دعوا الشيطان و شأنه ..

"المُومَن يَسْبـَق فْرُوحُو"... شاع هذا المثل كثيرا بيننا وأضحى حجّة دامغة لإقناع النفس والآخر بأحقيتنا في الغنيمة ...ولطالما توقّفت أمام هذا المثل الجزائري حائرة...كيف يربط الأنانية بالإيمان؟

فعلا إنّ للجزائري فلسفة خاصة في كل شيء حتى مع ربه...

لم تدم حيرتي طويلا حتى أدركت منطق الجزائري - صاحب المثل- في فهمه للإيمان الذي يعطي له شرعية السّبق بالنفس...وذلك من خلال تحليل المفكّر سعيد جودت" للحوار الدائر بين الله عزّ وجل وآدم عليه السلام في الجنة... "
إذ لم يحاول تبرير المعصية ولم يقل إنّ الشيطان قد مارس عليه إغراءً قويا بقوله: "مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ"[الأعراف:20]،"هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى" [طه:120]، رغم كل هذه الإغراءات لم يقل آدم: لقد خدعني الشيطان وأغراني بل قال بكل صدق وتحمل للمسئولية: لقد ظلمت نفسي.. أنا المخطئ، وأنا السبب، فاستطاع بذلك أن يتحمل مسئولية خطئه مع أن الله يقول أن الشيطان أغراهما وقال لهما: "ما نهاكما ربكما عن تلكما الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين" وقال لهما "هل أدلكما على شجرة الخلد وملك لا يبلى" "وقال" إني لكما لمن الناصحين" وكلها إغراءات شديدة...رغم ذلك لم يشر إليها آدم وزوجته أثناء المواجهة وإنما قالا: ربنا ظلمنا أنفسنا.

هذا الاعتراف الشجاع بارتكاب الخطأ وعدم ذكر الشيطان، هو ما يتميز به الإنسان القادر على كشف الأسباب الحقيقية والصحيحة للأخطاء وعدم الوقوع في الوهم والاشتباه بأسباب وهمية،  ومن هذا الموقف استحق آدم وزوجه أن يُستخلفا في الأرض وأن يتقبل الله منهما التوبة، "لأن الوقوع في الخطأ نتيجة جهل السبب."

وكذلك ستبقى مآسينا فينا ما دامت قابليتنا للرضوخ لها موجودة... فحين نصير مثل آدم لا نذكر الشيطان الذي أغوانا... وحين نصير لا نذكر إسرائيل وأمريكا والذين يتعاونون معهما ...ولا نجعل من أشقّائنا العرب المِشجَب الذي نعلّق عليه كل إخفاقاتنا... إذ لم يعد لكلمة الشقيق من أثر... ونصير نركّز على عوامل الفرقة بيننا.. ونرجع لنسلك طريق أبينا آدم و أمنا حواء فنشمئز من لعن الأعداء والشيطان ونصير نلوم أنفسنا و نبحث عن الأخطاء التي نرتكبها ونحذفها من قواميسنا... حين نعترف بألاّ أحد يغرينا أو يعوقنا...حينها فقط نستطيع تحقيق الكثير.

علينا أن نقول أخطأنا حينما نخطئ، أما الأعداء فليست لديهم القدرة على أن يفعلوا بنا ما نظنهم يفعلون."هو من عند أنفسكم...

كذلك أدركت كم كان إيمان الجزائري إيمانا عمليا معبّأ بتبعات الواقع، وكم أدرك" أن التفسير الخاطئ لحل المشكلة لا يقرب من الحل بل يبعد عنه"...

إنّ الشيطان لن يصبح يوما صديقا لنا وعليه ينبغي ألاّ ننتظره حتى يتغير... بل علينا أن نغيّر أنفسنا" لأن ..."المُومَن يَسْبَقْ فْرُوحُو"... رواه جزائري .

ودعوا الشيطان و شأنه ..      


بقلم الأستاذة تيسوكاي كريمة ـ بجاية ـ الجزائر
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

صفحة الفايسبوك

التسجيل في الموقع

  • صلاح
  • kadchahed

فيــــــــــــديو : تحية لقراء مجلة حنين