الجيب العجيب : جيبي و الرياء

عزّ عليّ أن أحضر افتتاح مسجد ولم آخذ معي جيبي الرسمي، فارتديت ملابسي ذات الجيوب الكثيرة وأفرحتها ببعض الأوراق المالية، أملي أن أشارك في الأعمال الخيرية وأتصدّق بما جادت به الأريحية [1].

وبعد أن صليتُ تحية المسجد، أخذت مكانا منزويا لأسعد بما أسمعه من قرآن كريم ومن مواعظ، وأنفق ما تيسّر لي من طيب مالي. وما كدت أستند على الجدار حتى شعرت بوخزة في جيبي الأسفل، وإذا به يقول: ألا تنفق في سبيل الله يا أستاذ؟.. هيا أخرِج ما في جوفي حتى أستريحَ وتُريح السائلين. فوافقت ثم ناديت الشاب الذي كان يجمع التبرعات، وهمست في أذنه: أكتب في قائمتك "مُحسن". فعدَّ ما ناولته إيّاه وانصرف قائلا: شَكرَ اللهُ لك يا سيدي، وأخلف لك ما أنفقت قال تعالى:"وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين".

وبعد ما شرع خطيب من الخطباء البارعين - الذين يخاطبون الجيوب طالبين منها الابتسامة الضاحكة -  في الحديث حتى شعرت مرة أخرى بوخزة ثانية وهمس خفيف : " يا أستاذ، يا أستاذ، أرجوك أن تشرح لي هذا الحديث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة:" يا عائشة لو قبل الله من العبد سجدة واحدة لأدخله بها الجنة، قالت أمنا عائشة : فماذا يصنع الله بأفعال العباد، قال: يا عائشة يأكلها الرياء والسمعة كما تأكل النار الحطب ".

قلت: الحديث واضح وضوح  الشمس في ضحاها والقمر إذا تلاها ، إن الله لا يقبل أي عمل إلا إذا كان خالصا لوجهه الكريم.

قال: أحسنت يا أستاذ،  ألا ترى ذاك المنتفخ البطن الواقف أمام المنصة؟

قلت: بلى، إنني أراه وهو يُخرج ما في جيبه من الأوراق المالية ويبدو أنها كثيرة.

قال: إن جيبه يلعنه الآن، وقد قدَّم شكواه إلى جميع الجيوب الطاهرة.

قلت: وهل يزعجكم معاشر الجيوب الإنفاق في سبيل الله؟ ألم تأمرني بالإنفاق منذ قليل؟.

قال: لم أقصد، إنما نكره من يريد الوصول إلى مآربه الدنيوية على ظهورنا،  فهو لا ينفق إلا رياءا وسمعة، ليقول الناس عنه أنه كريم، ولا يُستبعد أنه حجّ ليكتسب لقب الحاج، فيقضي مآربه باسم الحاج مرّة، وباسم الكريم مرّة أخرى. وفي الحقيقة، إن هذا يعدّ تدينا مغشوشا لا يقبلُه الله.

قلت: صدقت، إنني أعرفه ذكّرتني يوم كان يتعامل معه الحاج الصادق، وكان يحتكر السلع ليبيعها في السوق السوداء، فلا يرحم مسكينا ولا ضعيفا، ولا محتاجا،  ثم هاهو اليوم ينفق ليكسب ثقة العامة من الناس. وإني لا أشكّ أنه يحفظ حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: "من احتكر طعاما أربعين يوما فقد بَرِئَ من الله وبرئ الله منه".

قال الجيب: لا شك أن هذا مثله كمثل الحمار يحمل أسفارا.

قلت مبتسما ضاحكا : ذاك الذي أقصد.

قال الجيب: وما تقول  في تُجّار تُجْبَى أرباحهم من قوت الكادحين، وإرهاق المحتاجين؟!!

قلت: إنها أرباح يحرّمها الله ورسوله،  والمال الحرام لا يقبل الله منه صدقة ولو تصدق بكل ماله. بل قد يؤدي بصاحبه إلى الهلاك والدمار، واسمع هذا الحديث الذي كلّما قرأتُه  شعرت بقشعريرة في بدني.

قال: وما هو ؟

قلت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يكسب عبدٌ مالا حراما فيتصدّق به فيُقبل منه، لا يُنفِق منه شيئا فيُبَارك له فيه ولا يتركه خلف ظهره إلا  كان زاده إلى النار، إن الله لا يمحو السيئ  بالسيئ ولكن يمحو السيئ بالحسن، إن الخبيث لا يمحو الخبيث ".

قال: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم. لقد أخَفتني بهذا التهديد والوعيد يا أستاذ، إني أخشى على هؤلاء  نارا وقودها الناس والحجارة.

قلت: قل بالله عليك، كيف يقبل الله منه صدقته وهو يغش في سلعته فيُخفي عيوبها ويُظهر محاسنها، ويزيّنها للمشتري في صور تجذبه وتخدعه كما يفعل الكثير من التجّار في أسواقنا اليوم؟ وعليك أن تطوف بأسواق  الخضر والفواكه لتتحقق من ذلك.

قال جيبي: إنهم يطبّقون القول الشعبي: " يا المزوّقْ مَنْ براَ واشْ حالكْ من داخَلْ".

قلت: أجل، ولو علم هؤلاء التجّار ما عندهم من الأجر والثواب عند الله إنْ أخلصوا في تجارتهم، لكانوا أول من يُخلص في عمله ويصدُق في تجارته.

قال الجيب: أتقصد الحديث : " الجالب إلى سوقنا

كالمجاهد في سبيل الله".

قلت: هذا بعينه. وهناك أحاديث وأحاديث، ومن جملتها: " التاجر الأمين الصّدوق مع النبيّين والصدّقين والشهداء والصالحين".

قال: إذن، هذا هو الفوز بعينه يا أستاذ.

قلت : سامحك الله أيها الجيب العجيب،  لقد شغلتني عن سماع الخطيب الجديد.. ويبدو أنه بارع. أنظر كيف يتشدّق بالكلمة ليُخرجها كالقذيفة.

قال: دعك منه، أنسيتَ أنه ممن يقولون ما لا يفعلون. إنها كلمات لا تتجاوز حلقه،  وقد علّمتني أن الكلمة إذا خرجت من القلب وقعت في القلب، وإذا خرجت من الفم لا تُجاوز الآذان.

قلتُ : صدقتَ وصدق من قال:

يا أيها الرجل المعلم غيره 

                            هلا لنفسك كان ذا التعليم

لا تنهَ عن خلق وتأتي مثله

                            عار عليك إذا فعلتَ عظيمُ.

قال: أنظر إلى هذا الذي لم أره منذ بدأتُ أصحبك إلى المسجد حتى هذا اليوم. فما الذي جاء به إلى بيت الله وخاصة في هذا الجمع الكبير ؟

قلت: أنسيتَ الانتخابات قد اقترب موعدها، وصاحبنا من المرشحين الأحرار، ويريد اكتساب سمعة المسجد، وسمعة المصلين  وهذا أيضا تدََيُن مغشوش ؟

قال جيبي: عجبا، كيف تحوّل من إنسان متعجرف متكبر إلى رجل متواضع  بشوش، مع أنني كلّما رأيته  في الشارع قبل هذا اليوم إلا وكأنه يحمل الطير فوق رأسه وكأنه لا يسير فوق الأرض.

قلت : أنسيتَ الحرباء التي تتغيّر بتغير الألوان؟ إنّ هذا الصنف من الناس يميل أينما كانت المنفعة الخاصة وما أكثر أمثاله في أيامنا.

قال: صدقتَ. لقد أحسنت التشبيه يا أستاذ. ثم إذا كان هذا الرياء داخل بيوت الله، وهذا التحايل على خلق الله، فكيف يكون خارج المساجد؟

قلت: اسمع هذه الآية توضح لك المعنى أكثر، قال تعالى على لسان إبليس :" لأقعدن لهم صراطك المستقيم ". وأين مصدر الصراط المستقيم؟ إنه في بيوت الله وفي أماكن الخير.

قال الجيب: فهناك الفئة الصالحة التي إذا قالت فعلت، وإذا عاهدت وفَّت ولكنها قليلة.

قلت:  وما فائدة الكثرة إن البركة في القليل، وكلّما قلّ الشيء صار عزيزا. ولا بأس أن أعطيك مثالا لتقتنع أكثر. قل لي ما هي أغلى الأشياء وأثمنها؟

قال:  الجواهر الكريمة طبعا.

قلت: هل هي كثيرة؟

قال: طبعا لا، بل هي قليلة وأحيانا نادرة.

قلت:  وما هي الأشياء الكثيرة والمتوفرة؟

قال:  الحجر والتراب والجماد على ما أظن.

قلت:   إذن ذاك هو الفارق بين المسلم الطيّب المخلص الصادق في أقواله،  المستقيم في سلوكه، وبين المُرائي الماكر الذي قال الله فيه: " فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون  الذين هم يُراءون ويمنعون الماعون".

قال: عندي لك طلب واحد، وهو أن تُفرغ ما في جوفي كلّه، وتتصدّق به في سبيل الله دون أن تَعلمَ شمالك ما أنفقت يمينك.

قلت: وقبل أن أتصدق أيها الجيب الحبيب أشكرك على هذه  النصيحة الغالية، وهذا حتى  لا نكون في صفّ المُرائين الثلاثة الذين كلما ذكرتهم خشيت أن أكون منهم.

قال: وما تقصد بالثلاثة ؟

قلت: اسمع إلى هذا الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه: يقول أبو هريرة سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول:"إن أول الناس ُيقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد، فأُتي به، فعرّفه نعمته، فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت. قال: كذبت، ولكنك قاتلت لأن يُقال جريء! فقد قيل، ثم أمر به فسُحِبَ على وجهه حتى أُلقِيَ في النار. ورجل تعلّم العلم وعّلمه، وقرأ القرآن فأُوتِيَ به فعرّفه نِعَمَهُ فعرفها. قال: فما عملت فيها؟ قال تعلّمت  العلم وعلّمته وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت، ولكنك تعلّمت ليقال: عالم! وقرأت القرآن ليٌقال هو قارئ! فقد قيل، ثم أمر به فسُحِبَ على وجهه حتى أُلقِيَ في النار، ورجل وسّع الله عليه وأعطاه من أصناف المال، فأُوتِيَ به فعرَّفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تُحِبُّ أن يُنفَقَ فيها إلا أنفقت فيها لك. قال: كذبت ولكنك فعلت ليُقال: هو جواد! فقد قيل، ثم أمر به فسُحِبَ على وجهه ثم أُلقِيَ في النار"

قال جيبي: مساكين هؤلاء الأصناف الثلاثة: الشجاع والعالم وصاحب المال، كم استغرقوا من الجهد والوقت ولكن بدون جدوى.

قلت: ولهذا ينبغي أن نصحح النيّة وأن نعمل نحن وأنتم معاشر الجيوب بإخلاص لله حتى يقبل الله منا أعمالنا وأقوالنا.

قال: نجانا الله وإياكم معاشر الأحباب من الرياء وطلب الشهرة.



[1] الاريحية : الجود الكثير

صفحة الفايسبوك

التسجيل في الموقع

  • صلاح
  • kadchahed

فيــــــــــــديو : تحية لقراء مجلة حنين