سمات المنهج الإصلاحي عند علماء الجزائر
هل من الممكن لنا يوما أن تعود لنا الأندلس ...هل علينا أن نَحِنّ للأندلس ونَحنُ نبكي على الطلل كما كان الشعراء الجاهليون وهم يفارقون منازلهم والحي الذي كانت فيه الحبيبة...
أحن إلى الديار ديار ليلى أقبل ذا الجدار وذا الجدارا
وما حب الديار شغفن قلبي ولكن حب من سكن الديارا
لن نعيش إذن مع الطلل ولكن لنحْيِه في أنفسنا...
هل سيكون ممكنا أن تحيا الأندلس ؟...
لو فكر هذا الشاعر قبل أن يُعرِّض بمحبوبته في مجالس الشعر ...وأن ذلك قد يبعده عنها إلى الأبد لفكر مرة وألفا من المرات قبل أن يقول فيها بيتا واحدا...
لم تكن قضيته "كيف تنجح قبيلته في الاستمرار" لكنّ فَلكَ حياته شاعرا وإنسانا أن يتغزل بمحبوبته حتى لو كان غزلا عذريا عفيفا..
لما كانت قضية ابن شداد أن يكون حرا و يبذل نفسه فداء لذاك..كرَّ فكان حرا..
أما صاحبنا فقد جن بالحنين ولم يبق له إلا أن يهيم في كل واد يبكي ليلاه..لقد اختار ألا يكون إنسانا لكن كائنا مستوحشا لا يعرف له منزل، ولا تستقبله إلا الوديان التي تذهب بالماضي نحو الهاوية...
عندما كانت قضية عنترة الجوهرية خروجه إلى الحرية قال في ابنة عمه:
هلا سألت الخيل يا ابنة مالك إن كنت جاهلة بما لم تعلمي
مجده كان من أجلها ومن أجلها فقط ،و حريته الشخصية لم تكن إلا ليكون كفؤا لها ؛ وندا لعمه "حرا" كما يريد هو للحرية أن تكون ...لم يزل يراوح أين يراوحون ويبك على أطلال حريته...:
هل غادر الشعراء من متردم أم هل عرفت الديار بعد توهم
يا دار عبلة بالجواء تكلمي وعمي صباحا دار عبلة وانعمي
لم يكن إذن يوما ما حرا،...ولم يفارق عبودية عاشها ،...لم يحلم يوما أنه أعلى مقاما..فهو الذي كر وتقدم الصفوف و عاد بعد أن فروا جميعا:
ولقد شفى نفسي وأذهب سقمها قيل الفوارس ويك عنترة أقبلي
هنا كانت هزيمته الحقيقية وصك عبوديته التي أعاد خطها بيده....
وآخر عاش بيننا أمضى عمره كله يبك أطلالا لم تر النور..ويدخلنا معه في سجن صنعه هو حين قال في نثريته:
أقولُ له:
عندما تكبُرُ يا وَلَدي..
وتقرأُ ديوانَ الشعر العربيّْ
سوفَ تعرفُ أن الكلمةَ والدمعةَ شقيقتانْ
وأن القصيدةَ العربيّهْ..
ليستْ سوى دمعةٍ تخرجُ من بين الأصابعْ..
يضعُ إبني أقلامَهُ ، وعلبةَ ألوانه أمامي
ويطلب منّي أن أرسمَ له وَطَناً..
تهتزُّ الفرْشَاةُ في يدي..
وأَسْقُطُ باكياً...
كان هو السجان... ووطنه لم ير يوما النور ...فقد دفنه في قصيدته هذه وقصائد أخرى أمضاها في نحيب لا متناهي ...
إن اللحظة التاريخية التي لم تجد لها بيئة حاضنة حين طلق عربي حر حياة الطلل وقهر النظم البالية...
أقيموا بني أمي صدور مطيكم
فإني إلى قوم سواكم لأميل
فقد حُمت الحاجات والليل مقمر
وشُدت لطيات مطايا وأَرحَلُ
وفي الأرض منأى للكريم عن الأذى
وفيها لمن خاف القلى متعزل
لعمرك ما بالأرض ضيق على امرئ
سرى راغبا أو را هبا وهو يعقل...
لم يُجَن ّ ولم يبك..لكنه نقل وطنه بين أضلعه ولم يكن له طلل لأن وطنه شامخ ...
كل محتاج ٍ لقمةَ العيش ..وطنه لأنه سيقدم له تلك اللقمة...
لم يبك أحد مكة حين خرج منها لأن وطنهم لم يكن مكة ، لكنه كان المدينة التي أرادوا تأسيسها وأرادوا للعالم أن يكون كله المدينة..
وعندما تحركوا إلى هذا العالم تركوا في أركانه كلها "مدينة"
لن أسقط دمعة واحدة على الأندلس لأن لي أندلسي تذهب معي أينما أكون...
ya3rob80@gmail com.







