مدخل إلى علم أصول الفقه
الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى , أما بعد :
فإن علم أصول الفقه , علم عظيم الشأن , جليل القدر , لا يستغني عنه طالب العلم , مبتدئا كان أم متقدما , ولا العالم مجتهدا كان أم مقيدا , فإنه يحرم الوصول من يجهل الأصول , وأصول الفقه هو ذاك العلم الذي ينمي في نفسية متعلمه ملكة تحليل كلام الغير , واستنباط ما يريده المتكلم ومعرفة ما لا يريده فهو الميزان الذي يوزن به الكلام , فيفرق بين غثه وسمينه , وصحيحه وسقيمه , فعلم أصول الفقه إضافة إلى علم مصطلح الحديث هما علمي الحياة وذلك :
ـ لأن علم الأصول كما ذكرت .
ـ وعلم المصطلح , يعلمك وينمي فيك ملكة تمييز الأخبار من حيث القبول والرد , والنظر في حال المخبر :"أهل" هو لقبول خبره أم لا؟ وهذا نحتاجه خاصة في تحليل الأخبار التي تصلنا , وتمييز الصحيح منها والشائعات وما أكثرها , والله المستعان .
فهما كما ترى يستفيد منهما طالب العلم أيما فائدة في الدنيا والآخرة , في الدنيا بأن يكون ذا فطنة وعلم وقدرة على الاستنباط وقبول رواية العدل الثقة ورد رواية الفاسق المجروح , وفي الآخرة إذا أخلصت النية لله تعالى وتبارك فإن جزاء العالم المخلص جزاء عظيم , والحمد لله رب العالمين , أسأل الله تعالى أن نكون من أهل العلم المخلِصين المخلَصين .
والآن وباختصار غير مخل إن شاء الله سأتطرق إلى ذكر مبادئ هذا العلم الشريف العظيم فأقول مستعينا بالله تعالى :
قال الناظم وهو الصبان المصري رحمه الله تعالى :
إن مبادئ كل علم عــــــشرة الحـــــــد والموضوع ثم الثمرة
نسبة وفضله و الواضــــــع الاسم الاستمداد حكم الشـــارع
مسائل والبعض بالبعض اكتفى من درى الجميع حاز الشرفا
فذي هي مبادئ العلوم العشرة , ولابد من معرفتها وفهمها , فنقول بإذن الله تعالى :
حد علم الأصول : الحد هو التعريف , واخترت هذا القول للتبسيط أكثر فأكثر , وإلا ففيه أقوال عدة معروفة في كتب الأصول والمنطق , ولابد أن يكون التعريف جامعا مانعا , جامعا لمسائل وحقيقة المحدود , ومانعا من دخول الدخيل عليه , وحد علم أصول الفقه هو :
أصول الفقه يعرف باعتبارين :
الأول : باعتبار الإضافة .
الثاني : باعتبار لقبه أو العلَمية .
فباعتبار الإضافة فإنه مركب من كلمتين , أصول وفقه , ومعرفة المركب متوقفة على معرفة أفراده وأجزائه , فلابد من معرفة كلمة أصول , وكلمة فقه .
أصول : جمع أصل , وهو ما يبني عليه غيره , ومن ذلك أصل الجدار وهو أساسه ,ويطلق ويراد به أيضا ما يستند وجود ذلك الشيء إليه , ومن ذلك أصل الجدول , ويطلق ويراد به منشأ الشيء كالقطن أصل المنسوجات مثلا , والأول هو الأقرب إلى المعنى الاصطلاحي والله أعلم .
وكلمة أصل في الاصطلاح تطلق على :
ـ الدليل : كقولنا الأصل في وجوب الصلاة قوله تعالى :" أقيموا الصلاة " , فالأصل هنا بمعنى الدليل.
ـ الراجح : كقولنا الأصل في الكلام الحقيقة لا المجاز , فالأصل هنا بمعنى الراجح .
ـ الأصل المقيس عليه : وهو في باب القياس , وهو أحد أركانه الأربعة ( الأصل , حكم الأصل , الفرع , العلة)
ـ القاعدة المطردة : كقولنا الأصل تحريم الميتة , أو الأصل في الأمور الوجوب , فالأصل هنا بمعنى القاعدة المستمرة في هذا
فقه : الفقه في المعنى اللغوي مختلف فيه على أقوال , فمنهم من قال هو فهم الأشياء الدقيقة ومنهم من قال هو مطلق الفهم سواء فهم الأشياء الدقيقة أو الواضحة, ومنهم من قال هو فهم غرض المتكلم من كلامه , ورجح الإمام القرافي رحمه الله تعالى أنه فهم الأشياء الدقيقة وقال : " هو الأولى " .
وأما الفقه في الاصطلاح فهو :
العلم بالأحكام الشرعية العملية المستنبطة من أدلتها التفصيلية
شرح التعريف :
العلم : هو جنس في التعريف , وهو أول كلمة في التعريف تسمى و الجنس كما عند المناطقة ,ويشمل كل علم , والعلم هنا يراد به مطلق الإدراك ويشمل الظن واليقين , فكثير من مسائل الفقه هي من قبيل الظن لا اليقين .
الأحكام : وهذا قيد يخرج به ما ليس حكما , كالعلم بالصفات والأفعال .
الشرعية : وهو قيد يخرج به ما ليس شرعيا , كالأحكام العقلية , والأحكام اللغوية والأحكام الحسية وغير ذلك .
والشرعية نسبة إلى الشرع وهو المأخوذة من الشرع سواء الأدلة مباشرة كوجوب الصلاة مثلا , أم عن طريق الاجتهاد .
العملية : قيد يخرج به الأحكام الشرعية العلمية كالاعتقاد .
المستنبطة : أي المأخوذة , وهذا الأخذ كما أسلفنا إما مباشرة وإما عن طريق الاجتهاد .
الأدلة التفصيلية : الأدلة المراد بها هنا المتفق عليها ( الكتاب والسنة والإجماع والقياس ) , والمختلف فيها ( المصالح المرسلة , قول الصحابي , شرع من قبلنا , سد الذرائع , الاستحسان , الاستصحاب ..) .
التفصيلية : قيد يخرج به الإجمالية , والإجمالية التي يُعنى بها علم أصول الفقه .
هذا تعريف أصول الفقه باعتبار الإضافة .
والآن تعريف أصول الفقه باعتباره لقبا , ويسمى التعريف اللقبي , أو باعتباره علَما , وقد اختلف في تعريفه على أقوال , وقد جرت عادة الأصوليين أن يذكروا هذا التعريف وهو الأشهر :
هو العلم بأدلة الفقه الإجمالية وكيفية الاستفادة منها وحال المستفيد .
شرح التعريف :
لقد سبق وأن ألقينا نظرة سريعة على العلم .
أدلة الفقه الإجمالية : فالأدلة هنا المقصود بها الكتاب والسنة والإجماع والقياس وقول الصحابي وسد الذرائع والاستحسان والاستصحاب وغيرها من الأدلة .
الإجمالية قيد يخرج بها التفصيلية التي يعنى بها الفقه , ولقد تقرر أن الأحكام الشرعية تحتاج إلى الأدلة التفصيلية , والأدلة التفصيلية تحتاج إلى الأدلة الإجمالية , والمعنى أن الحكم الشرعي يؤخذ من الأدلة التفصيلية أي من الفقه , والفقه يحتاج إلى الأدلة الإجمالية فالفقيه ما يمكن أن يستنبط الحكم إلا بأصول الفقه , ولذا سميت بأصول الفقه .
كيفية الاستفادة منها :والاستفادة من الأدلة تكون بمعرفة دلالات الألفاظ , وهي لب أصول الفقه , ومنها الأمر فلابد أن تعرف أن الأصل في الأمر الوجوب ما لم يرد ما يفيد الاستحباب , والأمثلة كثيرة جدا على هذه القاعدة , ونمثل لها بقوله صلى الله عليه وسلم :" صلوا قبل المغرب , صلوا قبل المغرب , صلوا قبل المغرب " ثم قال :" لمن شاء ,كراهية أن يتخذها الناس سنة " رواه البخاري , فهنا ورد الأمر بالصلاة قبل المغرب , والأصل أن نحمله على الوجوب , لكن جاء في الحديث قوله :" لمن شاء " فهنا جاء التخيير , والتخيير لا يكون في واجب , فصرفنا الأمر هنا من الوجوب إلى الاستحباب , وهذا باب عظيم وطويل في أصول الفقه , من دلالات الألفاظ معرفة أن الأصل في النواهي التحريم ما لم يرد الصارف إلى الكراهة , ومعرفة المجمل والمبين , والعام والخاص , والمطلق والمقيد وغير ذلك .
وحال المستفيد : المستفيد هو المجتهد , فهو من ينظر في الأدلة , وهو من يستنبط الأحكام الشرعية باستخدام هذه الآلة وهي أصول الفقه .
وهناك تعاريف أخرى , أعرضنا عنها من باب الاختصار , لأن هذا مقامه , والله المستعان , ولعله في قابل إن شاء الله تعالى أن نتفرغ لكتابة كتاب موسع في أصول الفقه بما تيسر لنا إن شاء الله تعالى , والله الموفق لكل خير .
يتبع إن شاء الله تعالى .







