلم يأخذ من أفواه الرجال‘‘ ، والرسالة الثالثة نوجهها إلى المعلمين في الابتدائي والمتوسط فنقول لهم :‘‘ اتقوا الله في هؤلاء الصبية فإنهم أمانة بين أيديكم و كنوا لهم قدوة حسنة فإنهم يأخذون من أخلاقكم أكثر مما يأخذون من علمكم ‘‘ .
ـ س7: هل من كلمة أخيرة لقراء مجلة حنين ؟
بما أن المجلة تحمل اسم حنين فينبغي على قرائها الكرام أن يكون لهم حنين إلى الحنين ، وللمجلة دور كبير لتكوين شخصية الإنسان ، والتكوين الثقافي لا يكون إلا من خلال الإطلاع على المجلات العلمية و الثقافية و الأدبية و بهذا يكون الإنسان يعيش واقعه من خلالها .
حاوره قدور شاهد ـ مسجد زين العابدين ـ وهران يوم الإثنين 5 مارس 2012







