الجيب العجيب : جيبي و بلال العصر
وأنا منهمك في قراءة مجلة الحياة، شعرت بوخز خفيف من جيبي قطع عليّ حبل الفكرة التي كنت بصدد فهمها، سمعته يقول: يا أستاذ! يا أستاذ، أنسيت ضيفك الذي سيتعشى معك الليلة؟
عندها أخذت القفة، وتوجهت إلى سوق الخضر والفواكه، وانتهى بي السّير عند الصادق الخضّار. وبعد أن وزن كلَّ ما طلبت، أدخلت يدي في جيبي لأدفع المستحقات وإذا بي أسمع نداء الحق يقول: الله أكبر،الله أكبر، فاعتذرت للخضّار إلى ما بعد العصر، وقلت في نفسي لا بارك الله فيها صفقة بعد أن سمعت نداء الله ولم أستجب.
وتوجهتُ نحو الصوت قاصدا المسجد وقد شدني حُسنُ أداء هذا المؤذن، ونَدَى صوته، فسرحتُ بفكري نحو الماضي البعيد يوم وقف بلال يؤذن فوق الكعبة المشرّفة غداة فتح أم القرى أعزها الله. وإذا بي أحس بوخز ثان: يا أستاذ، إنك لم تؤد ثمن الخضر والفواكه.
قلت: إني أعلم ذلك وسنعود بعد صلاة العصر إن شاء الله .
قال: اسمح لي إن قطعت عليك حنينك إلى الماضي، بعد أن سمعت الآذان، لكن لي سؤال، لماذا ربطت صوت هذا المؤذن بمؤذن الرسول – صلى الله عليه وسلم –
قلت: لبلال –رضي الله عنه- أكثر من معنى وأكثر من صفة وأكثر من قصة.
قال: أفصح يا أستاذ لم أفهم شيئا!
قلت : كان بلال عبدا حقيرا لا يساوي نَعلَ أُمَيَّةَ بن خلف في الجاهلية فأصبح بالإسلام يمثل وزارة الإعلام وأمانة التبليغ .وكان لا يعرفه إلاّ أقرب الناس إليه من العبيد الأحباش الذين كان يطربهم بغنائه، وعندما فتح الله عليه بدخوله في الإسلام، وأكرمه بنور الإيمان الذي حرّره من رق العبودية، وعرف معنى الحرية، ومعنى الحق، فصمد في وجه الباطل بكلمة واحدة "أحد، أحد" وهو يُعَذَّبُ في الرَّمضَاء ، فخلدته عبر القرون والى أن تقوم الساعة وإن شئت فاسأل عنه اليوم في أنحاء العالم مسلمه وكافره، صغيره وكبيره، عالمه وجاهله، من هو بلال؟ يجيبك الجميع وبدون تردد أو تفكير،انه مؤذن الرسول الأكرم، مع أنهم لم ينصبوا له تمثالا في ساحات النصر، ولا شهَّرت به وسائل الإعلام على اختلافها، بل نصب له محبّوه ومبغضوه تمثالا في سويداء القلوب، وداخل ذاكرة التاريخ مع أنه رجل بسيط للغاية.
قال: لقد شوقتني يا أستاذ للمزيد من معرفة الرجل.
قلت: لسنا الآن بصدد دراسة سيرة الرجل العظيم.
قال: وما الغرض من ذكر هذه الصفات الحميدة من إيمان وأمانة وشجاعة وصدق.
قلت: لي فكرة باتت تراودني منذ أمد بعيد وهي:إذا كان بلال –رضي الله عنه- أذّن في مكة وهي سُرَّةُ العالم، فهل لنا من بلال العصر؟ وهل نجد من يتمتع بشجاعة بلال الذي تحدى رؤوس الشرك بكلمة التوحيد " أحد، أحد"؟ فيتحدى اليوم رؤوس الإلحاد وأعداء الإسلام في ربوع المعمورة.
قال: زدتني حيرة يا أستاذ! ما معنى بلال العصر؟
قلت: لا تتعجل فستفهم كل شيء في وقته إنه سؤال سهل وصعب.
قال: لم أفهم بعد، صعب كيف؟ وسهل كيف!؟
قلت لك: لا تتعجل، كان من اللازم أن تسأل عن معنى الآذان الذي رفع بلالا ورفع كل ضعيف.
قال: عفوا يا أستاذ، أنت تعرف غريزة حب الاستطلاع، وأنت أعرف الناس بعالمنا المادي الذي يسعى إلى شهرة بلال من أقصر الطرق. و الآن ما معنى الآذان؟
قلت : الآذان هو الإعلام بدخول وقت الصلاة بألفاظ مخصوصة، وهو في أيامنا هذه ينبغي أن يكون الإعلام بدخول عالم الإنترنت، وإيصال صوت الحق إلى أنحاء المعمورة لقوله تعالى:"و أذن في الناس" وأنت تعلم أيها الجيب العجيب إن العالم أصبح شبه قرية، ولا أقول قرية، وذلك لاختلاف عقائد الناس، وهويّتهم. والمهم، سواء كان العالم قرية أو شبه قرية أو عمارة ذات الطوابق الكثيرة فهو يحتاج إلى بلال العصر الذي ينبغي أن يدخل كل بيت في أنحاء العالم.
قال:ومَن يكون بلال العصر هذا يا أستاذ؟
قلت : هذا بيت القصيد، كما يقول الأدباء وسأوضح لك مَن بلال العصر بعد قليل.
إن بلال العصر يحتاج إلى العقول المفكّرة، والجيوب العامرة وإلى تقنية الشباب وعقول الشيوخ وتجاربهم.
قال: إذن جعلتني بلال العصر أنا الآخر! ومتى كانت الجيوب تؤذن يا أستاذ؟
قلت: ولما لا، إني سائلك هذا السؤال، بماذا امتلك الصهاينة الإعلام وسيطروا على العالم؟
قال: بالعقل المفكر، والدولار المعمر أو المدمر،الذي ساعد على تنشيط الإعلام من بداية المسرح إلى السينما إلى التلفاز إلى الإنترنت.
قلت: وهل نحن نفتقر إلى العقول المفكرة والجيوب العامرة ؟
قال: طبعا لا، وأعدك يا أستاذ نحن لها معاشر الجيوب.
قلت: فأنت تُجنِّد جيوب أهل الخليج، وجيوب رجال الأعمال في أوربا وأمريكا، وأنا أعلنها صيحة في رجال الفكر والثقافة، والعلم والصحافة لنكون من جملة المؤذنين في الناس أو ننال شرف بلال العصر.
فبلال العصر كل من يتعامل مع شبكة الإعلام العالمية أي الإنترنت فيؤذن في الناس بما عنده من علم وما عنده من خبرة ينفع بها هذه البشرية الضّالة ونحمد الله الذي وفق بعض الأساتذة والشيوخ وبعض الجمعيات التي فتحت لنا هذا الباب على مصراعيه ودعت إليه بفعلها قبل قولها تذكر على سبيل المثال من خصص لنا موقعا على شبكة الإنترنت؟
www.islam –online.net
فعرف حفظه الله كيف يفتح لا القسطنطينية وروما التي بشّر بهما نبي الرحمة فحسب بل فتح العالم كله بهذا الموقع.
قال: لكن هذا لا يكفي يا أستاذ انهم قلة.
قلت: لا تعجل إن القليل سيكون الخير كله.
قال: إنها غريزة حب الاستطلاع يا أستاذ.
- وبلال العصر كل قناة فضائية تقدم الإسلام الصحيح المعتدل بأسلوب مشوّق يناسب الأذواق الرفيعة، وتقدم المادة الإعلامية الممتعة والمفيدة والهادفة.
وبلال العصر كل رجل أعمال ساهم في فتح شبكة الإنترنت لشباب له قدرة على توصيل الحق إلى من هم في حاجة إليه.
وبلال العصر كل امرأة تُعلّم أبناءها كيف يتعاملون مع الحاسوب، فتحصّنهم وتعلّمهم كيف يطلّون على العالم الخارجي، فيكتسبون مهارات متنوعة، وأنشطة نافعة.
وبلال العصر كل جمعية ثقافية ثقافة صحيحة تبلّغ ما عندها من خير عبر قناة فضائية أو عبر الإنترنت التي كسّرت الحدود الجغرافية فهجمت على أبنائنا فأخذت بعضهم وهم معنا.
وبلال العصر كل رجل اقتصاد مخلص وجد لأمته مخرجا، وكل رجل سياسة عرف كيف يحلّ مشاكل أمته الداخلية منها والخارجية.
وبلال العصر كل مسؤول إداري يساعد على نشر الخير، وخدمة الصالح العام، وينشر الصلاح بين أفراد الأمة.
وبلال العصر كل حاكم تكون بينه وبين رعيته شعرة معاوية، فيحارب العقائد الفاسدة، والدجل، والأخلاق الفاسدة ويدخل بهم العولمة دون أن يذوب فيها أو يذيب فيها أمته يأخذ منها كل نافع ويتجنب بها كل ضار.
وبلال العصر هو كل رجل إعلام يغامر بنفسه من أجل نشر الحق والكلمة الطيبة التي تعطي الأمة الأمل في الوصول الى ما تنشده.
وبلال العصر هو رجل الإعلام الذي يعيش لفكرة شريفة ويدافع عنها إلى آخر رمق من حياته.
وبلال العصر هم الدعاة إلى الله بجميع اللغات عبر القنوات الفضائية أو شبكة الإنترنت أو غيرها من وسائل الاتصال التي تتاح لهم.
وبلال العصر كل مخلص مرتبط بماضيه التليد ويعيش واقعه الأليم، ويفكّر في مستقبله المأمول.
وبلال العصر كل من يخدم لغة القرآن الكريم.
وبلال العصر كل من يخدم الإسلام من مكانه واختصاصه فكل ينفق مما عنده و.. و.. و..
قال:يا أستاذ، يا أستاذ وصلنا إلى المسجد وإني أسمع الإقامة.
قلت : وهذا الذي نريد أن نصل إليه إقامة الحق ودولة الحق . انه المكان الذي انطلقت منه الحضارة والذي سيبقى المعين[1] الصافي لنا وللأجيال من بعدنا.
إن المسجد هو الذي خرّج لنا بلالا الذي رفع صوت الحق مدويا، وخرّج لنا أبا بكر الذي أجاد بماله كله، وخرّج لنا الفاروق العادل، والذي نأمله أن نقتدي بهؤلاء في نشر الإسلام عن طريق الإنترنت ونبقى على الحق إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
قال: ذلك ما نأمله يا أستاذ
2000.01.25







