لقاء مع صديقة القلم ـ زهرة برياح

أحاطت عليها سياجا من صمت كصمت الليل، وبَنَت على ملامحها أسوارا من ابتسامات بريئة، تعيش في مدينة مجنونة جريئة، وفيها تكتب وتقرأ، تحزن وتبتسم وتحلم، وترسم لها من حين لآخر لوحات ساحرة من الأمل الجميل، أعلنت عشقها لليراع وبادلها الحب الأصيل، ولازال الود بينهما بالرغم من ثقل الزمن الثقيل، تسافر بك شعرا إلى عوالم الحب النبيل، وترحل بك نثرا حيث ما أردت الرحيل، وأنتَ تنظر إليها تقرأ في عينيها أن للحزن في حياتها فصل طويل، تحاول جاهدة إخفاء وجعها ولكنها لا تجيد التمثيل، كما للكبار.. تكتب أيضا للأطفال وللفراشات وللنخيل، وهبت نفسها للصحافة والقصة وللمسرح والقصيدة، ولكل حرف جميل، اسمها زهرة برياح.. مهما قلت عنها سيبقى قليل..

1 ـ بداية ماذا تمثل مدينة وهران لزهرة برياح ؟ 

وهران هي أجمل أحلام الطفولة ، فتحت عينايّ على مسرحها وأنا في الخامسة أو السادسة من العمر أتذكر جيدا حضوري مسرحية (الخبزة) لعبد القادر علولة ، وأتذكر أيضا أني عشت طفولتي مع الحديقة الساحرة ، ومع حديدوان ، كان للوالد فضل كبير في حبي لوهران ، أتذكر أنه كان يجول بي أزقتها و شوارعها و يعرفني على معالمها ، وكان يأخذني دائما إلى المسرح وإلى مثل هذه الأماكن الثقافية الأخرى ، وهران بكل بساطة هي عشقي الأول .

2 ـ ماذا عن وهران اليوم ؟

تغيرت وهران أصبحت امرأة أخرى لا أعرفها ، تغير طبعها ومزاجها وأهلها ، وظهرت أشياء أخرى دخيلة غزت المدينة وغيرت من ملامحها الجميلة التي كنت أحب ، وهذا الأمر يؤلمني كثيرا ، لأن وهران كانت الحضن الدافئ لطفولتي .

3 ـ على ذكر طفولتك .. حدثينا عن شيء منها

أذكر جيدا أول يوم ذهبت فيه إلى المدرسة ، كانت الوالدة تقدم لي بعض الحلويات ، وأنا كنت أحلق كالفراشة فرحا بذلك ، وكان الوالد يعطيني (المصروف) لم أكن أشتري به الحلوة مثل باقي الأطفال ، بل كنت أشتري القصص وأعشق السفر في صفحاتها ، كانت الوالدة (فروكوفونية) وهذا جعلني أتعلم منها الفرنسية ومن الوالد تعلمت العربية ، علمني أبي احترام الوقت ، فكل شيء في وقته ، للدراسة وقت، وللعب وقت، وللأكل وقت، وللنوم وقت .. و في أخر سنوات المرحلة الابتدائية أصبح قاسٍ جدا معي فكان يجبرني على حفظ الواجبات غير الدراسية ، كحفظ القرآن الكريم وحفظ الأحاديث النبوية الشريفة وحفظ الشعر، لم أكن أستوعب بعقلي الصغير حينها ما كان يقوم به ، و كنت أعتبر ذلك قسوة كبيرة منه ، ولكني الآن أدركت جميل ما فعل معي، لأنه كان يصقل فيّ الموهبة منذ الصغر، كأنه كان ينحت أو يرسم في عقلي مستقبلي الأدبي ، والحمد لله فهذا الزاد الفكري واللغوي والشعري والأدبي يعود فيه الفضل الكبير إلى الوالد الكريم .

4 ـ كيف كانت أحلامك الصغيرة ؟

عندما كنت أدرس في المرحة الإكمالية كنت أحلم أن أكون طيارة ، ربما لأن لي خال يعمل ضابطا في الطيران فكان ذلك يستهويني جدا ، ولكن خالي نصحني بتغيير حلمي لأن ذلك قد يحد من حريتي ويقيدني ، ولكن غريزة التحليق كانت تسيطر على كل تفكيري ، فكان عليّ أن أبحث لي عن سماء أخرى أحلق فيها ، فلم أجد إلا الأدب والكتابة والقلم والحرف والقصيدة ، أذكر أنني كتبت مسرحية غنائية بعنوان (لهب فلسطين المقدس) وأنا أدرس في ثانوية (لطفي) كانت يومها تقام مسابقة على المستوى الوطني في إطار (ما بين الثانويات) وقمنا بتلحينها وتحصلنا يومها على الجائزة الأولى ، لا أزال إلى يومنا هذا أحتفظ بالشهادة ، و كلما أراها ينتابني حنين إلى تلك الأيام الجميلة ، أما في الجامعة فكان تخصصي دراسة الأدب العربي ، إلى جانب ذلك اتجهت إلى تخصص أخر وهو دراسة السينما، وهذا منحني فرصة تعلم خبايا السينما وكتابة السيناريو فجعلني أحتك بالمجال المسرحي أكثر ، كانت تبهرني خشبة المسرح أو ربما كان لطفولتي أثر في ذلك ، لم أكن أريد أن أتقمص أدوارا أو أن أمثل بل كنت أريد أن أكتب مسرحا وفقط سواء كان للكبار أو للصغار ، و كنت أسعد كثيرا عندما أرى أفكاري التي كانت أسيرة مخيلتي تصبح واقعا .  

5 ـ ماذا يعني لك القلم ؟

القلم شيء مقدس قد أقسم به رب العزة ، فمثلا إذا تحدثنا عن مهنتي في الصحافة أشعر أن لقلمي أهمية كبيرة و في نفس الوقت أشعر بمسؤولية الحرف الذي أكتبه ، وإذا تحدثنا عن الشعر و القصة فالقلم هو رفيقي في ذلك ، حقا إني أكن احتراما كبيرا للقلم . 

6 ـ هل تعتبرين القلم صديق أم سلاح ؟ 

القلم في أصله صديق وسلاح ، ولكنه بالنسبة لي صديق عزيز وفقط ، لم أستعمله يوما كسلاح ولا أظنني سأفعل .

7 ـ حدثينا عن زهرة برياح الصحفية .

طبعا عشقي للأدب يتوازى مع عشقي للصحافة، كنت أراها بوابة على كل ما يحدث في المجتمع ، الصحافة تمنحك (بطاقة بيضاء) تسمح لك بتخطي كل القيود المفروضة على غير أهل الصحافة ، حبي للصحافة جعلني أقتني بعض الكتب التي تتحدث عن خباياها وأسرارها، وقدّر الله أن قرأت في يوم من الأيام إعلانا في جريدة الجمهورية يطلبون فيه صحافيين مختصين في مجال الرياضة، فأخذت بنصيحة أحد الأصدقاء بالتقدم لمسابقة القبول و قمت بإعداد تحقيق رياضي حول فريق كرة اليد لمولودية وهران وقد نشر التحقيق في الجريدة وقد غمرتني سعادة لا توصف لأني رأيت اسمي مكتوب مع التحقيق ، إلى درجة أني اشتريت نسخا كثيرة من عدد ذلك اليوم و قمت بتوزيعها على الأهل والأصدقاء ، وتم قبولي مباشرة كصحافية في جريدة الجمهورية كان ذلك سنة 1992 و أنا اليوم رئيسة قسم المجتمع في نفس الجريدة .

 8 ـ لماذا أشعر أن للحزن مساحة كبيرة في حياتك ؟

الحزن كان صديق لي لفترة طويلة من الزمن ، سأخبرك بالسر ، كنت مخطوبة لشاب من عائلتي فقدته في حادث مرور مروع ، كنت برفقته  يومها ولكن قدّر الله وما شاء فعل ، وقع لنا حادث سير مات فيه وأنا نقلت إلى المستشفى وبقيت في حالة غيبوبة مطلقة لمدة ثلاثة أيام أو أكثر، وبعد استفاقتي من الغيبوبة شعرت أني ولدت من جديد وأن الله منحني حياة أخرى، بقيت في حالة روحانية فيها شيء من الصوفية لمدة ثلاث سنوات ، شعرت أني إقتربت من الله سبحانه وتعالى لأنه منحني حياة أخرى وأمدّ لي في عمري ومنحني فرصة العودة إليه ، طبعا يشعر الإنسان بالحزن إذا فقد عزيزا ، والفقيد لم يكن خطيبا فحسب ، بل كانت تجمعني به العديد من الذكريات الجميلة ، لأنه كان صديق العمر ، ورفيق الطفولة ومستودع الأسرار رحمة الله عليه ، بعد الحادث أصبح القرآن الكريم صديقي ومؤنسي وأصبحت أكثر الصيام ، يعني دخلت عالما روحانيا صوفيا كان لابد لي من دخوله ، الحمد لله على كل حال .

9 ـ هل من كلمة أخيرة لقراء مجلة حنين ؟    

أشكر مجلة حنين الثقافية على منحي فضاء في سمائها ، كما أتمنى لها مزيدا من التألق والنجاح ، و بما أن شعارها هو السمو بالإنسان إلى أرفع درجات الرقي فأود أن أبعث برسالة إلى الإنسان نفسه ، أقول له فيها ابتسم لتحلق الفراشات .

حاورها قدور شاهد يوم 16 أبريل 2012 ـ مسرح عبد القادر علولة ـ وهران 

صفحة الفايسبوك

التسجيل في الموقع

  • صلاح
  • kadchahed

فيــــــــــــديو : تحية لقراء مجلة حنين