ضحايا المجتمع
لاشك أن الطفل هو رجل المستقبل الزاهر، ورمز الأمل والطموح لغد وضــّاء، ومستقبل جميل، فكيف يمكن أن نعدّ شخصيته، ونفتـّح مواهبه وأن نعده ليكون الرجل الصالح وأمل المستقبل؟
إنّ مما يسهــّل علاج المريض معرفة أسباب وأعراض مرضه، ولا يمكن أن نصلح نفوس الشباب إلاّ إذا عرفنا أسباب أمراضهم النفسية التي تدفع بهم إلى الانحراف والإجرام.
إنّ النظرة الشمولية توحي أن المسؤولية مسؤولية المجتمع بأسره لأن الشباب عادة يكتسب قيمة الدينية والاجتماعية والخلقية الموجهة لسلوكه بدءا من الأسرة ثم المدرسة فالمحيط ، وإلاّ كيف يفهم حديث الرسول صلى الله عليه وسلم :" كلّ مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه" متفق عليه.
لو تعود الطفل مشاهدة أبويه وهما يؤديان الصلاة التي هي من أهم عوامل التربية الإسلامية التي تكفل للنفس الصفاء والنقاء وتدربه تدريبا متواصلا على حسن استثمار الوقت والمحافظة عليه والجدّ في العمل والمثابرة فيه.
هذه الانطباعات ترسخ في ذهنه ويشبّ على حبّ الصلاة وحب العمل المتقن وحب العمل الجماعي والتعاون مع الغير، الأمر الذي يقوى الروابط الأسرية ويحميها ، بل ويحمي الطفل من الداخل أوّلا ويساعده على تحدّي الصّعاب عندما يخرج إلى المجتمع الصغير وأقصد المدرسة وغيرها.
وقد حمّل الله الأسرة المؤمنة مسؤولية التحصين الذي يبدأ من داخل النفس ثمّ من داخل الأسرة بقوله تعالى:" يا أيــّها الذين آمنوا قو أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون " سورة التحريم
فالأسرة المؤمنة تلك التي تؤدي واجبها التربوي عن طريق الملازمة والمتابعة شاعرة أن الله محاسبها عن رعايتها لأولئك الذين يرتجى منهم تعمير هذه الأرض بالخير.
ولنأت إلى المدرسة التي يكتسب منها الطفل مهارته العلمية والتربوية وقيمه الخلقية بعد أن هيـّأته الأسرة
كم درس يعطى في التربية الروحية؟ وكم درس يعطى في المهارات العلمية البحتة؟
ومن الذي يدرس التربية الإسلامية والخلقية؟ وما هي القدرات الفنية له؟ فالواقع يجيب:
أبناءنا الضحايا، إن عدد الحصص أقل من القليل وإن الذي يدرّس التربية الدينية لا يصلي – حاش البعض- وإن التي تعطي القدوة متبرجة متهتكة ولا تفقه المادة المكلفة بتدريسها فكيف يستقيم الطفل والظـّل والعود أعوج؟ وكثيرا ما سمعنا أن التلميذ يصحح أغلاطا يرتكبها الأستاذ أثناء قراءته للقرآن أو الحديث أو شرحه لآية أو تاريخ إسلامي.
ولنتقل إلى الوسط الذي يلعب فيه الطفل ، فإنه كثير ما يصادف رفاق السوء والخلطة الفاسدة، فسرعان ما يتأثر بمصاحبة الأشرار فيكتسب منهم أقبح العادات وشرّ الصفات فيشبّ على صحبة العنف والميل إلى الانحراف فتصير فيه عادة متأصلة يصعب بعد ذلك رده إلى الجادة والصواب.
ومما يزيد تعميق هذا الشرّ برامج التلفزيون والإذاعة فمعظم البرامج تنحصر في الأفلام الغرامية بين رجل وامرأة وفي الرسوم المتحركة بين بطل القصة وطفلة في سنـّه، فإذا تجاوزتها دارت حول الجريمة والعنف أو الأفلام الخالية أو الثأر والمشاحنة، والأعجب من ذلك الرسوم المتحركة التي لا يستغني عنها الصغار وحتى بعض الكبار هي الأخرى تركز على الجانب الغرامي حتى تهتك برقع الحياء، وتنزيل الحشمة والوقار بين أفراد الأسرة. وقد ذكر الاختصاصي في علم النفس الأمريكي الدكتور توم رادكي بعد أن قاد فريقا من الاختصاصيين رصدوا برامج التلفزيون البريطاني :" إن العلاقة قوية بينما يشاهده طفل من مشاهد العنف وما يُقدمُ على ارتكابه من جرائم، وإن هناك تناسبا طرديا بين معدل مشاهدة برامج العنف ومعدل الانحراف عند الصغار" . وخلـّص الدكتور توم إلى أن مشاهدة العنف تقلل حساسية الناس إزاءه فلا يعد ارتكاب الجرائم أمرا مخيفا وغير اعتيادي ... وإنّ 50 % من مشاهدي الأحداث العنيفة يكونون أكثر ميلا لأن يفقدوا السيطرة على أعصابهم ويتورطوا في أعمال عنيفة.
يضاف إلى ذلك ما يسمعه الطفل من الأغاني الرخيصة المبتذلة ومن الكلمات الساقطة، والتلحين الذي يقتل الذوق الرفيع عند عامة الناس فبالأحرى الطفل البريء الذي يتمتع بحاسة قوية وبمخيلة واسعة ويتأثّر بكل ما يسمعه أو يشاهده أو يقرأه فكيف يمكن علاج هؤلاء الضحايا الأبرياء الذي ننتظر منهم الخير الكثير لهذه الأمة هذا في المقال القادم إن شاء الله.
ما العلاج؟
الإسلام بتعاليمه السمحة ومنهجه التربوي الصالح لكل زمان ومكان وجه الآباء والمربين إلى كيفية متابعة أولادهم ومراقبتهم المراقبة التامة في جميع مراحل حياتهم إلى أن يشبوا عن الطوق، فكلف الأب بأن يقول لابنه منأين لك هذا؟ ويحدد له من يخالط.
قال تعالى :"كلــّما دخل عليها زكرياء المحراب قال يا مريم أنى لك هذا؟ قالت هو من عند الله" آل عمران
وقال عليه الصلاة والسلام :"إياك و رفيق السوء فإنك به تعرف" رواه ابن عساكر







