كيف تحول الفشل في الامتحان إلى نجاح في الحياة؟
الفرحة تغمر البيت. تطلق الام زغرودة نجاح ابنها او ابنتها في الامتحان وعيناها دامعتين، فلقد انتظرت هذا اليوم بقلق. يبتهج المنزل ويكثر المباركون. تتهاطل مكالمات التبريك وهدايا الاهل والاصحاب ويتحول يوم النجاح في الامتحان الى عرس حقيقي تتعالى فيه الاصوات وتعلوفيه النغمات الموسيقية.
على بعد بضع مترات، بيت كئيب، لم يسمع فيه صوت.. سكوت رهيب فالكل يعلم ان الابن اوالابنة سقط في الامتحان، والكل يتحسر وربما يشمت لأن الطالب اوالطالبة لن يستطيع المرور للمرحلة القادمة من التعليم. فما العمل في هذين الموقفين ؟ وهل النجاح في الامتحان يعني النجاح في الحياة؟ وهل الفشل في امتحان ما يعني الفشل في الحياة؟
ما هوالنجاح؟
رغم ان الكل يفهم معنى كلمة النجاح الا انه يبقى مصطلحا محدودا إدراكا وليس معنى . فمن الصعب تقنين هذه الكلمة لأنه كثيرا ما رأينا نتائج نجاح ما تؤدي الى فشل كبير في الحياة وكثيرا ما رأينا فشلا في امتحان ما يؤدي الى نجاح كبير في الحياة.
اذا يجب التفرقة بين النجاح الآني، الحالي والجزئي وبين النجاح المستمر والدائم والكلي. فالنجاح الجزئي يرتبط بموقف اوظرف ما بينما النجاح الكلي يكون سلسلة من النجاحات في الحياة والتي تمس جوانب عديدة ولا تقتصر على نجاح واحد في مجال واحد فقط.
ان النجاح في امتحان ما يكون بالتحصل على نقطة تفوق ولوبقليل النقطة التي يحددها الاكادميون كحد أدنى للنجاح .لكن ما معنى النجاح في الحياة؟ هل هناك أدنى حد له وأعلى حد؟ وكيف نستطيع تقييم إنسان ناجح وآخر فاشل؟ وهل الفشل سببه السقوط في الامتحان؟ وهل يسقط الإنسان في الحياة أيضا؟
إن النجاح في الامتحان هوجزء بسيط من النجاح في الحياة بالنسبة لمن لهم ميولات وقدرات أكاديمية . وأقصد بالقدرات الأكاديمية القدرة على استيعاب الدروس واستخلاص نظريات للتطبيق والقدرة على توصيل المعلومات المستوعبة للآخرين )طلبة، اساتذة الخ..( وتصل القدرات هنا الى حد الدخول الى مختبر البحث والخلق والابداع ..
أما من لهم قدرات فنية، وتقنية لا تستدعي الدخول للجامعة من اجل تطويرها وتطبيقها على ارض الواقع فهنا النجاح بامتحان كالباكالوريا مثلا يكون أمرا ثانويا وليس ضروريا مئة بالمئة، بل يستطيع الشخص إتباع تكوين مهني لمدة قصيرة يصبح من خلاله ذوصنعة متميزة ينجح بواسطتها في حياته المهنية.
أجوبة مقنعة :
للإجابة على الأسئلة المطروحة سابقا أقول ان النجاح في الحياة معناه الوصول الى أهداف مسطرة منذ بداية إدراك مسؤوليتنا في هذه الحياة ودورنا . وعملية تحديد الأهداف هي أهم عملية قبل الخوض في معترك الحياة. من الضروري أن تتماشى هذه العملية مع معرفة الشخص لقدراته ومهاراته الشخصية والتعرف على ميولاته بالخصوص. ان الإغفال عن هذه المعرفة يؤدي الى فشل ذريع .
مثال: شخص يريد ان يصبح طبيبا لكن ليس له ميولا لذلك بل يدفع به الأهل ليمتهن هذه المهنة، وليس له مهارة التعامل مع الآخرين كونه شخصا عصبيا مثلا وليس له القدرة على الدراسة باللغة الفرنسية التي تعطى من خلالها كل الدروس فالنتيجة المتوقعة هنا الفشل الحتمي .
أدنى حد للنجاح هوضمان العيش بطريقة سليمة وذلك بالوصول الى خمسين بالمائة من الأهداف المسطرة منذ سن الرشد وامتهان مهنة يميل إليها الشخص ويستطيع إتقانها وبالتالي تكون النتيجة الحتمية أن يعيش الشخص عيشة هنيئة في مستوى متوسط .
أما أعلى حد للنجاح فهوأن يقوم شخص ما بالتعرف على ميولاته ويقوم بتطوير قدراته ومهاراته عن طريق إتباع تكوينات كثيرة في مجالات متعددة، ثم يقوم بالدخول لمرحلة يبدع فيها في المجال الذي اختاره في الحياة ومن ثم قد يكون هوالسبب ايضا في نجاح آخرين معه.
مثال : يتحصل طالب على شهادة الباكالويا ويتبعها بالدراسة في مجال تقني يميل إليه -شعبة إلكترونيك مثلا- ويتخرج ويتبع تكوينات أخرى تساعده على التقدم السريع وربما الإبداع مثل التكوين في اللغة الانجليزية التي تفتح له مجال التعامل مع الكتب الجديدة والاتصال السهل بأشخاص بالخارج لاستيراد التقنيات المتطورة، والتكوين في مجال الإعلام الآلي الذي تدخل الإلكترونيك ضمنه والتكوين في مجال الإدارة والتسيير فيصبح بذلك يوما مديرا لشركة أجهزة الكترونية يدير عمالها ويراقب نوعية الأجهزة عن كثب ومن ثم يستطيع ان يصبح من أهم الأشخاص الناجحين في البلاد.
ما هوالفشل؟
كلمة لا تستدعي الشرح المطول حيث أنها توحي بالسقوط والحزن والضيق والاشمئزاز وتذهب بالفكر إلى السلبية والى الإحساس بالاكتئاب . هذه الكلمة التي أدت بالبعض لوضع حد لحياتهم وللبعض الآخر بمضاعفة الجهود إلى غاية الوصول إلى نجاح رائع. من ثم فإن الفشل في الامتحان تكون نتيجته حسب رد فعل الشخص. أي ان كل شيء يرتبط بالشخصية . فمثلا نرى الشخص السلبي، المكتئب والمنطوي على النفس كثيرا ما يرى أي فشل حجة للتقوقع على نفسه . فلا يبذل أي جهد ويرمي اللوم على الآخرين وعلى الأسئلة الصعبة وعلى الأهل اوالأصدقاء والظروف الخ.. ومن ثم فإن فشله في الحياة يكون سلسلة فشل . والنتيجة الحتمية أن يصبح شخصا اتكاليا دون هدف، يعيش على ادني مستوى ولا يتجاوز ذلك أبدا وفي رأيي هذا هوالإنسان الفاشل بعينه. والأمر ينطبق أيضا على حياته العائلية حيث يفشل في تكوين أسرة متماسكة ولا يبذل أي جهد لتغيير وضعيته.
أما الشخص الايجابي، فإنه يرى في كل فشل قوة تدفع دائما به نحوالأعلى، حيث يبحث عن حلول بعد مراجعة خطته الأولية بدراسته لأسباب فشله والتعرف عليها، ثم يضاعف من جهوده للوصول إلى هدفه. انه شخص لا يعرف معنى الفشل حيث كل سقوط له في موقف ما يجعله ينهض بقوة اكبر فيحول كل فشل إلى نجاح. أما الإنسان السلبي فإنه حتى لونجح في امتحان ما فإن سلبيته تجعل منه إنسانا محدود القدرات في الحياة.
ان الفشل في الامتحان حتى وان تكرر لا يعني انه فشل في الحياة. فالفشل نتيجة عدم استعمال القدرة والمهارة اللازمتين في موقف محدد. ومن هنا فإن الأمر يستدعي المراجعة حيث أن كل شخص له قدرة على شيء ولوأهمل قدرته وجعل من هدفه هدفا اكبر مما يطيق فإن الفشل آت لا محالة.
كيف يتحول النجاح في الامتحان إلى فشل في الحياة ؟
قد يفرح الطالب أوالطالبة بالنجاح في امتحان الباكالوريا مثلا ويهلل الأهل والأصحاب وتعلوالنغمات ولكن بمجرد الدخول للجامعة تبدأ سلسلة من الفشل الذي لا يفهم سببه الطالب نفسه. وسأحاول شرح الامر.
سبب الاختيار الخاطئ للشعبة : إن على الطالب أن يختار أولا شعبة تناسب ميوله. فلا يذعن لرأي الأهل الذين يرون اختيار شعبة مرموقة هم شيء. فمن ليس له الميول لشعبة طبية مثلا فإن اختياره اياها يجعل منه طبيبا فاشلا عاجلا اوآجلا، حتى لوأكمل دراسة الطب بتفوق. ان الملل والإرهاق والقلق الناجمين عن عدم رغبة هذا الشخص في امتهان الطب قد تجعل منه إنسانا غير مبال بمرضاه، لا يحاول التقدم إلى الأحسن بالنسية لهذا العلم، ولا يتفانى في عمله فينقص ذلك من إتقانه للمهنة وقد يدفع ثمن غلطاته غاليا بسبب التهاون واللامبالاة.
من هنا نرى أهمية اختيار الشعبة المناسبة للميول أولا، ثم للقدرات ثانيا ثم للمهارة الشخصية ثالثا. وحتى لولم تكن نقطة الطالب تؤهله للشعبة المرغوب فيها فعلى الأقل عليه أن يختار شعبة تقترب من الأولى أويختار تكوينا مهنيا إن كان ضمن ما يريد فعله في الحياة.
سبب عدم تحديد الأهداف مسبقا: اذا، عزيزي الطالب، عزيزتي الطالبة، حدد أهدافك في الحياة وقرر ما تريد فعله حتى لا يكون نجاحك بامتحان ما فشلا بحد ذاته، فترى بعد سنوات عدة انك لم تخلق لأن تكون مهندسا بالإلكترونيك بل مهندسا معماريا.
كيف تحول الفشل في الامتحان الى نجاح في الحياة ؟
انه بعد الإطلاع على الكثير من الحالات التي تقدمت إلى عيادتي الافتراضية عبر الانترنت لأشخاص نجحوا في الحصول على أكير الشهادات الأكاديمية ومع هذا فشلوا في حياتهم فشلا ذريعا يجعلني، كأخصائية نفسية، مهتمة بالأمر حيث أن الأمراض النفسية تكثر عندما يشعر الفرد انه رغم نجاحه في عمله فإنه إنسان فاشل لأنه لم يستطع تحقيق أحلامه الشخصية ولم يستطع أن يجعل من عمله مهنة ترضي فضوله ورغباته بل هي فقط وسيلة لجني المال مع الكثير من القلق المصاحب لها. والشعور بالفشل في الحياة هوأصعب شعور يحس به الفرد خصوصا بعد تقدمه في العمر.
لكي تجعل عزيزي القارئ من كل فشل لك نجاحا، إليك النصائح الهامة التالية :
1. ابحث أولا في أسباب أي فشل لك واستنبط منه قواعد تسير عليها في المرحلة القادمة.
2. كرر دائما المقولة: »سأحول فشلي إلى نجاح ولن يوقفني أي أمر على تحقيق حلمي « . إن تكرار هذه العبارة بطريقة متواصلة كل صباح عند الاستيقاظ وبالأخص عند اللجوء إلى النوم يجعلنا نبرمج أنفسنا على تحمل الصعاب وعلى فكرة النجاح.
3. تخيل أخي القارئ دائما الموقف الذي ستكون عليه بعد الفشل، إنسانا ذووعزيمة وهمة وذوذكاء اجتماعي يجعل منك تبحث عن حلول آنية وعلى تعويض أي خسارة بطريقة سريعة وجيدة كأن تقوم بتكوين سريع لمدة شهر اوشهرين في احد المجالات التي تحبها )إعلام آلي، تصوير، الضرب على الآلة الراقنة، بدأ تعلم لغة جديدة الخ .. ( وهذا مباشرة بعد سقوطك في امتحان ما. هذا سيزيد من عزيمتك ويكون تكوينا لك يساعدك في المستقبل . فكم رأيت من مهندس لم يستطع العمل بشهادة عليا واستطاع الحصول على عمل بشهادة بسيطة أهلته لبلوغ مرتبة عليا بشركة ما.
4. لا تستهن بإمكانياتك بعد تلقي نبأ فشل ما، وابدأ فورا في تعداد الأسباب ولا تخف من إيقاع اللوم على نفسك كأن استهنت بالامتحان ولم تراجع جيدا اولم تخطط لبرنامج مراجعة جيد . ان محاسبة النفس بطريقة عقلانية هي من أسمى السلوكيات حيث يواجه الشخص نفسه بدل إلقاء اللوم على الآخرين ) الأساتذة، الأسئلة الصعبة، ظروف الامتحان، الارهاق الخ (
5. ابدأ فورا بالبحث عن معلومات عن الشعب المقترحة بالجامعة مع زملائك الناجحين فإن هذا الأمر يجعل منك أكثر قدرة على تحديد هدفك، كما انك ستبرمج نفسك على النجاح في المحاولة القادمة.
6. توكل على الله، وثق ان كل شيء في الحياة عبارة عن درس نتعلم منه، وحكمة إلهية .
7. حاول عدم التذرع بالفشل لكي لا تقوم بشيء أثناء العطلة وقم بقراءة بعض الكتب اوالمواضيع الهامة عن كيفية تحديد الأهداف في الحياة وكيفية تنظيم الوقت . وهنا أنصحك أخي، أختي القارئة باستعمال الانترنت والبحث عن مثل هذه المواضيع الهامة في المنتديات العربية كمنتدى الحصن النفسي .
8. ضع نصب عينيك هذه الكلمة الأخيرة التي اهمس بها في أذنك : لقد كان "انشتاين" العالم المعروف ومخترع القنبلة الذرية وصاحب اكبر نظرية في العالم وهي نظرية النسبية، كان دائم الفشل في الامتحانات ولم يمنعه هذا بأن يكون من اكبر علماء القرن الماضي. اذا، أنت وحدك من يقررز
• إما أن تنجح ثم تتهاون ولاتعرف اختيار طريقك
• اما ان تنجح وتختار الطريق الصحيح
• اوتفشل وتبكي فشلك
• اوتفشل وتجعل من فشلك مطية نحوبلوغ اهدافك وتحقيقها على ارض الواقع..
عزيزي القارئ، المستقبل بيدك، فخطط له بدلا من ان يجرك إلى المجهول، وخطط لنفسك بدل السقوط ضمن تخطيط الآخرين. كن دائما ايجابيا ترى نصف الكوب المليء بدل النظر لنصفه الفارغ، فالحياة بيدك والله المستعان.
د. زهيد جليلة







