الجيب العجيب : جيبي والسراق

ما إن نزلت من الحافلة فخطوت خطوتين أو ثلاث حتى شعرت بوخز شديد في فخذي وكأنه إبر النحل، وإذا بي ألتفت إليه منحنيا رأسي فرأيت شفتي جيبي الرقيقتين مُدلاة على غير عادتها معي، فسمعته يستغيث يا أستاذ، يا أستاذ، النجدة،النجدة! ألم تحس بوخزي داخل الحافلة؟ ألم تسمع صياحي أثناء هجوم زوار الليل الملاعِنة عليّ في وسط الزحام وقد دققت أجراس الخطر، وأعلنت حالة الطوارئ وأنت بين مد وجزر،عجبت كيف لم تحس ولم تشعر‍‍‍‍‍!
قلت وأنا مشدوه: هل حدث مكروه لا سمح الله.
قال: اجمعها على مكاره أو كرائه أو مكروهات ولا تخف. أدخل يدك في جوفي وستسمع الجواب الكافي.
وفعلا أدخلت يدي في جيبي مستطلعا، وإذا بأصابعي تطل من أسفله متفرقة كأنها تعد مع الأطفال واحد،اثنان، ثلاثة، وتضاعف خفقان قلبي، وأخذتني رعدة ودوران كدت أن أسقط على إثرهما، وإذا به أسمعه يقول: ليت الأمر توقف عند هذا الحد، أدخل يدك في الجيب الخلفي.
فعلمت أن شفرة "الجيلات" الملعونة قد فعلت فعلتها، وأن المحفظة بأوراقها قد اختفت مع السراق، وهنا توقفت قائلا: حسبي الله ونعم الوكيل،حسبي الله ونعم الوكيل، ليتهم يأخذون ما في المحفظة من بقية راتبي الشهري ويردون عليّ شهادة السياقة، وبطاقة العمل، وهويتي الوطنية، وأوراق الضمان الاجتماعي.
قال جيبي: القصة لم تنته بعد يا أستاذ،أدخل يدك في جيبك الأعلى الملتصق بصدرك ان الأمانة التي كانت بحوزتك هي الأخرى قد اختفت باختفاء هؤلاء الحذاق من السراق.
قلت: وتقول الحذاق ! !
قال: نعم وان كانوا كذلك فسوف يردون إليك جميع الوثائق. وعندها توقفت طويلا أفكر في هدية ابني الصغير الذي وعدته بها، فماذا أقول له، فهو لا يعرف ويلات هذا المجتمع الذي لا يرحم، وهو لا يعرف معنى السراق بل هو ينتظر الهدية فقط، وإلا كنت في نظره كذابا، وبالتالي تزول ثقته بي وخطر ببالي أن أتوجه لمحافظة الأمن علهم يشاركونني في الهم أو أجد عندهم مخرجا.
قال جيبي:أرجوك،لا تفعل يا أستاذ.
قلت: خيرا.
قال: ألا تذكر يوم سرقت منك آلة التسجيل وكتب الدراسة وكراسات الدروس وامتحان الجامعة على الأبواب؟
قلت: أجل.
قال : فماذا قال لك الشرطي يومها إذ ظننت أنه سيقاسمك الهم والغم.
قلت: نسيت لكثرة ما تعرضت إليه من السرقات.
قال: أما أنا فلم أنس حرج كلماته الجارحة،أين كان عقلك؟ لماذا لم تضع السيارة أمام عينيك؟ لقد غُلبنا على أمرنا منكم ومن قضاياكم.
قلت: يرحمك الله من جيب عجيب ذَكور، فهيا بنا نشكو لمن بيده الأمر كله، ونقول ما قاله يعقوب عليه السلام:"انما أشكو بثي وحزني إلى الله " ورفعت رأسي إلى السماء داعيا اللهم اهديهم كما هديتنا ورُدّهم إلى الصواب وأغنِهم بحلالك عن حرامك واجعل هذه آخر سرقتهم.
قال: عجبا، أخذوا منك كل ما تملك وجرّدوك من جميع أموالك وتدعو لهم بالهداية؟!
قلت: إن لم أفعل فسوف يكرّرون الاعتداء على أناس آخرين فيؤذونهم كما آذوني وأكره أن يؤذى غيري.
قال: ولما لا تقول لو طبّقنا آية من القرآن على هؤلاء وأمثالهم لاستراح المجتمع كلّه من شرّهم.
قلت: أتقصد قوله تعالى:" والسارق والسارقة فاقطعوا أ يديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله، والله عزيز حكيم"
قال: أجل.
قلت: أسكت، أسكت لا تقل هذا . أتريد أن يصفنا الناس بالرجعية، وقسوة القلب بقولهم: وكيف تقطع يد السارق في القرن الواحد والعشرين، فأين هي الرحمة؟
قال: يا أستاذ ! هم يخافون على أيديهم، وهل نحن أرحم من الله عليهم وهو من خلقهم برحمته ووصف نفسه بالرحمن الرحيم، ثم هيا بنا نستعمل المنطق، اذا أصيب مريض بسرطان في يده أو قدمه وخيّره الطبيب بين الموت العاجل أو البتر لهذا العضو حتى يعيش بعدها ما شاء الله له، أيهما يفضل؟ ثم أيهما أفضل عند أصحاب المصالح، هل نقدِّم المصلحة الخاصة على المصلحة العامة؟ وكم لاحظنا من انتشار الرعب في حي بأكمله إذا ما سُرق فيه بيت واحد، هل يُرَعَّبُ واحد بقطع يده ويرتاح الحي بأكمله، أم يعمّ الفزع والهول جميع السكان. ثم ألم تقل الحكمة "علق عصاك يخاف ولدك"، لماذا يشفق الناس على السارق و لا يشفقون من حال المسروق الذي تعب في جمع هذا المال من سنوات و سنوات.
قلت: صرت فيلسوفا.
قال: ليست هذه بفلسفة يا أستاذ، وخاصة أن الدول المتقدمة قد جرّبت جميع العقوبات، ولازالت السرقة منتشرة أكثر فأكثر، وأنا عندما أقول بقطع اليد لعلاج وباء السرقة ليس معناه أننا نأخذ من القرآن هذه الآية لوحدها بل نأخذ الايات التي تنهى عن الوقوع في الخطأ. وأقول لك أن البشرية ستعود من مصلحتها لهذا الحكم الرباني لتحقيق مصلحتها و ان كانت غير مسلمة.
قلت: هذا كلام في غاية الصحة، والآن ماذا نفعل؟
قال: تفعل ما فعله الأقوياء أن تصبر وتحتسب وأن تفوض أمرك الى الله كما قلت.
وما كدت أن أصل الى البيت حتى سمعت صوتا من البعيد ينادي: يا عم يا عم، فالتفت واذا به شاب في يده محفظة الجيب فلم أكد أن أتفوه بكلمة حتى بادرني بقوله: لقد فعلها أبناء الحرام أولئك الذين كانوا يسمعون الناس كلاما فاحشا، ولقد كنت أراقبك لما نزلت من المحطة، ونزلوا بعدك فأشفقت من حالك وسمعت بعض دعائك، فتبعتهم من بعيد إلى أن رأيتهم ألقوا بشيء داخل قمامة فأعقبتهم وأخرجت هذه المحفظة وتبعتُ طريقك مسرعا إلى أن حصلت عليك، فخذها فإنها حلال عليك حرام عليهم، وما نبس بعدها بكلمة، فوخزني جيبي عندها قائلا: أتدري من هذا الذي سلمك المحفظة ؟.
قلت: سواء أدري أو لا أدر، فالمحفظة قد عادت وهي في يدي.
قال: انه واحد من العصابة ، تقمص شخصية فاعل الخير، ألم أقل لك إنهم من السراق الحذاق.
ثم قال: وبالمناسبة، لست وحدك من سرقت في تلك الحافلة المشؤومة، إني رأيتهم قد قطعوا سلسلة ذهب من عٌنق فتاة وهي منهمكة في الحديث مع صديقتها، وصنعوا بجيبين آخرين ما صنعوا بك.
قلت : إذن المصيبة عامة. وقديما قالوا إن المصيبة إذا عمت هانت.
قال: هذا كلام تُخفف به عن نفسك، وإنما الحقيقة ينبغي أن يشارك في حلّها الجميع: الأسرة والمدرسة والبيئة .وبالمناسبة، ماذا تفعل مع ابنك الذي ينتظر هديته؟
قلت: ذكرتني سأعود إلى صديقي حمزة وعنده يكون الحل إن شاء الله .
قال: اتقصد أن يفتح الدّكان من أجلك؟
قلت: هو كذلك و إلا زالت ثقة ابني بي.

صفحة الفايسبوك

التسجيل في الموقع

  • صلاح
  • kadchahed

فيــــــــــــديو : تحية لقراء مجلة حنين