زيارة خاطفة

كانت أخر مرة زارنا فيها هذا الوافد الأبيض قبل تسع سنوات، يومها كان لنا جيران غير جيران اليوم وأصدقاء غير أصدقاء اليوم، وكنت يومها لا أزال طالبا في كلية الحقوق .

إستيقظنا صباح هذا اليوم على اللون الأبيض، لا ترى إلا البياض يحيط بحينا من كل جانب، الأشجار أمست كلها بيضاء وكذلك السيارات وأعمدة النور وإشارات المرور وأسقف المباني، كل شيء أمسى أبيض .

أخيرا أثلجت السماء على مدينتنا بعد عقم دام أزيد من تسع سنوات، أطفال حينا يلعبون بالثلج، بعضهم يتحاربون بكراته ومنهم من يصنع تماثيل ثلجية بأنوف من جزر وعيون من شمندر أو زيتون أسود .
يبدو اليوم رائعا من ابتسامات الأطفال وضحكاتهم، التقطت بعض الصور لأنشرها على الفايسبوك، ففجعتُ بأول خبر مزعج، لقد إنقطع التيار الكهربائي ليلة الأمس، ولأن التدفئة في معظم بيوت حينا تعتمد أساسا على الطاقة الكهربائية، فإننا هذه المرة سنستمتع بالثلج على أصوله، برد قارص يعظ أصابع الأرجل يصعد رويدا رويدا إلى أن يصل إلى الأنوف والعيون والأذان، قررت أن أتصل ببعض الأصدقاء من مدن أخرى لأخبرهم عن زائرنا هذا ففجعتُ بثاني الأخبار المزعجة، يبدو أن شبكة الإتصالات ليست على ما يرام .
في ظل غياب الكهرباء و الهاتف فإن فكرة البقاء في البيت أكيد ستكون سخيفة جدا، قررت أن أرتدي كل ما يمكنه أن يبعد البرد عن جسدي و أن أخرج في جولة في مدينتنا أستطلع فيها الحال والأحوال ، لم ألمح أمامي إلا البياض، لقد أخفى الثلج عيوب مدينتنا فإختفت كل القمامات التي كانت بالأمس متراكمة في بعض الأطراف، وأبرز عيوبا أخرى، فظهر فجأة بعض الشباب المحاربين الذين أعلنوا حربا ضروسا على كل فتاة تمر بالجوار لتنهال كرات الثلج عليها من كل حدب وصوب، ربما هي طريقة جديدة للفت أنظار الفتيات وللتعبير عن رجولة مزيفة .
في خضم كل ذلك رأيت كلبا يبحث عن قمامة الأمس يبتغي منها بعض الطعام، تأملت فيه مليا وحمدتُ الله تعالى على نعمه التي لا تحصى، ومع هذا فهنالك من لا يجد طعاما يُذهِبُ جوعه، ولا يجد مأوى يذهب برده ولا يجد أمنا يذهب خوفه ولا يجد عطفا يذهب حزنه .. لكم الله أيها التعساء، لكم الله أيها البؤساء، لكم الله أيها الفقراء، اللهم اغسل خطايانا بالماء والثلج و البرد .
تيزي وزو يوم السبت 4 فبراير 2012







