قصة الإراشي
هذه الكلمات أسطرها الآن وتحديدا لجيل المستقبل ، لشباب الغد ، أذكرهم عبرها بتاريخهم ، وتاريخ آبائهم وأجدادهم ، حيث أنهم يستطيعون من خلاله أن يجدوا فيه سلوة ، ويعثروا في طياته على مواطن الإصلاح والرفعة والنهضة من جديد ، وهذا من خلال الوقوف عند عبر التاريخ وعضاته وفوائده.
هذا هو السر الحقيقي في العمل الدؤوب لأعداء المسلمين في إخفاء حقائق التاريخ ، وصرف نظر الجيل الجديد عنه ، يعينهم في ذلك بعض المنتسبين إلى الإسلام زورا وبهتانا ، بل تجدهم للأسف أخطر وأفتك . في هذه السلسلة سنقف عند شذرات مهمة ، نأخذ منها الفائدة والعبرة التي نستطيع من خلالها أن ننهض بجيل المستقبل يحمل بعض صفات أجيال التاريخ ، أو يحمل عبرة منهم . وسنقف في هذه السلسلة أيضا عند غرائب التاريخ مما قل سماعه و نَدُرَ بين الناس ذكره ، وذلك لأن ما اشتهر قد يتكرر ، وأنه كذلك لايعيي البحث فيه ولا النظر ، والوقوف لا من أجل غربتها وإنما إعادة تكوين الشخصية الجديدة على معانيها.
نقف في هذه الحلقة الأولى عند قصة ذكرها الإمام إبن كثير في البداية والنهاية وتسمى بقصة الإراشي . والإراشي رجل من إراش وهي بطن من بطون خثعم في الجزيرة العربية ، قَدِمَ بِإِبِلِ لَهُ مَكّةَ ، فَابْتَاعَهَا مِنْهُ أَبُو جَهْلٍ فَمَطَلَهُ بِأَثْمَانِهَا . أَقْبَلَ الْإِرَاشِيّ حَتّى وَقَفَ عَلَى نَادي قُرَيْشٍ ، وَرَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ جَالِسٌ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ مَنْ رَجُلٌ يُؤَدّينِي عَلَى أَبِي الْحَكَمِ بْنِ هِشَامٍ فَإِنّي رَجُلٌ غَرِيبٌ ابْنُ سَبِيلٍ وَقَدْ غَلَبَنِي عَلَى حَقّي ؟
فَقَالَ لَهُ أَهْلُ ذَلِكَ الْمَجْلِسِ : أَتَرَى ذَلِكَ الرّجُلَ الْجَالِسَ - لِرَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - اذْهَبْ إلَيْهِ فَإِنّهُ يُؤَدّيك عَلَيْهِ فَأَقْبَلَ الْإِرَاشِيّ حَتّى وَقَفَ عَلَى رَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ – فذكر ذلك له فقام معه فلما رأوه قام معه قالوا لرجل ممن معهم اتبعه فانظر ما يصنع فخرج رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى جاءه فضرب عليه بابه
قَالَ : انْطَلِقْ إلَيْهِ وَقَامَ مَعَهُ رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - فَلَمّا رَأَوْهُ قَامَ مَعَهُ قَالُوا لِرَجُلِ مِمّنْ مَعَهُمْ : اتّبِعْهُ فَانْظُرْ مَاذَا يَصْنَعُ ؟!.
قَالَ : وَخَرَجَ رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - حَتّى جَاءَهُ فَضَرَبَ عَلَيْهِ بَابَهُ .
فَقَالَ : مَنْ هَذَا ؟!
قَالَ : مُحَمّدٌ فَاخْرُجْ إلَيّ .
فَخَرَجَ إلَيْهِ وَمَا فِي وَجْهِهِ مِنْ رَائِحَةٍ قَدْ انْتَقَعَ لَوْنُهُ فَقَالَ : أَعْطِ هَذَا الرّجُلَ حَقّهُ .
قَالَ : نَعَمْ لَا تَبْرَحْ حَتّى أُعْطِيَهُ الّذِي لَهُ .
قَالَ : فَدَخَلَ فَخَرَجَ إلَيْهِ بِحَقّهِ فَدَفَعَهُ إلَيْهِ .
قَالَ : ثُمّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ –
وَقَالَ لِلْإِرَاشِيّ : الْحَقْ بِشَأْنِك .
فَأَقْبَلَ الْإِرَاشِيّ حَتّى وَقَفَ عَلَى ذَلِكَ الْمَجْلِسِ .
فَقَالَ : جَزَاهُ اللّهُ خَيْرًا ، فَقَدْ وَاَللّهِ أَخَذَ لِي حَقّي . قَالَ : وَجَاءَ الرّجُلُ الّذِي بَعَثُوا مَعَهُ .
فَقَالُوا : وَيْحَك مَاذَا رَأَيْت ؟!
قَالَ : عَجَبًا مِنْ الْعَجَبِ وَاَللّهِ مَا هُوَ إلّا أَنْ ضَرَبَ عَلَيْهِ بَابَهُ فَخَرَجَ إلَيْهِ وَمَا مَعَهُ رُوحُهُ .
فَقَالَ لَهُ : أَعْطِ هَذَا حَقّهُ !
فَقَالَ : نَعَمْ لَا تَبْرَحْ حَتّى أُخْرِجَ إلَيْهِ حَقّهُ فَدَخَلَ فَخَرَجَ إلَيْهِ بِحَقّهِ فَأَعْطَاهُ إيّاهُ .
قَالَ : ثُمّ لَمْ يَلْبَثْ أَبُو جَهْلٍ أَنْ جَاءَ فَقَالُوا لَهُ وَيْلَك مَا لَك ؟! وَاَللّهِ مَا رَأَيْنَا مِثْلَ مَا صَنَعْت قَطّ !!
قَالَ: وَيْحَكُمْ وَاَللّهِ مَا هُوَ إلّا أَنْ ضَرَبَ عَلَيّ بَابِي ، وَسَمِعْت صَوْتَهُ فَمُلِئْت رُعْبًا ، ثُمّ خَرَجْت إلَيْهِ وَإِنّ فَوْقَ رَأْسِهِ لَفَحْلًا مِنْ الْإِبِلِ مَا رَأَيْت مِثْلَ هَامَتِهِ وَلَا قَصَرَتِهِ وَلَا أَنْيَابِهِ لِفَحْلِ قَطّ ، وَاَللّهِ لَوْ أَبَيْت لَأَكَلَنِي
وبما أننا نقبل إقبالا كبيرا على قراءة المجلات والجرائد ونجلس الساعات أمام الانترنات في المنتديات وغيرها ،حري بنا الآن أن نعود ، إلى التاريخ قليلا ، فالأمم متى ما تناست تاريخها ، فقد ضاعت.
لننظر إلى هذه القصة القصيرة ، كم فيها من عبر عظيمة نحتاجها اليوم ، ونحن نرى حقيقة الجيل الحالي وما يحاك ضده ، وما يحوك لنفسه .
أولا: الإنطباع العام: في هذه القصة فائدة الانطباع العام ، لماذا أشار القوم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لكي يغيث المظلوم الذي اكل حقه ؟ ببساطة ، أقول: إنه الانطباع العام المأخوذ على رسول الله في أنه يحمل صفات الخير ومنها: العدل ، والشخصية، القوة ، المكانة الاجتماعية، وغيرها ، ولولا هذا الإنطباع لما أشاروا ( كلهم ) إلى رجل بعيد ليس ممن يجلس معهم فيفتخروا به ، لأنهم لا يملكون ما يملك.
فما هو الإنطباع المتحكم في عقول الناس عنك ؟ أيها الشاب ؟ بماذا توصف ؟ وماذا يقول الناس عنك ؟ سواء وأنت بين أظهرهم أو بعد غيابك بسفر أو موت أو انقطاع ؟ هل الإنطباع عنك أنك تقي نقي قوي عادل ....إلخ ؟ أم أنك خبيث لئيم حقير ظالم متكبر جبان.....إلخ ؟ اسأل نفسك ، فمن هم الشباب الذين ترتجى نهضة المسلمين منهم ؟ أهم الفريق الأول أم الثاني .......اسأل نفسك؟ ثم اسأل نفسك مرة أخرى ..... هل لك في رسول الله أسوة حسنة ؟
و لا ربما مجيب يقول إني ولله الحمد من الصنف الثاني ، صنف النهضة، فأقول لك هنيئا لك ، وأنت على الخير.... وأمامك المشوار ، مشوار النهضة .
ولا ربما مجيب ثان يقول إنني من الصنف الثاني وأريد أن أكون من صنف النهضة .... ماذا أفعل ؟ نقول لك الأمر بسيط جوابك في النقطة الثانية.
ثانيا: بيت الله تعالى: صنف النهضة لا يخرج من المجالس العشائرية ، والنوادي الشبابية ،والملاهي الليلية ، صنف النهضة يخرج من المسجد، سواء نهضة فرد أو نهضة أو نهضة بلد .
هل رأيتم عندما أشار الشباب الذين كانوا يجلسون في ناديهم إلى رسول الله ، أين كان يجلس ؟ كان في المسجد .... بل في زاوية المسجد ، في علاقة مع الله ، القوي القادر ، فعندها كان الله معه ، و بالتالي من كان الله معه فمن عليه ؟ معادلة طبيعية .
فأبدأ أخي الحبيب من المسجد ، وأذهب صوبه ، وأرسل أبنائك إليه ليكونوا مع التقوى والعلم من جيل النهضة ، ثم ستكون صاحب الهيبة والعز ستكون ما سيأتيك في النقطة الثالثة .
ثالثا: هيبة الحق : هيبة النبي ، هيبة ابن المسجد ، هيبة جيل النهضة ، نعم هذه نتيجة طبيعية لأهل المسجد ، من تعلقوا بالله تعالى ، وكانوا معه فكان معهم ( إن الله مع الذين اتقوا ......) أليس كذلك؟ ثم ستستخدم لإصلاح الآخرين والنهوض بهم وسيلة عملية فريدة من نوعها وهي ما سيأتي في النقطة الرابعة .
رابعا: الصدق من شيم الرجال : نعم الرجال ... أيا كانوا حتى لو كانوا لا يحملون التقوى يجب أن يتعاملوا بصدق معك ، أو على الأقل أن تتعامل معهم بذلك ، لو صدق العدو لوضح الطريق ، والصديق ، لو صدقوا كما صدق أبو جهل لعلموا حقيقة دعوتنا وديننا ، كما عرف أهل النادي حقيقة النبي يوم أن قص عليهم مجيئه لداره وهيبته صلى الله عليه وسلم .
ولهذا أوصى نبينا وحبيبنا عليه الصلاة والسلام بذلك فقال : ( إن الصدق يهدي إلى البر ) ربما يهدي الآخرين إلى البر حتى لو لم يهد صاحبه نفسه ، وربما يهدي المقابل إلى البر أيا كان مشربه المهم أن الصدق سيلحقه البر إما لجميع الأطراف وإما لطرف دون آخر . فإلى العبر يا جيل النهضة ، من هذه الشذرات.







