رحلة بين مقولات خطاب التنوير
يُعتبر سؤال التنوير من أهمِّ القضايا التي أخذت نصيبا وافرا في ميدان الدراسات باختلافها، السياسية والاجتماعية الاقتصادية وغيرها، وعموما يمكن ربط كل هذه الحقول باختلافاتها الجزئية بمجال دراسات النقد الثقافي، إذ يشهد التاريخ الفكري منذ بداياته على مدى أهمية مسألة التنوير؛ حيث يمكن ربط خيط التساؤل والأشكلة بالمرحلة السقراطية؛ إذ يرى "سقراط" أنَّ لحظة التفكير الحقَّة تبدأ حين يتعلَّم الإنسان الشكَّ، وخصوصا في تلك المبادئ والمعتقدات التي ننشأ في ظلها، والتي ننظر إليها عادة على أنَّها ذلك "الثابت" الذي لا يقبل التَّغيُّر أو التحوُّل، فضرورة النقد تعتبر من أهم الأسس التي يجب أن يتَّبعها الإنسان في سبيل تحقيق التنوير والخروج من ربقة الوصاية الممارسة عليه من قبل السلطات المختلفة، لكونه الكائن الوحيد الذي وُهِب ملكة التفكير؛ وتَستمرُّ رحلة التنوير الأوروبي مع الفيلسوف الفرنسي "رونييه ديكارت"، الذي أَرسَى دعائِمَ العقلانية الواجب إتِّباعُها في كلِّ المجالات الحياتية، فبوساطة العقل يرى "ديكارت" أنَّ الذات تستطيع التَّعرُّف على ذاتها وتشيِّد سرحًا حضاريا يَليقُ بمكانتها التي وضعها فيها جوهرها العاقل، وكان للآراء الديكارتية أثرها الواضح على التاريخ الأوروبي، باختلاف حقبه ومراحله.
غير أنَّ سؤال التنوير، قد عرف مفهومه الرَّاهني مع الفيلسوف الألماني "إيمانويل كانط"، فالتعريف الذي أعطاه "كانط" للتنوير جعل من فكره وفلسفته خالدين مدى تطور الأمة البشرية، حيث يُعرِّف كانط الأنوار بقوله: "هو خروج الإنسان من حالة القصور التي يبقى هو المسؤول عن وجوده فيها. والقصور هو حالة العجز عن استخدام الفكر(عند الإنسان) خارج قيادة الآخرين. والإنسان(القاصر) مسؤول عن قصوره، لأنَّ العلة في ذلك ليست في غياب الفكر، وإنَّما في انعدام القدرة على اتِّخاذ القرار وفقدان الشجاعة على ممارسته، دون قيادة الآخرين. لتكن تلك الشجاعة على استخدام فكرك بنفسك: ذلك هو شعار التنوير."
هكذا عرف "إيمانويل كانط" التنوير في سنة 1784، تلك المرحلة التي عاش فيها الإنسان الأوروبي جميع مظاهر التخلف والانحطاط في مختلف المستويات، فقد كانت السلطة الكنسية مطلقة، تُكبِّل بمعتقداتها مختلف المشاريع التحديثية الساعية إلى تنوير العقل البشري والخروج به من أوامر السلطة القاهرة إلى الحرية والانعتاق من قيود الجهل والتخلف والتبعية، فقد عملت الكنيسة في العصور الوسطى على زرع الرهبة والذُّعر في نفوس الذوات، فكان اعتمادها الاساس على تجهيل الذات وبثِّ مختلف الخطابات التي تعمد كلها الى نشر الرعب في اوساط النسيج العام للمجتمع، فقد مثَّلت السلطة الكنسية راعيا لمختلف المصالح العامة وحتى الخاصة، إذ مثَّلت على الفرد وصاية خاصة ورقابة ذاتية تُحاصِر الذات من مختلف الجوانب، وكانت النتيجة الحتمية لهذا الواقع هو التخلف في جميع المستويات.
ومع بروز الطبقة النخبوية من أدباء ومفكرين كـ"فولتير" "وروسو" و"ليوناردو دافينشي"وغيرهم من الأعلام التي شيَّدت صرح التحرُّر والانعتاق، فقد كان لأفكار هؤلاء، القوة الكافية للتغيير والخروج بالذات من تلك الدوائر المظلمة التي وُضِعَت فيها قصدا. فكانت البداية بمشاريع تنويرية تحديثية، سعت في أساسها إلى التَّأسيس لخطاب العقلانية والتنوير، هذا ما تمخَّض عنه حضارة بالحجم الذي هي عليه الآن القارة الأوروبية بأجمعها.
كانت بداية النهضة الأوروبية بمجموعة من الثورات، ضد الانساق السلطوية المعمول بها، ورفض الوصاية التي مارستها السلطة على الذات، ومن أبرز الثورات على الاطلاق التي امتدَّ صدى تأثيرها إلى العالم الاوروبي بأجمعه، نجد الثورة الفرنسية سنة 1789 التي قال عنها" كانط" : "إن كلَّ هذه الفظاعات لا تقترب بشي من استمرار الطغيان" فمختلف المجازر التي عرفتها الأحداث الدَّامية من خلال الثورة الفرنسية، يرى "كانط" أنَّها لا تساوي إلَّا النَّزر القليل ممَّا تخلِّفه تبعية الطغيان الذي يمارسه الحكام على الرعية. فالواقع الذي شهدته فرنسا ومختلف الامبراطوريات الاوروبية في تلك الفترة كان ينمُّ عن التخلف في جميع مستوياته، اقتصاديا اجتماعيا وسياسيا، فقد تغيرت الاوضاع بعد عشر سنوات من الصراع الدَّموي، لِتُلغَى تلك السلطة المطلقة للحاكم، وتُعوَّض بنظام جمهوري مبني اساسا على الديمقراطية والحرية، هذا ما انعكس على الواقع الاقتصادي والاجتماعي بالايجاب، فقد انتعشت الحركة الاقتصادية وازدهرت، اضافة الى المستوى الاجتماعي، اذ امَّحت الفوارق بين الطبقة البورجوازية التي كانت في يدها زمام الامور. ولم تبق آثار الثورة الفرنسية منحصرة على فرنسا فحسب، بل امتدَّ صداها الى مختلف الانحاء الأوروبية، فقد تغيَّرت الاوضاع وعرفت تحولات جذرية في النظام (Le système) بشكل عام، فقد كان للآراء التي حمل لوائها الطبقة النخبوية صداها على المستوى الاجتماعي، هذا ما أفرز حضارة متكاملة في جميع المستويات، حضارة مبنية بالأساس على قيمة الحرية في مستوياتها المختلفة، حرية التعبير عن الرأي والمعتقد والصحافة، فخلق مجالا شاسعا للاختلاف الذي ينتج لا محالة الابداع.
وكما هو معروف في مجال الدراسات التاريخية ان التاريخ يخضع لمبدأ الحتمية ولو بشكل نسبي، كما أقرَّ بذلك "ابن خلدون"؛ فلو استقرأنا صيرورة التاريخ العربي، لوجدنا الذات العربية ضاعت بين مختلف الخطابات الثاوية بين مقولات السلطة باختلاف أسسها، فقد قٌيِّدت الذات العربية منذ أمد بشبكية سلطوية تلفُّها من مختلف الجوانب، فالسلطة الدينية والسياسية وسلطة التبعية وغيرها من أنواع السلط القاهرة، مثَّلت كلُّها سيلا جارفا جرت معه مختلف المشاريع التحديثية الى مهاوي الفشل، فلو تأملنا الوضعية التي تعيشها الامة العربية باختلافاتها الثقافية واللهجوية الجزئية، لتبين جليا ودون ادنى مجال للشك انها تعيش بالفعل تحت الوصاية والتبعية للنسق الذي تفرضه السلطة الحاكمة، التي تسعى دائما بحسب الفيلسوف الفرنسي "ميشيل فوكو"(1926-1984)، الى اخضاع الذوات الى منطوق السلطوي، فالغاية الاساسية التي تسعى الى تحقيقها الانظمة العربية باختلافها هي التدجين والفردنة، وانتاج فرد خاضع طَيِّعٍ ومنضبط، مستسلم لمقولات الخطاب السلطوي بشكل مطلق، ويكون ذلك باستخدام استراتيجيات قمعوية باختلافها، ولهذا يرى "فوكو" أنَّ القمع يُمثِّل جوهر السلطة، ففي نظره أنَّ "مزيَّة السلطة هي في أن تكون قمعية، وأن تقمع بانتباه خاصٍّ الطَّاقات غير المُجديَّة والملذَّات الحادَّة وأنواع السُّلوك الشاذة" ساعيَّة بذلك إلى خلق مجتمع أكثر انضباطا وطوعا لأوامرها وتشريعاتها، باستعمال أهمِّ الخصائص والآليَّات القمعيَّة، فالقمع لا يعمل على الحكم بزوال الشيء فحسب، بل يَتعدَّى ذلك ليعني "أيضا تأكيد لعدم الوجود، وكأن لا شيء يجب أن يُقَال أو يُشَاهد أو أن يُعرَف عن كل هذا"، وعلى هذا الأساس تكون الدَّولة هي الناطق باسم القوانين والتَّشريعات في مختلف المجالات.
وهذا هو الواقع الذي تحفل به بالفعل أغلب المجتمعات العربية، فقد سعت مختلف التنظيمات السياسية العربية، منذ انتهاء الحقبة الاستعمارية الحديثة وظهور الدول العربية المقسمة إستعماريا، سعت الى تحقيق هدف المواطنة وتكريس الحرية والديمقراطية، ولتحقيق هذا الهدف، اختلفت الانظمة بين متبنِّي للرأسمالية والإشتراكية، وبين منادي بضرورة اقامة دولة دينية قوامها الدين الإسلامي، رافق هذا الصراع السياسي، صراعا وجدلا أيديولوجيا بين مجموعة المشاريع النهضوية الداعية الى ضرورة الخروج من بوتقة التخلف ومواكبة الركب الحضاري على غرار ما تعيشه مختلف الدول الاوروبية والولايات المتحدة الأمريكية. والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق: كيف كان صدى تلك المشاريع التحديثية؟ وهل نجحت التنظيرات الفكرية التي أنتجها المفكرون العرب على اختلاف أيديولوجياتهم في تطوُّر الأمَّة العربية؟ وكيف كان صدى تلك المشاريع على صيرورة التاريخ العربي؟
يكتبها الدكتور طالبي عبد الحق







