لقاء سريع مع فضيلة الشيخ عبد الناصر جبري

من مواليد 1958م، واجه بفتواه الساخنة سخونة الاجتياح الصهيوني لبيروت صيف 1982م ، وحرّم على أهلــــها الفــرار منــها، و ثبت و من معه فيها، لا يزال يذكر مشايخه بإجلال كبير، يقدس العلم كتقديسه للدين .
هو ذاك فضيلة الشيخ عبد الناصر عبد الله جبري.

هي زيارته الثانية للجزائر، جاءها من لبنان يحمل لها معه رسائل الحب لأهلها وتاريخها وترابها وشهدائها، ساقه القدر إلى مدينتي لينهل بعض أهلها من علمه الغزير، وساقني القـــدر لأكون من بين مرافقيه في رحلة عودته إلى العاصمة، وبمثل سرعة السيارة التي كانت تقلنا، كانت سرعة حواري مع فضيلته، عندما تراه تشعر بالملائكة تحيط به من كل جانب، إنسان طيب متواضع لا تفارق البسمة وجهه الجمــــيل، إذا حدثك أحببته دون مقدمات، يصف نفسه بخادم طلبة العلم، وعند توديعه يشعرك كأنك أعز من عرف في الدنيا، صريح إلى أبعد الحدود، يؤمن أن القوة في الحب .

عرضت عليه فكرة إجراء حوار سريع لمجلة حنين، إبتسم و قال:‘‘على بركة الله’’.


س1 : شيخي الكريم، صعب أن نعرف المُعرف، وأصعب من ذلك أن تطلب من شيخ جليل أن يعرف بنفسه، ولكن نحب أن نسمع منكم في بضع كلمات لمحة تعريفية ولو قصيرة عن فضيلتكم.

ج 1 : بسم الله الرحمن الرحيم، نحن متزوج من عام 1979م، و ليّ أولاد ست، ثلاث من البنين وثلاث من البنات، وعندي أحفاد، وأسأل الله تعالى أن يكونوا من الصالحين والصالحات، وزوجتي من حفظة كتاب الله العظيم غيبا، وهي سيــــدة فاضـــلة في تربية أولادها، وواعظة في تعليم جيرانها وأهلها الدين والإسلام، وكذلك القرآن الكريم. أقوم على خدمة طلبة العلم في معهد الدعوة الجامعي للدراسات الإسلامية، وكذلك عندي عمل غير منتظم في تجـمع علمـــــــاء المسلمين وهو هيئة تجمع علماء السنة والشيعة في لبنان، وأعمل كنائب رئيس الهيئة الإدارية في التجمع، وكذلك في العمل السياسي نحن نقوم على خدمة حركة الأمة، وهذه الحركة هي مؤسسة فكرية ثقافية سياسية، نقوم من خلالها ببلورة فكر مقاوم للعدو الصهيوني، وكذلك للحفاظ على الوحدة الداخلية في المجتمع اللبناني، وكذلك نعمل كعميد كلية الدعوة الإسلامية فرع لبنان، وعندنا هيئة عالمية اسمها المجلس العالمي للغة العربية، وهي مؤسسة تعتني باللغة والحفاظ عليها، وعندنا مؤتمر عن التصوف، وكان المؤتمر الأخير الذي عقد في بيروت بعنوان (دور التصوف في بناء جيل النصر و التمكين) وأهم شيء أعتبر أن الله أكرمني به في عام 1982م، صمدنا في وجه العدو الصهيوني وحوصرنا عندما حاصر بيروت، وكنت من الذين قاموا في المدينة ورفضوا أن يخرجوا منها، لأن الدفــــاع عن الأوطـــان بالوحــــدة وبالتعاون هو فرض من الله تعالى وتبارك لنكون من أهل الوفاء، للحفاظ على مائه وهوائه، مقابل ما قدّم لنا من طعـــــام وشراب، يجب أن ندافع عن أوطاننا، هذا تقريبا النشاط الدعوي الذي أقوم به، في هذه الفترة من الزمان.

س2 : نستسمح شيخنا أن نبدأ الحوار من أيام الطفولة ، ما هي أجمل الذكريات التي لا يزال يحتفظ بها فضيلة الشيخ لمرحلة الطفولة؟

ج2 : نحن عشنا في المرحلة الأولى من عمرنا المرحلة الابتدائية بدمشق، وفي أواخر هذه المرحلة تعرفت على شيخنا سماحة المفتي الشيخ أحمد كفتارو رحمه الله، وكنت من العمر ما يقارب العشر سنوات، ولازمته بالصحبة والتعـــلم إلى أن توفـــاه الله تبــارك و تعالى، وانتقلت بالمرحلة الإعدادية إلى بيروت، لكي أتعلم في الإعدادية الأزهرية وكذلك الثانوية الأزهرية، وتلك الفترة كنت أجتهد أن أكون متعلما أو معلما مع صغر السن، فمنذ كان عمري 14 عاما كنت أخطب الجمعة، وأصلي بالنــــاس إماما، بمسجد المَُسَيدِبَة، ونتردد على المساجد التي حول القرى في بيروت، و كنت أتردد على بعض العلماء، أتعلم منهم اللغة العربية، والحديث الشريف، مثل شيخي الشيخ سعد ياسين رحمه الله تعالى والشيخ واصف الخطيب كنت أقرأ عنده القرآن الكريم، والشيخ حسن دمشقية شيخ القراء في بيروت، فنتعلم اللغة العربية، وكانت أجمل الأيام أيام تلقي العلم، وهي أيام جميلة ولطيفة، لأن فيها رضا من الله تبارك وتعالى ونشعر بهذا الرضا من خلال محبتنا وتلقينا للمعلومات ونحاول أن نعمل بما علمنا لأن الأصل بالعلم هو للعمل، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، فأولا نحن نلتزم بتوجيه النبي صلى الله عليه وسلم عندما قال: كن عالما أو متعلما أو مستمعا أو محبا ولا تكن الخامسة فتهلك. أعاذني الله تعالى وإياك والقارئين من هذا الهلاك، نحن نشعر بأن العلم بداية هو للعمل ثم بعد ذلك تعلم غيرك عسى الله تبارك وتعالى أن ينفعك وينفع بهذا العلم غيرك .

س3 : أكيد ما عاشه لبنان الحبيب من حرب أهلية شرسة كان له آثر بالغ في نفوس الجميع، ما هي الدروس التي يمكن أن نتعلمها من تلك التجربة القاسية؟

ج3 : يجب أن يتعلم أبناء وطننا العربي والإسلامي من هذه التجربة، أخطر ما يصيب الأوطان أن يختصم أهلها على وطنهم مع خلفيات ليست من مصلحة الوطن، لأن الوطن لا يبنى على خلفية مذهبية أو دينية أو عرقية، الأوطان لا تبنى إلا بقدر ما يقدمه أبناء الوطن لوطنهم، من عطاء وتضحية وفداء، لبناء الوطن، لأن المذاهب أو الأعراق لا فائدة منها للوطن، إلا بقدر ما تقوم هذه المبادئ بخدمة الأوطان، ولذلك يجب أن نعي وعيا صحيحا، أن الإســــلام هو دين أمـــر أبنــاءه وأتباعه أن يحافظوا على أوطانهم، ويعتبروا أن الدنيا كلها هي وطن لهم، لذلك المسلم لا يحل في مكان إلا ويحسن فيه، و يترك آثرا طيبا به لأن النظرة للأوطان هكذا تكون، ولأن المسلم لابد أن يترك بصمة طيبة طاهرة جيدة في كل مكان يحل فيه، المؤمن كالمطر أين ما وقع نفع، فهذا من الآثار التي جاءت عن نبينا المصطفى صلى الله عليه و سلم، فلا نفهم أن المذهب يهدم، نحن نعلم أن خلفية التدين هي خلفية إيجابية على الأوطان وعلى أهلها.

س4 : في مجتمع تتنوع فيه الطوائف الدينية من مسلمين سنة وشيعة، ودروز ونصارى وغيرهم، كيف يكون التعايش بين جميع هؤلاء؟ و كيف للسني أن يعيش وسط هذا الزحام؟

ج4 : هذه الخلفيات المذهبية أو الدينية أو الطائفية، ينبغي أن يستـــفاد منها لتمتين علاقــة المواطن بوطنه، و ليس من أجــــل أن يتآمر المواطن على وطنه، فكما عاش اللبنانيون وكما عاش غير المسلمين مع المسلمين في هذه المنطقة خلال التاريخ، وحافظ المسلمون على إخوانهم المواطنين الآخرين، يجب علينا أن نستمر في هذا الفكر، وبهذا الحفاظ على الناس، فالتعدد المذهبي والتعدد الطائفي، يعطي الأوطان دفعا إلى الأمام لكي تزدهر، ولأن هذا التنوع هو تنوع من أجل الجمال وليس من أجل التناقض وهدم البنيان، هكذا كان التنوع خلال التاريخ، وهكذا يجب أن ننظر إليه، وهكذا يلزمنا أن نتعامل معه في المستقبل، وأما أن يستغل المستعمر أو أعداء الأمة بعض الطوائف أو بعض المذاهب أو بعض الأعــــراق من أجــل تشتيت البلد الواحـــد، هذه مؤامـــرة خطـــيرة يجب أن نلتفت إليــــها ونفوّت الفرصة على أعدائـــنا لتبقى أوطاننا قوية، وبقوة أوطاننا نكـــون أقويـــاء وفي منعة، وإن ضعفت الأوطان نسقط معها، وليس للإنسان بعد وطنه مكان يحرسه ويجمعه، لذلك يجب أن نلتفت التفاتة للأمة للحفاظ على أوطاننا وبلداننا.

س 5 : هل من كلمة أخيرة شيخنا الفاضل لقراء مجلة حنين؟

ج 5: أول شيء نحن ندعو الله سبحانه وتعالى أن يبارك بهذه المجلة وقرائها، وأتوجــــه لأهلـــــنا في الجزائر أن يحافظوا على بلدهم، وأن يحافظوا على وحدتهم، ونقــــول لهم أن للجـــزائر وأهلـــها وشعبها في نفوس إخوانهم العرب والمسلمين مكانة بسبب جهادهم لتحرير أرضهم من المحتل الفرنسي، فنتمنى من الإخوة في الجزائر أن يتحركوا على مستوى الوطن العربي، ويعملوا على وأد الفــتن بين إخوانهم لأن كلمتهم مسمــــوعة بسبب محبتهم لهم، وكذلك نقول لإخواننا وأهلنا في الجزائر عليكم أن تنتبهوا وتحافظوا على هذا البلد الذي روى الشهداء بدمائهم أرضه وترابه  فلا تضيــــعوا هـــذه الدمــاء وصونــــــوها بوحـــــدتكم، وبمحبتكم وبالعمل على الارتقاء بهذا البلد الكبير والعظيم، لتكون الجزائر في طليعة الدول العربية والإسلامية التي تنافس الدول الغربية، بقوتها وبتسامحها وبحضارتها وبتقدمها، فنـسأل الله تعالى، أن يبـــارك في هذا الشعب الكــــريم، وأن يجعل فيه الخــير العظــيم، ونسأله أن يذكرونا دوما بالخير والدعاء، فحمى الله الجزائر والوطن وجميع الأمة، إنه سميع مجيب والحمد لله رب العالمين.

 

حاوره قدور شاهد ـ في الطريق إلى الجزائر العاصمة
السبت 06 نوفمبر 2010 م

 

صفحة الفايسبوك

التسجيل في الموقع

  • صلاح
  • kadchahed

فيــــــــــــديو : تحية لقراء مجلة حنين