إني كفرت بأصنامكم .. أ فلا تعقلون ؟
عرض عليّ أحد الأصدقاء مرافقته في سفره إلى مدينة سطيف ، لن أخفي عنكم أن الفكرة قد استهوتني كثيرا، خصوصا وأن لي حلما قديما وهو زيارة جميع مدن الجزائر وسطيف مدينة لم يسبق لي زيارتها .
أعددت أغراضي ، وثائقي ، وآلة التصوير ، وانطلقت وصاحبي في رحلة لم نشعر بطولها ونحن نتبادل أطراف الحديث ، وصلنا سطيف مساء وقد كان الطقس باردا والسماء تكاد تمطر على رؤوس الجميع . حجزنا غرفة في أحد الفنادق، أمضينا الليلة على أمل أن يأتي الغد بطقس أفضل ، وأن يجد صاحبي غايته من سفره هذا .
حل الصباح والجو لم يتغير كثيرا، وجدنا بعض الصعوبة في الوصول إلى هدف صاحبي ومع هذا أنهى أشغاله في وقت قياسي، وبقي لنا من الوقت ساعة ونصف الساعة، جبنا فيها شوارع المدينة وحاولنا التعرف على أهم معالمها، وملامسة أخلاق أهلها واقتناء بعض الأغراض من أسواقها.
زرنا حديقة بها بعض الألعاب وبحيرة يطفو الإوز فوق مائها ، وعلى يسارها بقايا قلعة قديمة يعود زمانها إلى الحقبة الرومانية ، لم يبق لنا الكثير من الوقت حتى ننطلق في رحلة العودة إلى ديارنا ، سألت صاحبي عن مكان ينصحني بزيارته فقال : ( إن لم تزر عين الفوارة ، كأنك لم تدخل سطيف )، انطلقنا مباشرة إلى وسط المدينة حيث تقبع هذه العين وإذا بي ألمح الزحام حولها، كبارا وصغارا.. ذكورا وإناثا يتسارعون للاغتراف من مائها والتقاط بعض الصور معها . اقتربت منها فإذا بي أبصر تمثال امرأة عارية، تساءلت بيني وبين نفسي :( كيف لعينٍ إن لم أزرها ، كأني لم أزر سطيف ـ يعلوها صنم امرأة عارية) ؟! أوقف الحياء صاحبي بعيدا وساقني فضولي إلى الاقتراب قليلا.
ما قصة هذا الصنم ؟ ماذا يفعل هنا ؟ ولماذا يحظى بكل هذا الاهتمام واللهفة ؟ وأكثر سؤال حيّرني: أين الحياء من كل هذا ؟
هي أسئلة كثيرة جابت خاطري فكان عليّ أن أبحث في الأمر.
تقول إحدى الروايات أن عينا تتوسط مدينة سطيف كان المصلون يتوضؤون من مائها لأداء صلاة الفجر في المسجد العتيق المجاور لها ، فأزعج ذلك الحاكم الفرنسي فأمر بوضع تمثال يخدش الحياء لصرف المصلين عن المكان .
وتقول رواية أخرى أن امرأة وقع حاكم فرنسي في حبها حتى الجنون ، ولأنها كانت لرجل آخر، لم يكن أمام الحاكم العاشق سوى اختطافها و تحطيم قلب حبيبها الذي لم يجد سوى تخليد ذكراها بتمثال يحتل وسط المدينة فوق عين يرتوي الناس من مائها .
ومهما تعددت الروايات والحكايات ، فالحقيقة أن تمثال المرأة تم بناؤه عام 1898 بيدي النحات فرنسيس دوسانت فيدال وتم نصبه وسط مدينة سطيف لغاية في نفس يعقوب .
وبعد قرن من الزمن تقريبا، في حدود الساعة الثالثة فجرا من يوم 22 نيسان 1997 وَضَعَت أيادي خفية قنبلة بالقرب من التمثال...انفجرت القنبلة و تطاير الحطام، و انزاح التمثال أخيرا من مكانه، ظن الفاعلون أنهم بفعلتهم تلك طهروا المدينة من عارها ، ولكن .. كان للمدينة والٍ في 48 ساعة أعاد بناء العين بتمثالها ، و لغاية في نفسه أو في أنفس أولياء نعمته عادت العين كما كانت ، بل زادت شهرة أكثر مما كانت .
فرنسا قد رحلت ، ولكنها في الأصل لم ترحل ، بل أوهمتنا برحيلها ، لا نجد لنا لغة نتحدثها إلا وقد حشرت الفرنسية أنفها فيها، ولا نجد لنا ثقافة نتبناها إلا وقد وضعت الثقافة الفرنسية أصابعها فيها، ولا نجد لنا خبزا نأكله إلا وكان يشبه الخبز الفرنسي ، فرنسا قد رحلت و لكن تمثال امرأتها العارية لا يزال يحتل جزء من أرضنا .
قد يكون الأمر عاديا لمعظم أهالي سطيف و قد لا يزعجهم التمثال في شيء ، لأنهم اعتادوا عليه جيلا بعد جيل، و لكني لن أجرأ على السير مع والدي أو شقيقتي أو ولدي أو حتى مع محفظتي بالقرب من هذا المكان ، لأنه بكل بساطة لا يزال بداخلي شيء يشبه الحياء .
السيء في الأمر أن المرأة لاتزال عارية، والمارة يحملقون بأبصارهم في مفاتنها ويلتقطون لهم معها صورا للذكرى، والأسوء من ذلك أن منهم من يتسلق التمثال ويعانقها ومنهم من يقبلها من فمها ومنهم من يفعل أكثر من ذلك، وأكثر ما أخشاه أن نطل عليها ذات صباح فنجدها ترضع وليدها .
قد يتهمني بعضكم أني رجعي ومتخلف ولا أفقه في التاريخ والفن شيئا، وأني لا أزال أعيش في زمن الإبل والخيام وأني هارب من زمن الأبيض والأسـود، ومع هذا سأعلنها صراحة ولن أخشى في ذلك لومة لائم، إني كفرت بأصنامكم ... أفلا تعقلون ؟!..







