ناقصة عقل ودين

إن المتتبع للدراما العربية والنصوص الروائية يرى فيها عجبا،فهي تتحدث عن كل شيء إلا عن الواقع العربي، فلا تستطيع ملامسة الحياة اليومية للمواطن العربي؛ بل نراها تعيش في هامش حياته. قد يبدو هذا الكلام في البداية للقارئ الكريم تهجما على الدراما العربية ولكن صَبَر معي قليلا ثم ليحكم بما يشاء بعد ذلك.
الدراما العربية حقا تتحدث عن الزواج و الطلاق والحب والصراع داخل العائلة الواحدة وخارجها حول المادة وطغيان النظرة المادية لدى بعض العوائل العربية، وهي تصورها تصويرا دقيقا، ولكن للأسف فهي تكتفي بالتصوير الفوتوغرافي فقط أي نقل لصورة موجودة يعيشها المواطن العربي كل يوم. وكمثال على مسلسل (عطر الجنة) للكاتب الكويتي حمد بدر حيث تدور أحداث المسلسل حول عائلة مفّككة يطلّق الزوج فيها زوجته بسبب قصورها العقلي بعد إنجابها له صبياً. ليعيش الصبي حياته القاسية في كنف جدته ويضطر للعمل في سن العاشرة حتى يتمكن من الانفاق على والدته المعاقة.
مع الحديث عن جوانب أخرى كالخيانة الزوجية والعلاقات الفاشلة، طبعا ويحاول الكاتب تبيان دور الحب في الحياة ولكن بصورة مشوهة.
فالمسلسل هذا وغيره يطرح القضايا ولكن لا يدرس أسبابها، فكأن النص الروائي لا يستطيع أن يطرح السؤال لماذا أصبح جزء كبير من العرب يغلبون الجانب المادي في علاقاتهم  وفي تفكيرهم بل حتى في تدينهم؟النص السردي الذي لا يستطيع يغوص في أعماق القضايا فيبحث عن جذورها ومن أين تمتص هذه الجذور ماءها وأي نوع من الماء هذا الذي تمتصه وتتغذى منه ثم تمده لأغصان الشجرة فتنمو ويصبح ظلها وافر يغطي مساحة كبيرة من المجتمع.
هذه المسلسلات لا تستطيع نصوصها صنع دواء في مختبرا لكلمات، الدواء الذي يتتبع السقم فيبتره بترا، وإذا أراد القارئ الكريم أن يـتأكد من هذا الكلام فإن مسلسلات:(العراف، آدم وجميلة، تحت الأرض، توالي الليل، آسيا، البيت بيت أبونا، الداعية، الزوجة الثانية، القاصرات، أبو الملايين، خلق الله، حمام شامي...) تخبر بالنبأ اليقين.
ماذا يفيد المواطن العربي أن نعيد له الصور التي يعيشها كل يوم في حياته؟ أم أن هذه الإعادة دورها تكريس للصور حتى تصير من الأمور المعتادة ولا ينبغي تغيرها؟ أم تهدف هذه المسلسلات إلى زرع القنوط واليأس مما يجعل هذا المواطن المسكين يبحث ويلهث وراء مُسكِّن بشتى الطرق، أم أنها تدريب على الرذيلة حتى صرنا نرى عجائب في واقعنا المعيش وكأننا نشاهد مسلسلا؟
أسئلة كثيرة نود أن نطرحها على هذه النصوص الدرامية التي جعلت المواطن العربي في كثير من الأحوال يبحث عن بديل لها في المسلسلات التركية بل حتى في المسلسلات التي نبتت في بيئة بعيدة عن قيمنا وديننا وما المسلسلات الصينية واليابانية والكورية والمكسيكية والبرازيلية التي ترجمت إلى اللغة العربية، والتي هي في خطر، عنا ببعيد. هذه المسلسلات تعلق الشباب بقيم نصوصها واستطاع الكاتب والمخرج أن يقنع المواطن العربي بها؛ بل تعدى الأمر ذلك حتى صار الشباب يحاول أن يطبقها في واقعه المعيش في الجامعة والثانوية وفي النوادي المختلفة سلوكا ومظهرا وحتى ممارسة، والواقع العربي العميق خير دليل، مما أحدث في كثيرا من الأحيان هوة بين الآباء والأبناء، فصارت التربية من المستحيلات بل هي أمها.
فالنصوص الدرامية العربية تدغدغ العواطف وفي كثير من الأحيان تحيي موات الغرائز عن طريق حقنها بمفاعل نووي لتفجر جدار القيم وكأنها تقول:


دَع  عَـنكَ لَومي فَإِنَّ اللَومَ إِغراءُ      وَداوِنـي بِـالَّتي كانَت هِيَ الداءُ


و للحديث بقية.
الدكتور بن يحيى ناعوس

صفحة الفايسبوك

التسجيل في الموقع

  • صلاح
  • kadchahed

فيــــــــــــديو : تحية لقراء مجلة حنين