الجيب العجيب : جيبي و المقهى

قلت في نفسي: أف، الحمد لله، وأخيرا قد تسلمت راتبي الشهري وتخلصت من عالم الطوابير الذي ابتلينا به أيامنا هذه.

قال جيبي: يا أستاذ أقترح عليك إن شئت هذا الاقتراح.

قلت: ما هو أيها العامر المنتفخ؟

قال: لم لا نذهب بعد هذا التعب المضني إلى إحدى المقاهي الراقية لنجلس ونتسلى وربما نستفيد من مخالطة الناس، وخاصة قد أشبعتني بأوراق المئتي دينار الجديدة؟  يضاف إلى أني أرى على وجهك أثر الإزعاج بما رأيت وسمعت وشممت وإني أحس بضيق صدرك.

قلت: وكيف لا يضيق الصدر وينطلق اللسان وأنا أرى التناقض الصارخ بين ما كان مكتوبا بخط عريض "ممنوع التدخين" وما شممناه من روائح كريهة مختلفة، والصادرة من موظفي البريد الخارقين للقانون، ثم من الزبائن الذين يعشقون الفوضى ويتنافسون على التدخين.

قال: يا أستاذ، أريد اليوم أن أبتسم وأريدك أن تستريح وتنسى كل ما فات، وتخفّف عنك أعباء وأتعاب الأسبوع وشرّ الانتظار الطويل.

قلت: هذا رأي صائب، هيّا بنا إلى مقهى السعادة، إنه مجلس المحترمين على ما يبدو.

قال- بعد أن أخذنا مجلسنا في مكان نرى منه المارة، ونسمع منه لغط الجالسين-: أسمعت هذا الناقد البارع الذي يسبّ نفسه ووطنه ولغته والدّهر معا.

قلت: ليس هو الوحيد الذي يسب نفسه، ويصفها بأقبح الأوصاف، بل هناك العشرات من الشباب الذين يجهلون أنفسهم، ويذمّون قومهم، ويستهينون بلغتهم، ويسبّون الدّهر مع أن الدّهر هو الله.

قال: سبحان الله! الدّهر هو الله؟

أجل، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

قال: وكيف تُفسّر ظاهرة السِّباب  والذّم وجَلدِ الذّات هذه؟

قلت: إني أشفق من حال هؤلاء المساكين لأنهم لا يدرون أنهم ينسلخون انسلاخا كليا من عقيدتهم ومن تراثهم المجيد دون أن يشعروا.

قال: أتقصد قولهم"هدي خدمة لْعرب وهدي بلادْ هدي، الله ينعلها  بلاد[1]  ".

قلت: هذا ما أريد توضيحه لك. لو كان هؤلاء يفقهون ما يقولون لما قالوا ما قالوا، فهم في الحقيقة يشتمون أنفسهم أولا  و أمهاتهم وآباءهم وإخوانهم وجيرانهم وكل من له صلة بهم. لكن نحمد الله الذي جعلهم يقولون بألسنتهم " ينعل" بدل يلعن وهو من دعاء اللغو.

قال: يا أستاذ بتجربتك الطويلة واختلاطك مع الناس خارج الوطن وداخله، هل سمعت نصرانيا أو يهوديا أو مجوسيا يشتم لغته ويذمّ قومه ويلعن وطنه؟ مع أن لغتنا لغة القرآن ولغة الجنة ولغة النبي العربي صلى الله عليه وسلم !

قلت: طبعا لا، هؤلاء المساكين كما قلت لك يجهلون المعاني التي يتحدثون بها ولو سألتهم أين يعيشون ؟ ومع من يعيشون ؟ وبما يتكلمون؟  فالواحد منهم لا يدري أن الوطن الذي يسبّه هو المكان الذي يعيش فوقه، وهو الهواء الذي يستنشقه، وهو الماء الذي يشربه، وهو التربة التي يتغذى منها وهو اللغة التي يتحدث بها.

قال: اسمح لي يا أستاذ أن أقاطعك. إن أكثر هؤلاء يخلطون بين الوطن والنظام، وبين الدولة وبين السلطة، ولهذا نجدهم يجمعون الكّل، ويلعنون الكّل،  ولا يفرّقون بين هذه الأسماء وإني أحمد الله على أن جعلني ملازما لك، كاتما لِسِرّك طيلة حياتي، وقد تعلّمت منك الاعتزاز بالوطن، والسيادة والفخر بلغة الضاد، والدّفاع عنها كما قال حافظ إبراهيم :

أنا البحر في أحشائه الدر كامن
                   فهل سألوا الغوّاص عن صدفاتي
 
قلت: انك جيب عجيب حقا ! أما زلت تحفظ هذه القصيدة؟

قال: أجل ولولا الخوف من الإطالة لأسمعتك إياها.

قلت: ثم قل لي هل جئنا إلى مقهى السعادة لنسعد ونستمتع أم لنشقى ونزداد همّا وغمّا.

قال: يا أستاذ ! ومتى رأيتك جالسا فارغ البال؟ منذ لازمتك وإني لا أبالغ إذا قلت ما سكت يوما وما أرحتني يوما.  فأنا أراك إما متكلما أو محاضرا أو مدرّسا أو متعلّما أو كاتبا أو ناصحا حيثما حللت وارتحلت.

قلت: كفى إطراء وإلا  ملأت جوفك بالتراب.

قال: عفوا يا أستاذ ، وأنت الذي علمتني قول أبي الطيّب المتنبّي:

وذو العقل يشقى في النعيم بعقله       وأخ الجهالة في الشقاوة ينعم

وما كاد أن ينتهي  من البيت حتى وخزني وخزة كإبرة النحل قائلا: يا أستاذ قم بنا من هذا المقهى فاني أرى ما لا ترى فالحالة لا تعجب فان دخان أهل البريد على قبحه خير من هذا الدخان الغير الطبيعي.

قلت: لعنة الله عليهما أجمعين وهل رأيت أو سمعت شيئا.

قال : ليس الوقت وقت الشرح ان هناك مؤامرة بين الجيوب على هذا المكان فهناك حاجات تُخرج لتحول مقهى السعادة الى تعاسة واخبر من استطعت ونتوكل على الله، انهض.

وما ان فارقنا المقهى ببعض الدقائق حتى سمعنا انفجارا قويا هزّ ساحة السعادة المنبعث من مقهى السعادة فحولها الى تعاسة ما بعدها تعاسة أشلاء مترامية وسواقي من الدماء ولا حول ولا قوة الا بالله .

فقلت: الحمد لله الذي نجانا مما ابتلى به كثيرا من الناس.

قال: يرحم الله صاحب المقهى وبقية الجالسين به،إلا انك لم تدفع ثمن القهوة يا أستاذ.

قلت : سأتصدق به على روح صاحب المقهى.

قال: لدي بعض الأسئلة أجبني عنها باختصار شديد:

ـ كيف نحل مشكل الطوابير، والفوضى التي عشناها في مركز البريد والمؤسسات الرسمية وغيرها؟

ـ كيف نعلم الشباب حب الوطن؟

ـ وما المخرج من هذه الأزمة الخانقة؟

ـ وكيف السبيل الى تحقيق الأمن لكل الناس؟

 

قلت: الاجابة عند القارئ الكريم.

 



[1] ينعل: بمعنى يلبس النعل 

صفحة الفايسبوك

التسجيل في الموقع

  • صلاح
  • kadchahed

فيــــــــــــديو : تحية لقراء مجلة حنين