القلب الكبير

تنفس الصّعداء بعد جهدٍ كبير بين إداراتٍ ووثائق لم يكن له سابق عهد بها...وها هو ذاك الموظّف يسلّمه مفتاح الغرفة وكلّ لوازمها في ذلك الحي الجامعي العتيق الّذي تعبق من كلّ جنباته رياض و ورود لم تأت عليها يد الإنسان بعد...إنّه حيٌّ قديم للطلبة ولكنّه منظّمٌ ما يزال يحتفظ بالطّابع الأوربي في معماره، وهادئ يساعد أهل العلم في تركيزهم وتأملاتهم...أحس أخيرًا بنوعٍ من الاستقلال والخصوصية، فها هو يملك غرفة خاصّة به بعد أن تربى في بيت عائلة ميسورة الحال وسط أسرة صغيرة العدد مكوّنة من أخٍ أقل منه، وأخت هي أصغرهم وأم تستطيع أن تفك رموز الأبجدية، وأب يعتبر بمقياس الحال مثقف...ولكن ثقافة على الطريقة الخلدونية بولع المغلوب بتقليد الغالب...فكان مثله الأعلى في كل ما يعتدّ به أهل الغرب بإفرازاتهم طيـــــــــــــّبها وخبيثها، وعلى ذلك كانت العائلة بالإضافة إلى رغد العيش تسير أمورها على الحرية المطلقة لكل فرد من أفرادها دون تدخل باستثناء الأم التي كانت أحيانا تلوم أحد أبنائها على تصرّف خارج الإطار لبقية تقاليد بقيت راسخة لديها من أثر جدّها الّذي كفلها وهي صغيرة، ولكن الأب كان منطلقًا في حرياته الخاصّة وكثيرا ما قضى عطلته خارج البلاد في جوٍّ من التّحرر والمباهاة في إظهار ذلك للأصدقاء والخلاّن. في هذا الجو تربى هذا الوافد الجديد إلى الجامعة بعد أن اضطرّه اختياره للاختصاص أن يكون من المقيمين في ذلك الحي الذي يدخله لأول مرة في حياته، إنه يمضي الآن على وثائق استلام الغرفة الّتي أخبره الموظّف أنّها غرفة ذات شخصين وهو الثّاني بعد أن غادرها أحد المتخرّجين العام الفائت وبقي فيها الآخر لوحده إلى أن وصل هذا الوافد الجديد. بعد اكتمال الإجراءات اتّجه ناحية الجناح (ت) وبحث عن رقم غرفته (15)، وها هو قد صار أمام الباب يدير المفتاح بحذرٍ مع بعض الدّهشة وهو يلج عالمًا جديدًا بدأ في الحين يحياه بعيدًا عن دلال العائلة وحريرها، وضع أغراضه وجلس على سريره الخاص الّذي يقابل سرير صاحبه، وكان يبدو منظّمًا ونظيفا فكلّ شيء في مكانه برغم تواضع الأغراض...تمدّد قليلا ليأخذ قسطًا من الرّاحة بعد تعبٍ مضنٍ بين المكاتب والإدارات، وراح في لحظاتٍ من التّفكير والتّساؤل حول ما تخبئه له الأيام الآتية في هذا العالم الّذي طالما سمع عنه، وها هو الآن بصدد معايشته عيانا.
لم يكد يبتعد كثيرا في موجات التّفكير والتّصوّرات حتّى سمع صرير الباب...إنّه صاحبه في الغرفة يفتح الباب كالمعتاد...فانتبه في دهشةٍ واضطراب واعتدل جالسا... دخل الصاحب وحيّاه مستقبلاً إيّاه بحرارة واهتمام ممّا خفّف الحرج عن صاحبنا الجديد وزال عنه احمرار الوجه الّذي غزاه...فقد كان وضيء الوجه تبدو عليه النّعمة ظاهرة كأنّه حبّة فاكهة أخذت حقّها كلّه من الماء وضوء الشّمس.هي الأقدار تجمع وقد سميت جامعة لأنّها تجمع الكثير من النّاس بأقدارهم التي كتبها الله لهم في الملكوت الأعلى، ومضت الأيام وانغمس الوافد الجديد في الجو الجديد بخيره وشرّه أسوة بأبيه "فمن شابه أباه فما ظلم" كما يقال...ويبدو أنّ الرّجل وجد شلّة مكتملة العدد والعدّة تسعى وراء كلّ ما من شأنه الاهتمام به إلاّ ما جاءوا من أجله...فكان يقضي وقته كلّه أو جلّه معهم في تبادل الخبرات والتّجارب في اللّهو واصطياد البنات والإيقاع بأكبر عدد منهن...خاصّة و أن صاحبنا له وسامة جذّابة و ملفتة وهي ميزة أحسن استغلالها ممّا جعله محلّ حسدٍ وبغضٍ من بعض المحيطين به والّذين كان يعوزهم ذاك السّلاح الفتّاك، تطوّر الأمر ويبدو أنّ نسمات الحرية الّتي وجدها هذا الجديد أضحت إعصارًا ينذر بعواقب لا يعلم مداها...فكم من مرّة قبض على صاحبنا وهو لا يدري ما يقول و يهذي من أثر الخمرة في وسط الحي الجامعي بعد سهرة مع الأصدقاء والخلاّن...فيأخذونه إلى غرفته ويدخلونه حيث صاحبه في الغرفة منهمك دائما بكتابٍ أو في راحة من أمره...فكم من مرّة ساعده في لملمة أشيائه بعد أن يدخل في حالة يرثى لها في ساعة متأخرة من اللّيل وروائح أمّ الخبائث تفوح منه في مشهدٍ مقزّز ومقرف، فكان الصاحب يصبر عليه ويدعو بينه وبين نفسه لهذا الذي تتقاذفه الأهواء والأنواء بالرسو على برّ آمن وجميل تهنأ به نفسه و أهله من ورائه.
في ليلة من اللّيالي وفي سكون المكان المخيم...دخل صاحبنا وقد أثقلته أمّ الخبائث بعدما ارتوى منها..ويبدو أنّه أكثر منها فوق ما اعتاد عليه فكانت رجلاه لا تكاد تحملانه...دخل غرفته بعد معاناة مع السّلم ولم يستطع فتح الباب لقلّة التّركيز، وهنا سمع صاحبه في الغرفة جلبةً عند الباب فوقف ينظر ما الأمر، فإذا بزميله هناك لا يكاد يقف، فدخل وارتمى مباشرة على السّرير من شدّة الإعياء...نزع منه رفيقه أحذيته حتّى يستطيع أن ينام بشكلٍ مريح...ولكن بعد قليل نهض صاحبنا وجرى إلى زاوية الغرفة حيث سلّة المهملات و بدأ في التّقيؤ بحرقةٍ مع سعالٍ شديد ورائحة لا تحتمل...وهنا نهض زميله من مكانه واتّجه إليه وأمسك برأسه بكلتا يديه حتّى أكمل إفراغ ما في بطنه، ثمّ ناوله كأس ماء حتى يمضمض به وساعده في الرّجوع إلى مكانه، واطمأن عليه بعدما سوّى له فراشه وغطّاه، ثمّ نظّف المكان في هدوءٍ حتّى لا يزعج من معه، ورجع إلى مكانه بعد أن وضع شيئًا من العطر على أنفه ليمحو بها تلك الرّائحة الّتي كاد يُغشى عليه من شدّتها، بعد إفراغ ما في بطنه واستراحته في سريره زالت الغمّة عن صاحبنا وبدأ يستعيد ما جرى معه...و هنا انتابه شعورٌ وإحساس نادر لم يحس به من قبل...بدأ الرّجل يبكي بحرقة عجيبة فكأنمّا رزئ في عزيزٍ أو فقد أعزّ ما يملك محدثًا ضجّة جعلت زميله ينهض من نومه منفطر القلب...لم يفهم ما هنالك...و بدأ ينادي على صاحبه الّذي يبدو أنه صحى وعاد إليه وعيــــــــــه فوجده جالسا و رأسه بين يديه...قال له زميله: (ما بك أخي هل أصابك مكروه؟...هل أصبت بألم؟...هل أخذك للطبيب..ما بك؟؟؟)...عند ذلك رفع صاحبه رأسه و كأنّه يراه لأوّل مرة قال له: (هل تعلم يا صاحبي أنّك فعلت معي شيئًا حتّى والدتي لم تفعله معي...عندما أرجع للبيت في الحالة الّتي دخلت بها عليك لا أسمع إلاّ التّقريع والمعايرة من أهلي ووالدتي...أمّا أن تمسك برأسي كما فعلت أنت فهذا ما لم أره حتّى في أعز أحلامي...إنّك إنسان ليس ككل النّاس يا صديقي...والآن رأيت منك ما جعل نفسي تتوقف عند هذا الحدّ...سئمت، فما كنت فيه يكفي والحمد لله الذي قدّر لي ملازمتك في المكان نفسه حتى أرى منك هذا المسلك وأشمّ من عبق أخلاقك ما بعث في نفسي طاقة على الأوبة والرّجوع إلى الحق)، وبات ليلتها وقد أفرغ كلّ ما في قلبه تارة بالبكاء وتارة بالسّؤال لصاحبه أن يظلّ إلى جانبه حتّى يترافقا على منهج الحق و الصّدق..
و من يومها بدأت حياة جديدة لذاك الوافد الّذي لم يبق جديدًا...استقامة واجتهاد وانكبابًا على معرفة الخير وأهله، ومرّت السّنوات عليه في الجامعة لا تفوته الصّلاة في الصّف الأوّل مع صاحبه في الغرفة الّذي تخرّج قبله بعام، فكان كلّما التقاه بعد ذلك يقول له: (أهلاً بصاحب القلب الكبير...).

صفحة الفايسبوك

التسجيل في الموقع

  • صلاح
  • kadchahed

فيــــــــــــديو : تحية لقراء مجلة حنين