الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على رسل الله أجمعين ، عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة وأزكى التسليم ، وبعد :

انتهينا في الحلقات الماضية من سلسلتنا ( سلسلة الهدى والنور ) إلى حقيقة واضحة وساطعة كما الشمس في رابعة النهار ، وهي أن الكتاب المقدس ـ وكما رأينا ـ عمل بشري لا يمثل كلمة الله بحال من الأحوال ، وعليه فلا يصح الاستدلال به على أي من العقائد أو الأحداث الهامة ، ومن ذلك الصلب والفداء .

وتنزلًا مع النصارى في الحوار ، ورغبة في عدم غلق هذا الباب نعود لطرح سؤالين هامين ، أحدهما تاريخي ، والآخر عقدي ، أولهما  : هل صلب المسيح ÷ كما تذكر الأناجيل ، وكما تجمع الفرق النصرانية المعاصرة ؟

والسؤال الثاني ، وهو متعلق بالسؤال الأول ، ونطرحه جدلًا ـ إن قلنا بصلب المسيح ـ  : فهل كان صلبه فداء لنا وللبشرية ؟ 

وتثور تبعًا لهذا السؤال أسئلة كثيرة : مم الخلاص ؟ من دينونة جهنم أم من نكد الدنيا وعثراتها ؟ وهل الخلاص متعلق بذنب أبوينا ( آدم وحواء ) فقط أم يسري إلى كافة ذنوبنا وخطايانا ؟ وهل الخلاص مشروط أم أنه منحة محبة من الله ومسيحه ، وهي أعظم من أن يطلب لها مقابل ؟

ثم هل الخلاص لليهود الذين اختص المسيح بهم في رسالته أم يمتد ليشمل الجنس البشري الذي ولد مسربلًا بالخطيئة ؟

هذه الأسئلة وغيرها نجيب عنها في حلقتنا الرابعة من سلسلة الهدى والنور ، ونجملها في سؤال يلُم شعثها : هل افتدانا المسيح على الصليب ؟

نجيب عنه بموضوعية ومنهجية علمية ، نقلب صفحات الأسفار المقدسة عند النصارى ، ونحتكم وإياهم إلى العقل المجرد والفطرة السوية ، مستشهدين بدلالة التاريخ وحكمة عقلائه من النصارى .

اللهم اهدنا لما اختلفنا فيه من الحق بإذنك ، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم .

 

د . منقذ بن محمود السقار

مكة المكرمة ـ شعبان ـ 1424هـ 
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


صلب المسيح عند النصارى 
يعتبر النصارى حادثة صلب المسيح أحد أهم أحداث المعمورة ، حيث يعتقدون أن الله أنزل ابنه السيد المسيح ، ليموت على الصليب ليطهر البشر من أغلال خطيئة أبيهم آدم ، بل وخطاياهم جميعًا . 

وتؤكد الأناجيل ـ في إصحاحات مطولة ـ صلب المسيح ، ذاكرةً الكثير من تفاصيل القبض عليه ، ومحاكمته ، وصلبه ، ثم دفنه ، ثم قيامته ، فصعوده إلى السماء. 

ومما يؤكد أهمية مسألة الصلب في الفكر النصراني أن النصارى يرون أن تجسد الإله في المسيح ، هذا الحدث العظيم ، إنما كان من أجل أن يصلب الإله ، ويصور هذا الكاثوليكي الشهير توماس الأكويني ( الملقب بالدكتور الملائكي ) فيقول : « توجد آراء مختلفة ، فيزعم البعض أن ابن الله كان سيتجسد حتى لو لم يخطئ آدم ، ويرى البعض خلاف ذلك ، ويبدو من الأصوب الانتماء إلى الرأي الثاني .. الكتاب يقول لنا دائمًا : إن خطية الإنسان الأول هي الدافع لتجسد ابن الله ، وعليه يظهر أن هذا السر إنما رتبه الله كدواء للخطيئة ؛ بحيث إنه لولا الخطيئة لما كان التجسد » ([1]) .

ويصور الكاردينال الإنجليزي منينغ أهمية حادثة الصلب في كتابه ( كهنوت الأبدية ) فيقول : « لا تخفى أهمية هذا البحث الموجب للحيرة ، فإنه إذا لم تكن وفاة المسيح صلبًا حقيقية ، فحينئذ يكون بناء عقيدة الكنيسة قد هدم من الأساس ، لأنه إذا لم يمت المسيح على الصليب ، لا توجد الذبيحة ، ولا النجاة ، ولا التثليث .. فبولس والحواريون وجميع الكنائس ، كلهم يدعون هذا ، أي أنه إذا لم يمت المسيح لا تكون قيامة أيضًا » . 

ويقول جوردن مولتمان في كتابه ( الإله المصلوب )  : « إن وفاة عيسى على الصليب هي عصب كل العقيدة المسيحية ، إن كل النظريات المسيحية عن الله ، وعن الخليقة ، وعن الخطيئة ، وعن الموت ، تستمد محورها من المسيح المصلوب » ([2]) .

وهذا ما أكد عليه بولس حين ألغى دور الناموس معتمدًا على أن المسيح صلب مكفرًا بصلبه الخطيئة ، فافتدانا بذلك من لعنة الناموس ، فيقول : « وإن لم يكن المسيح قد قام ، فباطل كرازتنا ، وباطل أيضًا إيمانكم » ( 1 كورنثوس 15: 14) .

وعليه نرى جليًا أهمية هذا الحدث التاريخي في الفكر النصراني ، إذ يعتبره النصارى المحور الذي تدور حوله الحياة الإنسانية على وجه هذه البسيطة .

 

 
صلب المسيح عند المسلمين
وأما الرأي الإسلامي فيتلخص في أن المسيح ÷ لم يصلب كما يدعي اليهود والنصارى . 

وقد استند المسلمون ـ في هذا الرأي المخالف لما أجمعت عليه الأناجيل ـ إلى آيات القرآن الكريم وهي تقرر ذلك .

فقد أشارت الآيات إلى المؤامرة التي جرت للمسيح ، وقررت أمورًا يلحظها قارئ الآيات ، فقد تحدثت الآيات عن نجاة المسيح من مؤامرة أعدائه ، فقد قال الله تعالى ـ في معرض تعداده لنعم الله على المسيح ـ : ﴿ وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنكَ﴾ [المائدة : 110 ] .

وذلك ولا ريب في ذلك اليوم العصيب الذي جرت فيه مؤامرة الرومان مع اليهود بغية قتل المسيح وصلبه ÷ ، ولكن الله مكر بهم فلم تفلح المؤامرة ﴿وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [ آل عمران : 54 ] ، فقد أنجى الله نبيه ـ المسيح ـ من مؤامرتهم وكيدهم .

وتخبر الآيات عن بعض ملامح هذه المؤامرة التي حاكها اليهود ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً بَل رَّفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ [ النساء : 157-158 ] .

وثمة آية أخرى تشير إلى رفعه ونجاته ، وهي قوله تعالى : ﴿ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ﴾  [ آل عمران : 55 ] . 

كما أشارت الآيات إلى نجاته في قوله : ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [ آل عمران  : 46 ] ، والمعلوم أن المسيح رفع وهو في الثلاثينيات من عمره، والكهولة في اللغة مقترنة بالمشيب ، ولما يدركه المسيح حال وجوده الأول ، فدل على أنه سيعيش ويبلغ الكهولة ، ويكلم الناس حينذاك ، ولو صرفت عن هذا المعنى لما بقي لذكر الكهولة ـ وكلامه فيها ـ وجه ، إذ ذكرت بين معجزات المسيح ، والكلام في الكهولة كل أحد يطيقه ، ولا معجزة في ذلك . 

وقد ذكر القرآن في آية أخرى إشارة إلى نزوله عليه الصلاة والسلام في آخر الزمان وهي قوله تعالى : ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ [ الزخرف : 61 ] .

ومثله قوله تعالى : ﴿وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً﴾ [ النساء  : 159 ] .

ولا تذكر النصوص القرآنية ولا النبوية أي تفصيل عن كيفية نجاة المسيح ، لذا فقد حاول المحققون المسلمون تلمس الحقيقة التي أخبر عنها القرآن في النقول التي نقلها إلينا مسلمة أهل الكتاب أو نقبوا بحثًا عن الحقيقة في طيات أسفار أهل الكتاب ، بحثًا عن هذه الكيفية التي نجى بها السيد المسيح من مؤامرة اليهود .

ولقد أفاد القرآن الكريم وقوع الصلب ، ولكن على غير المسيح ، وبين القرآن جهل اليهود وغيرهم بحقيقة المصلوب واختلافهم في شخصه ، لما وقع من شبه المسيح عليه ، وذلك في قوله تعالى : ﴿ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ ﴾  [ النساء : 157 ] . فالشك في الآية منصرف إلى شخصية المصلوب ، ولم يحدد القرآن شخص هذا المصلوب ، لكنه أكد على نجاة المسيح عليه الصلاة والسلام ورفعه للسماء ﴿ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً  بَل رَّفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ ﴾   [ النساء : 157-158 ] .

إذًا القرآن ناطق بنجاة المسيح من مكر الماكرين ، ورفعه إلى السماء ، وأن أعداءه الذين أرادوا صلبه وقعوا في الشك وأخذوا غيره فصلبوه ، فرفع الله المسيح ÷ ، ولسوف يعود قبيل الساعة ، فيكون مجيئه علامة على قرب انقضاء الدنيا ج .

أهمية إبطال صلب المسيح عند المسلمين :

يعتقد المسلمون أن الأنبياء كسائر البشر يموتون ، وقد يكون موتهم قِتلةَ ، ويحكي القرآن عن بني إسرائيل بأنهم كانوا يقتلون الأنبياء بغير حق ، وعليه فلا حرج عندنا في موت نبي بأي قتلة قتله بها سفهاء قومه ومجرموهم ، فالقتل لا يضير النبي المقتول ، بل هو من اصطفاء الله له ، إذ هو شهادة في سبيل الله ودينه . 

فلماذا ذكر القرآن نجاة المسيح ، وأصر على تكذيب النصارى في هذه المسالة؟ 

إن القرآن الكريم ذكر نجاة المسيح لمجرد إثبات الحقيقة ، وإثبات ضعف وعجز اليهود عن بلوغ مرامهم ، والمسلمون حين يتحدثون عن نجاة المسيح إنما يريدون إثبات هذه الحقيقة التي بشر بها كتابهم .

وأيضًا أدرك المسلمون الخطر التي تركته حادثة الصلب ، والتي تحولت من حدث تاريخي إلى عقيدة عظيمة الشأن عند النصارى ، فتقويضها يعني خواء النصرانية عن كل معنى ، لذا يؤكد العلامة ديدات أن النصرانية لا تستطيع أن تقدم للناس أي فضيلة ، سوى ما تزعمه من الخلاص بدم المسيح ، فهي مثلًا لا تستطيع أن تقدم لنا نحن المسلمين الكرم أو النظافة أو ... فإذا ما بطل صلب المسيح ، لم يبق للنصرانية مبرر للدعوة والوجود .

وفي الآثار العقدية السلبية لفكرة الصلب ما يجعلها هدفًا للمسلمين ينبغي التركيز عليه ، ومن هذه الآثار الاضطراب في نظرة المسيحية للإله . 

فقد ظهر في القرن الثاني الميلادي تلميذ شهير لبولس ، اسمه مركيون (مرقيون)، وكان يعتقد بأن إله اليهود الذي أعطى الناموس لموسى ، وخالق العالم كان شريرًا ، وأما إله المحبة فقد ظهر في المسيح ، وهو معارض تمامًا لخالق العالم . 

ويتصور مركيون محاكمة من المسيح لخالق العالم ورب السماوات والأرض ، فيقول : « نزل يسوع إلى رب المخلوقات في هيئة لاهوته ، ودخل معه في قصاص بسبب موته على الصليب قتلًا .. قال له يسوع : إن الدينونة بيني وبينك ، لا تدع أي شخص آخر يكون قاضيًا ، إنما شرائعك ذاتها تقضي لي .. ألم تكتب في ناموسك أن من قتل يقتل ؟

وعندئذٍ أجاب ( إله المخلوقات ) : لقد كتبت هذا .. قال له يسوع : سلم نفسك إذن ليدي .. قال خالق العالم : لأني قد ذبحتك ، فإني أعطيك عوضًا ، كل أولئك الذين يؤمنون بك ، تستطيع أن تفعل بهم ما يرضيك . 

عندئذٍ تركه يسوع ، وحمل بولس بعيدًا ، وأراه الثمن ، وأرسله ليكرز بأننا اشتُرينا بهذا الثمن ، وأن كل من يؤمن بيسوع قد بيعوا عن طريق هذا الإله العادل إلى الإله الطيب » ([3]) .

فهذا الشطط في المعتقد إفراز طبيعي متجدد . يسببه تناقض العدل والرحمة ، وأما القول بنجاة المسيح من القتل فيضع الأمور في ميزانها الصحيح ، فتعبد البشرية ربها ، وهي موقنة بأنها تعبد الرب العفُوّ الرحيم الكريم . 

وقصة النصارى في الخطيئة والفداء والشريعة يشبهها الأستاذ محمد حسن عبد الرحمن بقصة ملك تمرد عليه شعبه ، فأرسل إليهم رسلًا يدعونهم إلى الخير والرجوع لسلطانه والإذعان لقوانين العدل والسلام التي وضعها . 

لكن هؤلاء قتلوا رسله واستهزءوا بهم ، وزادوا عتوًا ، فزاد غضب الملك عليهم ، ثم ما لبث الملك أن أصدر قرارًا بأنه سيبعث ابنه الوحيد ليضربوه ويقتلوه ويهينوه كفارة عن معاصيهم ، فمن صدق ذلك فهو عنده الكريم المغفور له .

كما أصدر أمرًا آخر بإلغاء كل قوانين العدل والرخاء السابقة . 

وأصدر أمرًا باعتبار الرضا بالقرارات السابقة كافيًا للحكم على الراضي بأنه مواطن صالح مهما ارتكب من آثام وموبقات وجرائم . 

وقد كانت حيثيات هذا القرار : أن الملك عادل ، ومن عدله يقتص من المجرمين المخربين المفسدين في مملكته ، ولكنه حبًا لهم ، وحتى لا يهلك كل من في المملكة رضي بأن يقتص من ابنه الوحيد البريء ، الذي يعدل القصاص منه كل جرائم شعبه ، وأمر بأن يعذب ثم يصلب . فما رأي النصارى بهذا الملك ؟ 

ومثل هذا الملك لا يقال في حقه عادل أو ظالم.. 

هذه كما يرى الأستاذ محمد حسن هي صورة الإله الذي تريد النصرانية المحرفة 
أن نعبده ([4]) .

وعقيدة الصلب والخطيئة والفداء وما تعلق بها سبب لنفور الناس من الدين وانتشار الإلحاد ، إذ لم يرضَ الناس بعبادة رب ظالم ، أو رب مصلوب كالذي تريد الكنيسة من الناس أن يعبدوه .

ولعل من صور هذا الشطط ما نراه من انتشار الإلحاد الذي سببته عقيدة موت الإله بسبب الفداء كما قال نيتشه : « إن كان من شأن فكرة الله أن تسقط ضلال الخطيئة على براءة الأرض ، فإنه لابد للمؤمنين بالحس الأرضي أن يهووا بمعاولهم على تلك الفكرة » . 

ويقول : « طوبى لأتقياء القلب ، لأنهم لا يعاينون الله .. لقد صرنا بشرًا ، ولهذا فإننا لا نريد إلا ملكوت الأرض ، إلى أين مضى الله ؟ سأقول لكم إلى أين مضى ؟ لقد قتلناه ، أنتم وأنا ، أجل ، نحن الذين قتلناه ، نحن جميعًا قاتلوه ، ألا تشمون رائحة العفن الإلهي ؟ إن الآلهة أيضًا تتعفن ، لقد مات الله وسيظل ميتًا » ([5])  .

بل إن سذاجة فكرة الخطيئة والفداء وغرابتها جعلها محلًا للسخرية والهزء كما يقول ج.ر سنوت في كتابه ( المسيحية الأصلية ) : « ومن المدهش أن هذه القضية الخاصة بيسوع ابن الله ليس محبوبًا في العصر الحاضر ، ويقال عن حمله خطايانا ، ورفعه قصاصها عنا : إنه عمل غير عادل وغير أدبي وغير لائق ، ويمكن تحويله إلى سخرية وهزء » ([6]) .

 
نقد الروايات الإنجيلية لحادثة الصلب
 تناقل النصارى روايات صلب المسيح جيلًا بعد جيل ، حتى إذا جاء القرن الميلادي السابع ، أعلن محمد غ بطلان وقوع الصلب على المسيح .
ويتساءل النصارى كيف له أن يقول ذلك ، وأن يكذب الحواريين وشهود العيان الذين سجلوا لنا بشهاداتهم الخطية ما رأوه ؟ 

فالأناجيل التي كتبها الإنجيليون الأربعة هي برهان القوم لو سئلوا ، وقيل لهم : ﴿ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾  [ البقرة : 111 ] ، فالكتاب المقدس وفي أكثر من ألف لغة إنسانية يتحدث عن صلب المسيح . وهذا هو البرهان . 

ويرى العلامة ديدات أنه يفرض علينا تفحص هذا البرهان ، والنظر في حال الشهود الأربعة الذين يشهدون بوقوع صلب المسيح . 

وهنا يسجل ديدات أول ملاحظات المسلمين على الشهود ، وهي أن اثنين من الشهود الأربعة لم يروا المسيح ، ولم يكونوا من تلاميذه ، فكيف يعتبرون شهودًا ؟ ويقصد مرقس ولوقا . 

والملاحظة الثانية : أن شهود الإثبات جميعًا لم يحضروا الواقعة التي يشهدون فيها ، كما قال مرقس : « فتركه الجميع وهربوا » ( مرقس 14: 50 ) ، ومثل هذه القضية لو عرضت على أي محكمة متحضرة لسارعت إلى رد شهادة هؤلاء الشهود في أقل من دقيقتين . 

ثم هذه الشهادة مسجلة على أكثر من خمسة آلاف مخطوط يتفاخر بكثرتها النصارى ، ولا يوجد منها مخطوطتان متطابقتان ، ثم لو تطابقت جميعها ، فإن أيًا منها لم يسجَّل بخط مؤلفه ، وإن نُسب إليه ([7]) .

يقول اينوك باول في كتابه ( تطور الأناجيل )  : « قصة صلب الرومان للمسيح لم تكن موجودة في النص الأصلي للأناجيل . وقد استند في ذلك على إعادته ترجمة نسخة متى اليونانية ، فتبين له أن هناك أجزاء وردت مكررة في هذا الإنجيل ، مما يوحي بأنه أعيدت كتابتها في مرحلة تالية » ([8]) .

ومن التغيرات التي لاحظها علماء الغرب في مخطوطات الكتاب وهي تتحدث عن الصلب أنه قد تمت إضافة أجزاء للقصة حسب رؤية النساخ وتقديرهم ، فقد جاء في مرقس : « وفي اليوم الأول من الفطير ، حين كانوا يذبحون الفصح ، قال له تلاميذه : أين تريد أن نمضي ونعد لتأكل الفصح ؟ فأرسل اثنين من تلاميذه ، وقال لهما : اذهبا إلى المدينة ، فيلاقيكما إنسان حامل جرة ماء اتبعاه .. » ( مرقس 14: 12-16 ) .

 ويرى دنيس نينهام مفسر مرقس في تفسيره (ص : 376) أن أغلب المفسرين يعتقدون أن هذه الفقرات أضيفت فيما بعد لرواية مرقس . وأنهم قد استندوا لأمرين : أولهما : أنه وصف اليوم الذي قيلت فيه القصة بأسلوب لا يستخدمه يهودي معاصر للمسيح . والثاني : أن كاتب العدد 17 « ولما كان المساء جاء مع الإثني عشر .. » ( مرقس 14: 17 ) فهو يتحدث عن جلوس المسيح مع تلاميذه الإثني عشر ، وهو لا يعلم شيئًا عن رحلة اثنين منهم [ بطرس ويوحنا حسب لوقا 22: 8 ] لإعداد الفصح ، فلو كان كاتب العدد 17 يعلم محتويات تلك الفقرة , لكان عليه أن يتحث عن العشرة، وليس عن الاثني عشر, أي أن العدد 17 كان يجب أن يقرأ هكذا : ( ولما كان المساء جاء مع العشرة ) . 

ومن التلاعب الذي تعرضت له نسخ الأناجيل أيضًا ؛ ما ذكره جورج كيرد شارح إنجيل لوقا ، فقد جاء في لوقا أن المسيح قال على الصليب : « يا أبتاه اغفر لهم، لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون » ( لوقا 23: 33 -34 ) ، ولم يذكرها غيره من الإنجيليين، كما أغفلتها بعض المخطوطات الهامة للوقا ، يقول كيرد (ص : 251) : «لقد قيل إن هذه الصلاة ربما تكون قد محيت من إحدى النسخ الأولى للإنجيل بواسطة أحد كتبة القرن الثاني ، الذي ظن أنه شيء لا يمكن تصديقه أن يغفر الله لليهود، وبملاحظة ما حدث من تدمير مزدوج لأورشليم في عامي 70م و 135م صار من المؤكد أن الله لم يغفر لهم » ([9]) .

أولاً: تناقضات روايات الصلب في الأناجيل :

وتتحدث الأناجيل الأربعة ـ وهي المصدر الأساس لقصة الصلب ـ عن تفاصيل كثيرة في رواية الصلب ، والمفروض لو كانت هذه الروايات وحيًا كما يدعي النصارى، أن تتكامل روايات الإنجيليين الأربعة وتتطابق .

ولكن عند تفحص هذه الروايات نجد كثيرًا من التناقضات والاختلافات التي لا يمكن الجمع بينها ، ولا جواب عنها إلا التسليم بكذب بعض هذه الروايات ، أو تكذيب رواية متى في مسألة ، وتكذيب مرقس في أخرى .. 

هذه التناقضات جعلت الكاتب الوثني القديم بورمزي ؟؟؟ يندفع للقول: «لقد كان الإنجيليون كُتاب خيال، ولم يكونوا مراقبين أو شهود عيان على حياة المسيح، كل من الأربعة يتناقض في رواياته عن أحداث معاناته وصلبه»([10]).

من هذه التناقضات :

 

هل ذهب رؤساء الكهنة للقبض على المسيح ؟

 مَن الذي ذهب للقبض على يسوع ؟ يقول متى : « جمع كثير بسيوف وعصي من عند رؤساء الكهنة وشيوخ الشعب » ( متى 26: 52 ) ، وزاد مرقس بأن ذكر أن من الجمع الكتبةَ والشيوخ ( انظر مرقس 14: 43 ) ، فيما ذكر يوحنا أن الآتين هم جند الرومان وخدم من عند رؤساءَ الكهنة ( انظر يوحنا 18: 3 ) ولم يذكر أي من الثلاثة مجيء رؤساء الكهنة ، ولو كانوا قد حضروا لما صح إغفال ذكرهم مع الحاضرين ، فهم ليسوا أقل أهمية من الكتبة والشيوخ والدهماء .

ولكن لوقا ذكر أن رؤساء الكهنة جاءوا بأنفسهم للقبض على المسيح إذ يقول : « قال يسوع لرؤساء الكهنة وقواد جند الهيكل والشيوخ المقبلين عليه » ( لوقا 22: 52 )  فالتناقض بين لوقا والباقين ظاهر . 

متى حوكم المسيح في مجمع اليهود ؟

 وتذكر الأناجيل محاكمة المسيح في مجمع اليهود ، وتتفق في وصف الكثير مما جرى في أثناء المحاكمة ، كاستفسار كبير الكهنة عن شخص الماثل بين يديه ، وإجابته له أن ابن الإنسان عن يمين قوة الله ، وأنه سوف يأتي في سحاب السماء . ( انظر لوقا 22: 67-69 ، ومرقس 14: 61-63 ، ومتى 26: 63-64) .

ولكنهم اختلفوا في موعد هذه الجلسة من جلسات المحاكمة ، إذ يجعلها لوقا صباح الليلة التي قبض عليه فيها فيقول : « ولما كان النهار اجتمعت مشيخة الشعب رؤساء الكهنة والكتبة ، وأَصعدوه إلى مجمعهم قائلين : إن كنت أنت المسيح فقل لنا ؟ ... » ( لوقا 22: 66-67 ) . 

وأما الإنجيليون الثلاثة فإنهم يجعلون هذه المحاكمة في ليلة القبض عليه ، فيقول مرقس : « فمضوا بيسوع إلى رئيس الكهنة ، فاجتمع معه جميع رؤساء الكهنة والشيوخ والكتبة ... » ( مرقس 14: 53 ) ( وانظر : متى 26: 57 ، ويوحنا 18: 3 ) . 

كم مرة سيصيح الديك ؟

وتبع بطرس المسيح من بعيد ليرى محاكمته ، وقد أخبره المسيح بأنه سينكره في تلك الليلة ثلاث مرات قبل أن يصيح الديك مرتين حسب مرقس « قبل أن يصيح الديك مرتين تنكرني ثلاث مرات » (مرقس 14: 72 ) ومَرةً حسب الثلاثة ، يقول لوقا : « قبل أن يصيح الديك تنكرني ثلاث مرات » (لوقا 22: 60) ( انظر : متى 26: 74 ، يوحنا 18: 27 ) وقد ذكر الثلاثة خلال القصة صياحًا واحدًا فقط ، خلافًا لما زعمه مرقس ، فقد ذكر صياحين للديك .

أين تعرفت الجارية على بطرس أول مرة ؟ 

وأثناء متابعة بطرس للمحاكمة تعرف بعض الموجودين في المحاكمة عليه ، وعرفوا أنه من أتباع المسيح ، مما اضطر بطرس لإنكار ذلك ثلاث مرات .

وتتفق الأناجيل في أنه تعرفت عليه في المرة الأولى جارية ، وتختلف في تحديد المكان الذي تعرفوا فيه على بطرس ، فيذكر متى ويوحنا أنه كان حينذاك خارج الدار « وأما بطرس فكان جالسًا خارجًا في الدار . فجاءت إليه جارية قائلة : وأنت كنت مع يسوع الجليلي » ( متى 26: 69 ، 75) .

وذكر مرقس ولوقا أنه كان داخل الدار يستدفئ من البرد ، يقول مرقس : « بينما كان بطرس في الدار أسفل جاءت إحدى جواري رئيس الكهنة . فلما رأت بطرس يستدفئ نظرت إليه وقالت : وأنت كنت مع يسوع الناصري » (مرقس 14: 66) ، وفي لوقا : « ولما أضرموا نارًا في وسط الدار وجلسوا معًا جلس بطرس بينهم . فرأته جارية جالسًا عند النار ، فتفرست فيه وقالت : وهذا كان معه .. » ( لوقا 22: 55-56 ) ، فهل كان بطرس داخل الدار أم خارجها ؟ 

كما نلحظ اختلافًا ثانيًا بين الأناجيل في الفعل الذي كان يصنعه بطرس حين تعرفت الجارية عليه ، فقد ذكر الإنجيليون الثلاثة أنه كان جالسًا عند النار يستدفئ ، فخالفوا يوحنا الذي أخبرنا أن الجارية تعرفت عليه عند البوابة ، فهذه الجارية مسؤولة عن البوابة ، وقد صرح به يوحنا حين أخبرنا أن تلميذًا من تلاميذ المسيح توسط لبطرس عند رئيس الكهنة ليدخله إلى الدار ، « فأدخل بطرس ، فقالت الجاريةُ البوابةُ لبطرس : ألست أنت أيضًا من تلاميذ هذا الإنسان ؟ » ( يوحنا 18: 17) ، إذًا اكتشف أمر بطرس عند البوابة ، خلافًا لما ذكره الإنجيليون الثلاثة الذين أخبرونا بأنه كان جالسًا عند النار .

من الذي تعرف على بطرس في المرة الثانية والثالثة ؟

وأما المرة الثانية ، فقد تعرفت عليه حسب مرقس نفس الجارية التي تعرفت عليه في المرة الأولى ، يقول : « فرأته الجارية أيضًا ، وابتدأت تقول للحاضرين : إن هذا منهم » ( مرقس 14: 69) .

ولكن حسب متى فإن الذي تعرف عليه جارية أخرى غير الأولى « ثم إذ خرج إلى الدهليز رأته أخرى فقالت للذين هناك : وهذا كان مع يسوع الناصري » ( متى 26: 71 ) .

ويخالفهما جميعًا لوقا الذي ذكر أن الذي تعرف عليه هذه المرة رجل من الحضور وليس جارية ، فيقول : « وبعد قليل رآه آخر وقال : وأنت منهم ، فقال بطرس: يا إنسان ، لست أنا » (لوقا 22: 58) .

ويحاول يوحنا الخروج من الخلاف والجمع بين الأقوال المتناقضة للثلاثة الذين سبقوه ، فيستعير قصة الإنكار الثالث لبطرس حين أشار جمع إليه ، فيجعلها في الإنكار الثاني ، فيقول : « سمعان بطرس كان واقفًا يصطلي ، فقالوا له : ألست أنت أيضًا من تلاميذه ؟ فأنكر ذاك ، وقال : لست أنا » (يوحنا 18: 25) .

وهذه الصيغة في التعرف على بطرس بواسطة الجموع ذكرها مرقس ومتى في سياق الإنكار الثالث ، حيث يقول مرقس : « وبعد قليل أيضًا قال الحاضرون لبطرس: حقًا أنت منهم ، لأنك جليلي أيضًا ، ولغتك تشبه لغتهم . فابتدأ يلعن ويحلف : إني لا أعرف هذا الرجل الذي تقولون عنه » (مرقس 14: 70-71) .

وكذا ذكرها متى في الإنكار الثالث ، فقال : « بعد قليل جاء القيام وقالوا لبطرس : حقًا أنت أيضًا منهم ، فإن لغتك تظهرك ، فابتدأ حينئذ يلعن ويحلف : إني لا أعرف » ( متى 26: 73-74) .

وأما لوقا ويوحنا فجعلا المتعرف على بطرس هذه المرة ( الثالثة ) رجل واحد، وليس مجموعة من الموجودين في المحكمة ، يقول لوقا : « ولما مضى نحو ساعة واحدة أكّد آخر قائلًا : بالحق إن هذا أيضًا كان معه ، لأنه جليلي أيضًا ، فقال بطرس : يا إنسان لست أعرف ما تقول » ( لوقا 22: 59-60 ) .

ويصادق على كلامه يوحنا ، فيذكر أن هذا الرجل أحد عبيد رئيس الكهنة « قال واحد من عبيد رئيس الكهنة ، وهو نسيب الذي قطع بطرس أذنه : أما رأيتك أنا معه في البستان ؟ فأنكر بطرس أيضًا » ( يوحنا 18: 26 ) .

فهل الذي تعرف على بطرس في المرة الثانية نفس الجارية ؟ أم جارية أخرى ؟ أم رجل ؟ وهل أنكر بطرس المسيح في المرة الثالثة بسبب تعرف الجمع على لهجته ؟ أم بسبب عبد رئيس الكهنة الذي رأى بطرس في البستان مع تلاميذ المسيح ؟

ويعترف بهذا التضارب بين الروايات الأب متى المسكين ، فيقول : « أقوال القديس لوقا اختلفت عن أقوال القديس مرقس في المضمون وأنواع الأفراد الذين تصدوا لبطرس وأسباب كل مرة » ([11]) .

من الذي حمل الصليب المسيح أم سمعان ؟

وصدر حكم بيلاطس بصلب المسيح ، وخرج به اليهود لتنفيذ الحكم ، وفيما هم خارجون لقيهم رجل يقال له سمعان ، فجعلوه يحمل صليب المسيح يقول مرقس : « ثم خرجوا لصلبه ، فسخروا رجلًا مجتازًا كان آتيًا من الحقل ، وهو سمعان القيرواني أبو الكسندروس وروفس ليحمل صليبه » ( مرقس 15: 20-22 ) و( انظر : متى 27: 32 ، لوقا 23: 26 ) . 

لكن يوحنا يخالف الإنجيليين الثلاثة ، فيجعل المسيح حاملًا لصليبه بدلًا من سمعان ، يقول يوحنا : « فأخذوا يسوع ومضوا به ، فخرج وهو حامل صليبه إلى الموضع الذي يقال له : الجمجمة » ( يوحنا 19: 17) ، ولم يذكر يوحنا شيئًا عن سمعان القيرواني ، فمن الذي حمل الصليب ، سمعان أم المسيح ÷ ؟

نهاية يهوذا :

ويتحدث العهد الجديد عن نهايتين مختلفتين للتلميذ الخائن يهوذا الأسخريوطي الذي خان المسيح ، وسعى في الدلالة عليه وتسليمه مقابل ثلاثين درهمًا من الفضة ، فيقول متى : « لما رأى يهوذا الذي أسلمه أنه قد دين ندم وردّ الثلاثين من الفضة إلى رؤساء الكهنة والشيوخ ، قائلًا : قد أخطأت ، إذ سلمت دمًا بريئًا . فقالوا : ماذا علينا ؟ أنت أبصر . فطرح الفضة في الهيكل وانصرف ، ثم مضى وخنق نفسه ، فأخذ رؤساء الكهنة الفضة ، وقالوا : لا يحل أن نلقيها في الخزانة ، لأنها ثمن دم . فتشاوروا واشتروا بها حقل الفخاري مقبرة للغرباء . لهذا سمي ذلك الحقل حقل الدم إلى هذا اليوم » ( متى 27: 2-5 ) .

ولكن سفر أعمال الرسل يحكي نهاية أخرى ليهوذا وردت في سياق خطبة بطرس، حيث قال : « أيها الرجال الإخوة ، كان ينبغي أن يتم هذا المكتوب الذي سبق الروح القدس فقاله بفم داود عن يهوذا الذي صار دليلًا للذين قبضوا على يسوع ، إذ كان معدودًا بيننا ، وصار له نصيب في هذه الخدمة ، فإن هذا اقتنى حقلًا من أجرة الظلم ، وإذ سقط على وجهه انشق من الوسط ، فانسكبت أحشاؤه كلها ، وصار ذلك معلومًا عند جميع سكان أورشليم ، حتى دعي ذلك الحقل في لغتهم حقل دما ، أي حقل دم » ( أعمال 1: 16-20) .

فقد اختلف النصان في جملة من الأمور :

 كيفية موت يهوذا ، فإما أن يكون قد خنق نفسه ومات « ثم مضى وخنق نفسه » ، وإما أن يكون قد مات بسقوطه ، حيث انشقت بطنه وانسكبت أحشاؤه فمات « وإذ سقط على وجهه انشق من الوسط فانسكبت أحشاؤه كلها » ، ولا يمكن أن يموت يهوذا مرتين ، كما لا يمكن أن يكون قد مات بالطريقتين معًا ، ويجدر هنا أن نذكر أن المؤرخ الأسقف بابياس ( 155م ) ذكر أن يهوذا مات دهسًا بعربة فانسكبت أحشاؤه!

 من الذي اشترى الحقل ، هل هو يهوذا « فإن هذا اقتنى حقلًا من أجرة الظلم » ، أم الكهنة الذين أخذوا منه المال « فتشاوروا واشتروا بها حقل الفخاري » ؟

 هل مات يهوذا نادمًا « لما رأى يهوذا الذي أسلمه أنه قد دين ندم .. قد أخطأت ، إذ سلمت دمًا بريئًا » أم معاقبًا بذنبه كما يظهر من كلام بطرس ؟

 هل رد يهوذا المال للكهنة « وردّ الثلاثين من الفضة إلى رؤساء الكهنة والشيوخ » ، أم أخذه واشترى به حقلًا « فإن هذا اقتنى حقلًا من أجرة الظلم » ؟

 هل كان موت يهوذا قبل صلب المسيح وبعد المحاكمة « ودفعوه إلى بيلاطس البنطي الوالي ، حينئذ لما رأى يهوذا الذي أسلمه أنه قد دين ندم .. فطرح الفضة في الهيكل وانصرف ثم مضى وخنق نفسه » أم أن ذلك كان فيما بعد ، حيث مضى واشترى حقلًا ثم مات في وقت الله أعلم متى كان ؟

 هل سمي الحقل حقل دم لأنه كان ثمنًا لدم المسيح « فأخذ رؤساء الكهنة الفضة وقالوا : لا يحل أن نلقيها في الخزانة ، لأنها ثمن دم ، فتشاوروا واشتروا بها حقل الفخاري مقبرة للغرباء ، لهذا سمي ذلك الحقل حقل الدم إلى هذا اليوم » ، أم سمي بذلك لأن دم يهوذا قد سال فيه لما انشق بطنه « فإن هذا اقتنى حقلا من أجرة الظلم ، وإذ سقط على وجهه انشق من الوسط ، فانسكبت أحشاؤه كلها ، وصار ذلك معلومًا عند جميع سكان أورشليم ، حتى دعي ذلك الحقل في لغتهم حقل دما ، أي حقل دم » .

ما موقف المصلوبَيْنِ من جارهما على الصليب ؟

وتتحدث الأناجيل عن تعليق المسيح على الصليب ، وأنه صلب بين لصين أحدهما عن يمينه ، والآخر عن يساره ، ويذكر متى ومرقس أن اللصين استهزءا بالمسيح ، يقول متى : « بذلك أيضًا كان اللصّان اللذان صلبا معه يعيّرانه » ( متى 27: 44 ، ومثله في مرقس 15: 32 ) .

بينما ذكر لوقا بأن أحدهما استهزء به ، بينما انتهره الآخر ، ولم يوافقه في استهزائه وسخريته بالمسيح ، يقول لوقا : « وكان واحد من المذنبين المعلقين يجدف عليه قائلًا : إن كنت أنت المسيح فخلّص نفسك وإيانا . فأجاب الآخر ، وانتهره قائلًا: أولا تخاف الله .. فقال له يسوع : الحق أقول لك : إنك اليوم تكون معي في الفردوس » ( لوقا 23: 39-43) .

من الذي طلب ترك المسيح ليحقق المعجزات ؟

ويحدثنا مرقس أن المسيح لما كان على الصليب صرخ يطلب الماء « فركض واحد ، وملأ إسفنجة خلًا ، وجعلها على قصبة ، وسقاه قائلًا : اتركوا ، لنر هل يأتي إيليا لينزله » ( مرقس 15: 36) ، فقائل العبارة السابقة هو ذلك الذي سقى المسيح ، ويوجه خطابه للآخرين قائلًا : « اتركوا ، لنر هل يأتي إيليا لينزله » .

وهذا وصف ناقضه فيه متى حيث كتب : « وللوقت ركض واحد منهم ، وأخذ إسفنجة ، وملأها خلًا ، وجعلها على قصبة وسقاه . وأما الباقون فقالوا : اترك ، لنرى هل يأتي إيليا يخلّصه » (متى 27: 48-49) ، فجعل القائل لتلك العبارة الآخرون ، فقد طلبوا من الذي يسقي المسيح أن يتركه « اترك » ، فمن القائل ؟ ومن المخاطَب؟.

ما آخر ما قاله المصلوب قبل موته ؟

 أما اللحظات الأخيرة في حياة المسيح فتذكرها الأناجيل ، وتختلف في وصف المسيح حينذاك ، فيصور متى ومرقس حاله حال اليائس القانط ينادي ويصرخ : « إلهي إلهي لماذا تركتني » ثم يُسلم الروح . ( متى 27: 46-50 ، ومرقس 15: 34-37 ) .

وأما لوقا فيرى أن هذه النهاية لا تليق بالمسيح ، فيصوره بحال القوي الراضي بقضاء الله حيث قال : « يا أبتاه في يديك أستودع روحي ، ولما قال هذا أسلم الروح » ( لوقا 23: 46 ) . 

ويتجنب يوحنا وصف مشاعر المسيح دفعًا للحرج ، لكنه يسجل مقالة أخرى ينسبها إلى المسيح ويجعلها آخر كلماته على الصليب ، فيقول : « فلما أخذ يسوع الخل قال : قد أكمل . ونكس رأسه ، وأسلم الروح » (يوحنا 19: 30) ، فأي الكلمات كانت آخر كلام المسيح ، وأي الحالين كان حاله على الصليب ؟

متى انشق حجاب الهيكل ؟

ويرى الإنجيليون أنه لا يليق أن تكون نهاية المسيح عادية كسائر الأموات ، بل لابد أن تصحبها بعض الأحداث الكبيرة ، والتي يختلفون في نسجها وفقًا لخيالاتهم الخصبة ، لكنهم على أي حال يتفقون على واحدة منها ، وهي انشقاق حجاب الهيكل، من غير أن يتفقوا على لحظة حصوله ، فمرقس يجعله بعد وفاة المسيح ، فيقول : « فصرخ يسوع بصوت عظيم ، وأسلم الروح ، وانشق حجاب الهيكل إلى اثنين ، من فوق إلى أسفل » ( مرقس 15: 37-38) .

أما لوقا المتتبع لكل شيء بتدقيق فإنه يخالف البشير مرقس أول الإنجيلين تأليفًا ، ويرى أن تلك الأعجوبة كانت قبل موت المسيح ، فيقول : « وكان نحو الساعة السادسة ، فكانت ظلمة على الأرض كلها إلى الساعة التاسعة ، وأظلمت الشمس ، وانشقّ حجاب الهيكل من وسطه ، ونادى يسوع بصوت عظيم وقال : يا أبتاه ، في يديك استودع روحي ، ولما قال هذا ، أسلم الروح » ( لوقا 23: 44-46) ، فانشقاقه كان قبل موت المسيح خلافًا لما زعمه مرقس .


ثانيًا  : تناقضات قصة القيامة :

وتتحدث الأناجيل الأربع عن قيامة المسيح بعد دفنه ، وتمتلىء قصص القيامة في الأناجيل بالمتناقضات التي تجعل من هذه القصة أضعف قصص الأناجيل .

متى أتت الزائرات إلى القبر ؟

تتحدث الأناجيل عن زائرات للقبر في يوم الأحد ، ويجعله مرقس بعد طلوع الشمس ، فيقول : « وباكرًا جدًا في أول الأسبوع أتين إلى القبر ، إذ طلعت الشمس ، وكنّ يقلن فيما بينهنّ من يدحرج لنا الحجر عن باب القبر ، فتطلعن ، ورأين أن الحجر قد دحرج » (مرقس 16: 2-3 ) .

لكن لوقا ومتَّى يجعلون الزيارة عند الفجر ، وينصُّ يوحنا على أن الظلام باقٍ ، يقول يوحنا : « في أول الأسبوع جاءت مريم المجدلية إلى القبر باكرًا ، والظلام باق ، فنظرت الحجر مرفوعًا عن القبر » (يوحنا 20: 1 ) ، ( انظر : متى 28: 1 ، لوقا 24: 1) . 

ولنقرأ محاولة الأب متى المسكين في الجمع بين الفجر وطلوع الشمس ، فقد قال : « فالاختلاف ناتج أن النسوة قمن باكرًا جدًا والظلام باق ، وأتين إلى الباب ، باب غربي المدينة ، وانتظرن هناك إلى أن فتحوا الباب الذي لا يفتح إلا في شروق الشمس ، وهكذا بين أن قمن ووصلن في الفجر عند الباب وخرجن والشمس قد طلعت ؛ كانت المفارقة » ([12]) .

ولا ريب أن القارئ يدرك أن أحدًا من الإنجيليين ولا المؤرخين يدري عما يكتبه الأب المسكين عن باب المدينة المغلق ، كما يدرك أن تفسير الأب للقصة يكذب ما قاله يوحنا الذي يقول : « جاءت مريم المجدلية إلى القبر باكرًا ، والظلام باق » ، لقد وصلت المجدلية إلى القبر والظلام باق ، وليس إلى باب المدينة الغربي الذي لا يفتح إلا بعد شروق الشمس !

من زار القبر ؟

أما الزائرات والزوار ، فهم حسب يوحنا مريم المجدلية وحدها كما في النص السابق « جاءت مريم المجدلية إلى القبر باكرًا » ( يوحنا 20: 1-3) .

وأضاف متى مريمَ أخرى أبهمها « جاءت مريم المجدلية ومريم الأخرى لتنظرا القبر » ( متى 28: 1) .

لكن مرقس يخبر قراءه أن الزائرات هن مريم المجدلية وأم يعقوب وسالومة ، فيقول : « اشترت مريم المجدلية ومريم أم يعقوب وسالومة حنوطًا ليأتين ويدهنّه » ( مرقس 16: 1 ) .

وأما لوقا فيخبر أن القادمات للزيارة كن نساء كثيرات ومعهن أناس ، يقول لوقا : « وتبعته نساء كنّ قد أتين معه من الجليل ونظرن القبر وكيف وضع جسده . ثم في أول الأسبوع أول الفجر أتين إلى القبر حاملات الحنوط الذي أعددنه ومعهنّ أناس ، فوجدن الحجر مدحرجًا عن القبر » ( لوقا 23:  55-24: 1) . وهذا كله إنما كان في زيارة واحدة . 

متى دحرج الحجر ؟

ثم هل وجد الزوار الحجر الذي يسد القبر مدحرجًا أم دُحرج وقت الزيارة ؟ 

يقول متى : « وإذا زلزلة عظيمة حدثت ، لأن ملاك الرب نزل من السماء ، جاء ودحرج الحجر عن الباب ، وجلس عليه » ( متى 28: 2 ) ، فيفهم منه أن الدحرجة حصلت وقتذاك .

 بينما يذكر الثلاثة أن الزائرات وجدن الحجر مدحرجًا ، يقول لوقا : « أتين إلى القبر حاملات الحنوط الذي أعددنه ومعهنّ أناس . فوجدن الحجر مدحرجًا عن القبر» ( لوقا 24: 2 ) ( وانظر : مرقس 16: 4 ، يوحنا 20: 1 ) .

ماذا رأت الزائرات ؟

وقد شاهدت الزائرات في القبر شابًا جالسًا عن اليمين ، لابسًا حُلة بيضاء حسب مرقس ( انظر : مرقس 16: 5 ) ، ومتى جعل الشاب ملاكًا نزل من السماء . ( انظر : متى 28: 2 ) ، ولوقا جعلهما رجلين بثياب براقة . ( انظر : لوقا 24: 4 ) .

وأما يوحنا فقد جعلهما ملَكين بثياب بيضٍ ، أحدهما عند الرأس ، والآخر عند الرجلين . ( انظر يوحنا 20: 12 ) . 

أين لقيت المجدلية المسيح ؟ ومن الذي بشرها بقيامة المسيح؟

لقد كانت زائرات القبر أول من رأين المسيح ، فأين حصل هذا اللقاء .

يجيب يوحنا بأنه كان داخل قبر المسيح ، حين كانت المجدلية ( وهي الزائرة الوحيدة حسب يوحنا ) تتحدث إلى الملائكة ، « فقالا لها : يا امرأة لماذا تبكين ؟ قالت لهما : إنهم أخذوا سيدي ، ولست أعلم أين وضعوه ، ولما قالت هذا التفتت إلى الوراء ، فنظرت يسوع واقفًا ، ولم تعلم أنه يسوع ، قال لها يسوع : يا امرأة لماذا تبكين؟ من تطلبين ؟ فظنت تلك أنه البستاني ؛ فقالت له : يا سيد إن كنت أنت قد حملته ؛ فقل لي : أين وضعته ؟ وأنا آخذه ، قال لها يسوع : يا مريم . فالتفتت تلك ، وقالت له : ربوني الذي تفسيره يا معلّم » (يوحنا 20: 14-16) ، ونلحظ هنا أنها اكتشفت أن المسيح مازال حيًا من غير إخبار الملائكة لها ، فقد رأته وتعرفت عليه بعد برهة من حديثه معها .

وأما إجابة متى عن السؤال فهي مختلفة ، فإنه يرى أن المجدلية وصاحبتها قد لقيتاه خارج القبر ، بل بعيدًا عنه ، فقد قال لهما الملاك مبشرًا بنجاة المسيح : « لا تخافا أنتما . فإني أعلم أنكما تطلبان يسوع المصلوب ، ليس هو ههنا ، لأنه قام كما قال . هلم انظرا الموضع الذي كان الرب مضطجعًا فيه ، واذهبا سريعًا ، قولا لتلاميذه أنه قد قام من الأموات .. فخرجتا سريعا من القبر بخوف وفرح عظيم راكضتين لتخبرا تلاميذه ، وفيما هما منطلقتان لتخبرا تلاميذه ؛ إذا يسوع لاقاهما ، وقال : سلام لكما . فتقدمتا وأمسكتا بقدميه وسجدتا له . فقال لهما يسوع : لا تخافا . اذهبا ، قولا لإخوتي أن يذهبوا إلى الجليل وهناك يرونني » ( متى 28: 8-10) .

وهكذا فحسب متى كان اللقاء بعيدًا عن القبر ، وكانت البشارة بقيامته من قبل الملائكة ، لا المسيح نفسه ، ليتجدد السؤال  : أي الإنجيلين أصاب كبد الحقيقة وأيهما أخطأها ؟ وهل يمكن أن يكون مصدر ذا وذاك الله ؟

هل أسرت الزائرات الخبر أم أشاعته ؟

ويتناقض مرقس مع لوقا في مسألة : هل أخبرت النساء أحدًا بما رأين أم لا ؟ فمرقس يقول : « ولم يقلن لأحد شيئًا ، لأنهن كن خائفات » ( مرقس 16: 8 ) ، ولوقا يقول : « ورجعن من القبر ، وأخبرن الأحد عشر وجميع الباقين بهذا كله » ( لوقا 24: 9).

لمن ظهر المسيح أول مرة ؟

وتختلف الأناجيل مرة أخرى في عدد مرات ظهور المسيح لتلاميذه ، وفيمن لقيه المسيح في أول ظهور ؟ فمرقس ويوحنا يجعلان الظهور الأول لمريم المجدلية . (انظر:مرقس16: 9، يوحنا20: 14). ويضيف متى: مريم الأخرى. (انظر:متى 28: 9).

بينما يعتبر لوقا أن أول من ظهر له المسيح هما التلميذان المنطلقان لعمواس 
(انظر : لوقا 24: 13) . 

كم مرة ظهر المسيح ؟ وأين ؟

ويجعل يوحنا ظهور المسيح للتلاميذ مجتمعين ثلاث مرات . (انظر:يوحنا20: 19، 26) بينما يذكر الثلاثة للمسيح ظهورًا واحدًا ( انظر : متى 28: 16 ، مرقس 16: 14 ، لوقا 24: 36 ) .

ويجزم لوقا المتتبع لكل شيء بتدقيق أن المسيح ظهر للتلاميذ مرة واحدة ، وقد رُفع في نهاية هذه المقابلة ، فيقول : « وفيما هم يتكلمون بهذا وقف يسوع نفسه في وسطهم ، وقال لهم : سلام لكم ، فجزعوا وخافوا ، وظنوا أنهم نظروا روحًا .. وأخرجهم خارجًا إلى بيت عنيا ، ورفع يديه وباركهم ، وفيما هو يباركهم انفرد عنهم ، وأُصعد إلى السماء » ( لوقا 24: 36-51) . 

وهذا اللقاء الأول والأخير بين المعلم وتلاميذه يرى لوقا أنه قد تم في أورشليم، فيقول : « ورجعا إلى أورشليم ، ووجدا الأحد عشر مجتمعين هم والذين معهم ، وهم يقولون : إن الرب قام بالحقيقة وظهر لسمعان .. وفيما هم يتكلمون بهذا وقف يسوع نفسه في وسطهم ، وقال لهم : سلام لكم » ( لوقا 24: 33-36) .

بينما يقول صاحباه ( متى ومرقس ) بأن ذلك كان في الجليل « أما الأحد عشر تلميذًا ، فانطلقوا إلى الجليل إلى الجبل ، حيث أمرهم يسوع ، ولما رأوه سجدوا له » ( متى 28: 10) ، ( وانظر مرقس 16: 7 ) ، فهل كان لقاؤهم الأول مع المسيح في الجليل أم في أورشليم ؟

هل حضر توما اللقاء مع الأول مع المسيح ؟

وعند غض الطرف عن عدد ظهورات المسيح للتلاميذ فإنا نتساءل عن الحضور الذين رأوا المسيح في اللقاء الأول حيث كان التلاميذ مجتمعين في أورشليم أو الجليل ، هل كانوا جميعًا موجودين أم أن أحدهم وهو توما الشكاك كان غائبًا عن هذا اللقاء ؟

متّى يرى أن التلاميذ الاثني عشر كانوا موجودين خلا يهوذا الخائن ، فيقول : « وأما الأحد عشر تلميذًا ، فانطلقوا إلى الجليل ، إلى الجبل ، حيث أمرهم يسوع ، ولما رأوه سجدوا له ، ولكن بعضهم شكّوا » (متى 28: 16-17) ، يفهم منه أن توما كان أحد أولئك الساجدين حينذاك ، ولعله هو من عناه متى حين قال : « ولكن بعضهم شكوا » .

لكن يوحنا يجزم بغياب توما عن اللقاء الأول ، ويقول : « أما توما أحد الاثني عشر الذي يقال له التوأم ، فلم يكن معهم حين جاء يسوع ، فقال له التلاميذ الآخرون : قد رأينا الرب » ( يوحنا 20: 19-25) ، والحديث بالطبع عن اللقاء الأول ، وقد لقيه بعد ذلك بثمانية أيام ، وشكّ في شخص من يراه ، وأراه المسيح يديه ورجليه كما قال يوحنا . ( انظر يوحنا 20: 26-27) .

لكن العجب كل العجب فيما أضافه بولس في اللقاء الأول ، لقد أضاف ضيفًا غريبًا ثقيلًا ، وهو يهوذا الأسخريوطي ، التلميذ الخائن الهالك ، فقد قال : « قام في اليوم الثالث حسب الكتب ، وإنه ظهر لصفا ، ثم للاثني عشر » ( 1 كورنثوس 15: 4) ، إنه تناقض صارخ آخر من تناقضات هذه الرواية التي تعتبر بحق أضعف أجزاء العهد الجديد .

كم بقي المسيح في الأرض قبل رفعه ؟

ونشير أخيرًا إلى تناقض كبير وقعت فيه الأناجيل ، وهي تتحدث عن ظهور المسيح ، ألا وهو مقدار المدة التي قضاها المسيح قبل رفعه . 

ويفهم من متى ومرقس أن صعوده كان في يوم القيامة ( انظر : متى 28: 8-20 ، مرقس 16: 9-19 ، ولوقا 24: 1-53 ) .

بيد أن مؤلف أعمال الرسل ـ والمفترض أنه لوقا ـ جعل صعود المسيح للسماء بعد أربعين يومًا من القيامة . ( انظر : أعمال 1: 13 ) .

وبهذه التناقضات وغيرها سقطت شهادة الشهود في هذه المسألة ، وصح لأي محكمة أن تعتبرهم شهود زور ، وهل يُعرف شهود الزور إلا بمثل هذه التناقضات ، أو أقل منها ؟ 

أما الأب متى المسكين فأعياه أن يواجه تناقضات قصة القيامة ، فبدلًا عنه رأى أن يقدم « رجاء وتوعية لكل قارئ أن لا يعثر من الاختلافات الواضحة في قصة القيامة ، لأن الذي يتحدث عن القيامة إنما يتحدث عن أمور ليست تحت ضبط العقل والفكر والحواس والتمييز البصري .. فكل ما يخص القيامة لا يدخل تحت النقد أو الفحص أو التحقيق والإيضاح » ([13])  .

فهل القارئ الكريم ممن يلتمس العذر لكتاب الأناجيل فيما عثروا به في قصة القيامة ؟ أم يعتبرها دليلًا آخر على كذب الشهود وسقوط شهاداتهم المتخالفة عن الشهادة في مثل هذه القضية العظيمة ؟

ثالثًا  : تفرد أحد الإنجيليين في الرواية :
وينفرد أحد الإنجيليين بذكر حوادث قد تكون مهمة ، ومع ذلك أَغفلها الآخرون ، وقد يتبادر للذهن لأول وهلة أن ذلك يرجع لنظرية تكامل الروايات التي لا تعتبر زيادات البعض في روايتهم ضربًا من التناقض والتعارض . 

وهذا ليس بصحيح ، إذ معرفتنا البسيطة بتدوين الإنجيل وتاريخه تُنبئنا بأن الإنجيليين اعتمد اللاحق فيهم على السابق ، فإغفال اللاحق لبعض ما ذكره سلفه ، إنما يرجع لتشككه في جدوى الرواية ، أو صحتها ، أو تناسقها مع المعتقد ، وهو ما يقال أيضًا في الإضافة التي قرر المتأخر زيادتها عن السابق . 

ولعل مما يوضح الصورة ويجليها نقل مقدمة لوقا الذي يقول : « رأيت أنا أيضًا إذ قد تتبعت كل شيء من الأول بتدقيق .. لتعرف صحة الكلام الذي عُلِّمتَ به » ( لوقا 1: 3-4 ) ، فهو ينقل عن السابقين له بتدقيق وإمعان في رواياتهم ، وما يدعه من مروياتهم إنما تركه لعدم وثوقه بهذه الروايات . 

وقد انفرد بعض الإنجيليين بذكر أحداث مهمة تثير أسئلة استفهام كبيرة ، تبحث عن إجابة ، ومن هذه الأمور التي انفرد بها أحد الإنجيليين :

 انفرد لوقا فذكر في وصف ليلة القبض على المسيح أمورًا لم يذكرها غيره ، ومنها : أنه بالغ في إظهار جزع المسيح ، حتى إن الله أيده بملاك يقويه ، وكأنه أوشك على الانهيار . يقول لوقا : « وظهر له من السماء ملاك يقويه ، وإذ كان في جهاد ، كان يصلي بأشد لجاجة ، وصار عرقه كقطرات دم نازلة على الأرض » ( لوقا 22: 43-44). 

وهاتان الفقرتان ـ رغم وجودهما في أكثر النسخ المتداولة ـ فإن المراجع القديمة تحذفهما ، كما نقل أحمد عبد الوهاب عن جورج كيرد مفسر إنجيل لوقا حيث يقول : « فإن هذا الحذف يمكن إرجاع سببه إلى فهم أحد الكتبة بأن صورة يسوع هنا قد اكتنفها الضعف البشري ، كان يتضارب مع اعتقاده في الابن الإلهي الذي شارك أباه في قدرته القاهرة » ([14]) .

ولعل هذا ما دعا الإنجيليين إلى تجاهل هذا الوصف الدقيق ، بل إن يوحنا لم يذكر شيئًا عن معاناة المسيح وآلامه تلك الليلة ، وذلك للسبب نفسه بالطبع .

ولنا أن نتساءل كيف عرف لوقا بنزول الملاك ؟ وكيف شاهد عرقه وهو يتصبب منه على هذه الكيفية ؛ كيف ذلك وجميع التلاميذ نيام كما وصفهم لوقا بعدها مباشرة بقوله : « ثم قام من الصلاة ، وجاء إلى تلاميذه ، فوجدهم نيامًا من الحزن » ( لوقا 22: 45 ) ؛ كما أن المسيح لم يكن بجوارهم ، فقد كان يصلي بعيدًا عنهم « انفصل عنهم نحو رمية حجر ، وجثا على ركبتيه وصلى » ( لوقا 22: 41 ) . 

 ذكر الإنجيليون ضرب أحد التلاميذ لعبد رئيس الكهنة بالسيف ، وأنه قطع أذنه ، وتتكامل الروايات ، فيذكر يوحنا أن اسم العبد ملخس ، وأن الأذن هي اليمنى ، فيما لم يحدد متى ومرقس اسم الضارب ، كما لم يحددا الأذن المضروبة . 

لكن أحدًا منهم ـ سوى لوقا الغائب حينذاك ـ لم يذكر أن المسيح أبرأ أذن العبد وردّها ، وهي ولاشك معجزة كبيرة ستترك أثرًا في تلك الجموع الكافرة .. « فأجاب يسوع : دعوا إليّ هذا ، ولمس أذنه وأبرأها » ( لوقا 22: 51 ) ، ولم يذكر لوقا أي ردة فعل للجند والجموع تجاه هذه المعجزة الباهرة . وكأن شيئًا لم يكن . 

 كما انفرد مرقس بواحدة أخرى ، وهي : قصة الشاب الذي هرب من الشبان ، فأمسكوا بإزاره الذي يلبسه على عري ، فترك الإزار ، وهرب منهم عريانًا 
( انظر : مرقس 14: 51-52) . 

 وأيضًا انفرد يوحنا بأن المسيح طلب من الجند أن يدعوا تلاميذه يهربون . 
( انظر : يوحنا 18: 8 ) مع أن أحدًا لم يتعرض لتلاميذه ، لكن يوحنا يريد بذلك أن يحقق نبوءة توراتية ، فقد قال بعدها « ليتم القول الذي قاله : إن الذين أعطيتني لم أهلك منهم أحدًا » ( يوحنا 18: 9 ) .

 وانفرد يوحنا عن بقية الإنجيليين ، فذكر أن الجند لما همّوا بالقبض على يسوع، وقعوا على الأرض ، يقول يوحنا : « فلما قال لهم : إني أنا هو رجعوا إلى الوراء ، وسقطوا على الأرض » ( يوحنا 18: 6 ) ، ولم يذكر هذا الخبر ـ على أهميته ـ غيره ، فما الذي أخاف الجنود حتى سقطوا ؟

إنه خوفهم من الملائكة الذين حموا المسيح ، فذاك الذي سبب لهم هذا السقوط ، كما في النبوءة التوراتية : « لا يلاقيك شر ، ولا تدنو ضربة من خيمتك ، لأنه يوصي ملائكته بك لكي يحفظوك في كل طرقك ، على الأيدي يحملونك ، لئلا تصطدم بحجر رجلك » ( المزمور 109: 14-16) . 

 وانفرد يوحنا فذكر ذهاب الجند بالمسيح إلى حنان حما رئيس الكهنة قيافا ، ثم أخذه بعدها إلى قيافا الكاهن . ( انظر يوحنا 18: 12-13 ) .

 وانفرد لوقا بذكر إرسال بيلاطس المسيح إلى هيرودس حاكم الجليل 
( انظر لوقا 23: 8 ) ، مع أن هيردوس مات قبل ذلك بكثير ، وذلك إبان طفولة المسيح، يقول متى : « فلما مات هيردوس إذا ملاك الرب قد ظهر في حلم ليوسف في مصر قائلًا : قم وخذ الصبي وأمه ، واذهب إلى أرض إسرائيل ، ولكن لما سمع أن ارخيلاوس يملك على اليهودية عوضًا عن هيرودس أبيه .. » ( متى 2: 19-20 ) .

فلو صدق متى في خبر وفاة هيرودس زمن طفولة المسيح فإن لوقا حينذاك من الكاذبين رغم تتبعه لكل شيء بتدقيق . 

والذي دعاه لإحضار هيرودس من الموت ـ كما يرى مفسر إنجيل لوقا جورج كيرد ـ : أنه أراد أن يشرك ملكًا آخر مع بيلاطس، ليحقق نبوءة المزمور الثاني ، وفيه « قام ملوك الأرض ، وتآمر الرؤساء معًا على الرب ، وعلى مسيحه » ( المزمور 2: 2)([15]).

 وانفرد متى فذكر عجائب حصلت والمسيح على الصليب في اللحظة التي فارق فيها الحياة ، فيقول : « وإذا حجاب الهيكل قد انشق إلى اثنين من فوق إلى أسفل، والأرض تزلزلت ، والصخور تشققت ، والقبور تفتحت ، وقام كثير من أجساد القديسين الراقدين ، وخرجوا من القبور بعد قيامته ، ودخلوا المدينة المقدسة ، وظهروا لكثيرين » ( متى 27: 51-53 ) ، فهذه الأعاجيب ينفرد بها دون سائر الإنجيليين والمؤرخين ومنهم لوقا المتتبع بالتدقيق لكل شيء .

ولو صح مثل هذا لكان من أعظم أعاجيب المسيح ، ولحرص الجميع على ذكره ، لذا فهو إلى الكذب أقرب ، يقول أندريوس نورتن (ت 1853م) ( حامي الإنجيل ) : « هذه الحكاية كاذبة ، والغالب أن أمثال هذه الحكاية كانت رائجة في اليهود ، بعدما صارت أورشليم خرابًا ، فلعل أحدًا كتب في حاشية النسخة العبرانية لإنجيل متى ، وأدخلها الكُتاب في المتن ، وهذا المتن وقع في يد المترجم ، فترجمها على حسبه »([16]).

وقد نقلت هذه الأخبار عن الأساطير القديمة ، يقول المفسر جورج كيرد في تفسيره (ص : 253) : « كان الشائع قديمًا أن الأحداث الكبيرة المفجعة يصحبها نذر سوء ، وكأن الطبيعة تواسي الإنسان بسبب تعاسته » .

 ويقول المفسر دنيس نينهام في تفسيره (ص : 427) : « لقد قيل : إن مثل تلك النذر لُوحِظَتْ عند موت بعض الأحبار الكبار ، وبعض الشخصيات العظيمة في العصور القديمة والوثنية ، وخاصة عند موت يوليوس قيصر » . 

ويقول المفسر جون فنتون في تفسيره ( ص : 444 ) مبررًا إضافاته في القصة : «لقد كان قصد متى من هذه الأحداث الخرافية أن يبين أن موت يسوع كان عملًا من صنع الله » ([17]).

ومما يدل على كذب كاتب إنجيل متى في هذه الزيادة ، أن نتأمل أثر ظهور هذه العجائب في الأحداث التالية ، فلو وقع ما ذكره متى لما تجرأ اليهود على الرجوع إلى بيلاطس ، وطلب حراسة القبر ، ولو وقعت هذه الأحداث الخرافية لما تجاسر قيافا أن يصف المسيح وقتئذ بالمضل ، ولانتقم منهم بيلاطس ، بل وعامة اليهود ، ولآمن كثيرون بالمسيح ، كما آمن كثيرون في أعجوبة أقل من ذلك ، حين نزل روح القدس على التلاميذ ، فآمن ثلاثة آلاف شخص . ( انظر أعمال 2: 40-41) ، وما ذكره متى من عجائب تزامنت مع موت المسيح أعظم من ذلك . 

ثم ماذا عن هؤلاء الأموات ؟ هل عادوا بأكفانهم ؛ أم حفاة عراة ؟ ومع مَن تكلموا ؟ هل كان خروجهم حزنًا عليه أم نصرة له ؛ أم فرحًا به ؟ ثم كم عاشوا ؟ وكيف ماتوا ؟ ومتى ؟

 وانفرد يوحنا بذكر وجوده إلى جوار المسيح ، وأم المسيح معه وقت الصلب ( يوحنا 19: 25-26) ، وأمر كهذا لا يتصور أن تغفله الأناجيل لو كان حقًا ، كما لا يمكن تصور أن الجند يسمحون لذوي المسيح من الاقتراب منه وهو على الصليب ، وهم الذين أنكر بطرس بين أيديهم معرفة المسيح ثلاث مرات ، لخوفه من بطشهم .

رابعًا: النقد الضمني للرواية الإنجيلية :

وعند التأمل في الروايات الإنجيلية في جزئيات كثيرة اجتمع عليها الإنجيليون ـ أو بعضهم ـ نجد أن في الروايات خللًا وحلقات مفقودة لا يمكن تجاوزها ، علاوة على ما في الروايات من تهافت في المعنى . 

وفي كثير من هذه الملاحظات لا يمكن للنصارى الخروج منها ، إلا بالتسليم بأن المصلوب ليس المسيح ، أو بالتسليم بأن الروايات بشرية الوضع ، غير محبوكة الصنعة . ومنها : 

تتحدث الأناجيل عن دور يهوذا في خيانة المسيح بعد أن صحب المسيح وكان من خاصته ، بل أحد تلاميذه الاثني عشر ، فكيف حصل هذا التغير المفاجىء ؟ 

إن وقوع الانحراف بين البشر غير مستبعد ، ولكن الرواية الإنجيلية تجعل المسيح ـ وهو الذي أرسله الله لهداية البشر ـ ، تجعله سببًا في غواية يهوذا . فقد سأل التلاميذ معلمهم المسيح عن الخائن ، فأجابهم المسيح ـ كما يزعم يوحنا ـ : « الذي أغمس أنا اللقمة وأعطيه ، فغمس اللقمة ، وأعطاها ليهوذا سمعان الإسخريوطي ، فبعد اللقمة دخله الشيطان ، فقال له يسوع : ما أنت تعمله ، فاعمله بسرعة أكثر » ( يوحنا 13: 26-27 ) ، فقد جعل النص المسيح ولقمته التي دفعها ليهوذا سببًا في ضلالة يهوذا وخيانته . 

ثم كيف لم يستطع يهوذا أن يخرج الشياطين من نفسه ، وهو أحد الذين قال لهم المسيح : « اشفوا مرضى ، طهروا برصًا ، أقيموا موتى ، أخرجوا شياطين » ( متى 10: 8 ) . 

وعلى الرغم من أهمية شخصية يهوذا فإن أحدًا من أصحاب الأناجيل ـ سوى متى ـ لم يذكر شيئًا عن موته ، وقد اختار له متَّى ميتة سريعة سبقت حتى موت المسيح، وكأنه بذلك أراد أن يتخلص من الشخصية الغريبة ، والتي اختفت منذ تلك الفترة . ( انظر متى 27: 3-7 ) ، وقارن مع ( أعمال 1: 18 ) .

وتناقض الروايتين وسكوت بقية الأناجيل يرجع لاختفاء يهوذا عن مسرح الأحداث في تلك الليلة التي قبض عليه فيها بدل المسيح . 

وهنا سؤال آخر يطرح نفسه : كيف جهل رؤساء الكهنة شخص المسيح حتى احتاجوا إلى من يدلهم عليه مقابل ثلاثين من الفضة ؛ كيف ذلك وهو الذي كان في الهيكل يعلم كل يوم . ( انظر : لوقا 22: 52 ) .

وتذكر الأناجيل أن المسيح في ليلة الصلب تضرع إلى الله يدعوه أن يصرف عنه كأس الموت ، فأين كان التلاميذ في تلك اللحظات العصيبة ؟ لقد كانوا مع المسيح في البستان ، لكنهم كانوا نيامًا كما وصفهم لوقا بقوله : « ثم قام من الصلاة ، وجاء إلى تلاميذه فوجدهم نيامًا من الحزن » ( لوقا 22: 45 ) ، لكن المعهود في البشر أنهم إذا خافوا طار النوم وعزّ ، وهو ما يؤكده علماء النفس ، ومرده فرز الغدة الكظرية لهرمون الأدرينالين في مجرى الدم ، فيتعقب النوم ويطارده ، إذًا كيف نام هؤلاء من الخوف !؟ 

ومن التنافر في رواية الصلب أيضًا ما جاء في مرقس أن المسيح جاء إلى التلاميذ فوجدهم نيامًا فقال : « ناموا الآن واستريحوا . يكفى . قد أتت الساعة . هو ذا ابن الإنسان يسلم إلى أيدي الخطاة ، قوموا لنذهب ، هوذا الذي يسلمني قد اقترب » ( مرقس 14: 41 ) فكيف يتوافق قوله : « ناموا الآن واستريحوا » مع قوله في تمام الجملة : « قوموا لنذهب » ؟ وكيف يطلب الهرب وهو يعرف أنه سيؤخذ ويصلب ؟ كيف يهرب وهو ـ كما زعموا ـ تجسد ليصلب ! ؟

ومن التنافر في الرواية الإنجيلية أن إنجيل يوحنا يُظهر الحكم على المسيح ، وكأنه حكم إلهي نزل على رئيس الكهنة قيافا ، وليس حكمًا صادرًا من مجمع للظّلَمة  يقول يوحنا : « فقال لهم واحد منهم . وهو قيافا كان رئيسًا للكهنة في تلك السنة : أنتم لستم تعرفون شيئًا ، ولا تفكرون أنه خير لنا أن يموت إنسان واحد عن الشعب ، ولا نُهلك الأمة كلها ، ولم يقل هذا من نفسه ، بل إذ كان رئيسًا للكهنة في تلك السنة تنبأ أن يسوع مزمع أن يموت عن الأمة ، وليس عن الأمة فقط ، بل ليجمع أبناء الله المتفرقين إلى واحد » ( يوحنا 11: 49-52 ) .

فالنص يصف قيافا بالنبوة ، وبأنه عرف بالنبوة أن المسيح يموت عن الشعب ، فكيف يصح هذا ؟ وهو الذي حكم ظلمًا على المسيح بالموت ، كيف وهو أحد الظلمة الذين قال لهم المسيح : « ولكن هذه ساعتكم وسلطان الظلمة » ( لوقا 22: 53 ) .

كيف يأمر نبي بقتل نبي ، فلو صحت نبوته لكان حكمه ردة ، أو يكون قد حكم على غير المسيح .

وفي محاولة للتبرير قال يوحنا فم الذهب : « إن روح القدس حرك لسان قيافا ، لا قلبه ، على أن قيافا لم يخط ضد الإيمان ، بل ضد العدل والتقوى » ([18]) .

وما اللسان إلا ترجمان للقلب ، وإذا كان روح القدس هو الذي حرك قيافا ، فلم كان قيافا خاطئًا ضد العدل والتقوى .

وقد تعارض قيافا في فهمه لعموم الفداء وخصوصه ، فهو يفهم أن موت المسيح فداء لبني إسرائيل ، بينما يوحنا في رسالته الأولى يقول : « هو كفارة لخطايانا، ليس لخطايانا فقط ، بل لخطايا كل العالم أيضًا » ( 1 يوحنا 2: 2 ) . 

وتذكر الأناجيل أن الجميع وقف ضد المسيح ، وليس رؤساء الكهنة فحسب ، بل حتى الجماهير كانت تنادي على بيلاطس وتقول : « اصلبه ، اصلبه » وترفض إطلاقه ، وتود إطلاق المجرم باراباس « كان بيلاطس يطلب أن يطلقه ، ولكن اليهود كانوا يصرخون قائلين : إن أطلقت هذا فلست محبًا لقيصر ، كل من يجعل نفسه ملكًا يقاوم قيصر » ( يوحنا 19: 12 ) ، ويقول مرقس : « فهيج رؤساء الكهنة الجمع لكي يطلق لهم بالحري باراباس . فصرخوا أيضًا : اصلبه .. فازدادوا جدًا صراخًا : اصلبه ، فبيلاطس إذ كان يريد أن يعمل للجمع ما يرضيهم .. » ( مرقس 15: 11-15) . 

فأين الجموع التي شفاها المسيح من البرص والعمى وغيره والتي تعد بالألوف؟ أين أولئك الذين استقبلوه وهو يدخل أورشليم راكبًا على الجحش والأتان معًا ؟ أين أولئك « الجمع الأكثر فرشوا ثيابهم في الطريق ، وآخرون قطعوا أغصانًا من الشجر ، وفرشوها في الطريق ، والجموع الذين تقدموا ، والذين تبعوا كانوا يصرخون قائلين : أوصنّا لابن داود .. ولما دخل أورشليم ارتجت المدينة كلها قائلة : مَن هذا؟» ( متى 21: 8-10 ) . 

أين ذهب هؤلاء ؟ بل أين ذهب أصحاب المروءة والشهامة ، وهم يرون المسيح يصفع ويضرب على غير ذنب أو جريرة ؟ 

ذكر مرقس قصة الرجل الذي هرب عريانًا فقال : « تبعه شاب لابسًا إزارًا على عريه » (مرقس 14: 52 ) ، ويدل هذا على أن قصة الصلب حصلت في شهور الصيف ، ومما يؤيد ذلك أن الفصح عند اليهود ـ حيث حصلت حادثة الصلب ـ يكون في شهر نيسان . 

لكن يوحنا يذكر ما يفيد أن القصة حصلت في شهور الشتاء ، فقد وقف بطرس يوم محاكمة المصلوب ، يحتمي من البرد بالنار ، يقول يوحنا : « وسمعان بطرس كان واقفًا يصطلي » ( يوحنا 18: 25 ) ، فجمع الإنجيليون الصيف والشتاء في يوم واحد . 

ثم إن بطرس ـ الذي يحتل في المسيحية مكانًا بارزًا ، وجعلت الأناجيل بيده مفاتيح السماوات والأرض ـ أنكر المسيح في تلك الليلة ثلاث مرات ، وأضاف إلى الإنكار حَلفًا ولعنًا ، لم تجرؤ أقلام الإنجيليين على بيان ذاك الذي لعنه بطرس ، لكن لا يحتاج القارئ إلى كثير فطنة ليدرك أنه كان يلعن المقبوض عليه ، ويبرأ منه ومن معرفته ، فهل كان يلعن سيده المسيح أم المصلوب الخائن ؟ 

وهذا الحلف واللعن سقوط لا يتفق مع خصوصية بطرس الذي كان ينبغي أن يكون مثالًا للثبات والقوة ، فقد قال له المسيح : « ولكني طلبت من أجلك ، لكي لا يفنى إيمانك ، وأنت متى رجعت ، ثبت إخوانك » ( لوقا 22: 32 ) . 

كما أن الحلف منهي عنه عند النصارى ، فكيف حلف بطرس ، والمسيح قد علمهم : « لا تحلفوا البتة .. ، بل ليكن كلامكم : نعم نعم ، لا لا ، وما زاد على ذلك فهو شر » ( متى 5: 34-37 ) .

وعليه فبطرس شرير ، حلف كاذبًا ، والتوراة تقول : « .. لا تنطق باسم الرب إلهك باطلًا » (الخروج 20: 7 ) ، و « لا تحلف باسمي للكذب ، فتدنس اسم إلهك ، أنا الرب » ( اللاويين 19: 12) وخروج بطرس عن هذه الأحكام يجعله ملعونًا « ملعون من لا يقيم كلمات هذا الناموس ليعمل بها » ( التثنية 27: 26 ) . 

ولا يمكن أن يصدر هذا الحلف واللعن من بطرس ، فلا يمكن أن يهون عليه نبيه ومعلمه إلى هذا الحد ، ولو فعل ذلك لما كان مستحقًا لاسم الإيمان ، فضلًا عن المعجزات والخصائص المذكورة له في الأناجيل ، وعليه فإن بطرس كان صادقًا محقًا في حلفه ولعنه ، إذ الملعون هو المصلوب ، وهو ليس المسيح ، بل غيره ، وهو مستحق للإنكار واللعن . 

وتُظهر الأناجيل المسيح على الصليب غاية في الضعف والهوان ، يستجديهم الماء وهو يرى شماتتهم ، ثم يُسمعهم صراخه ... ولا يتطابق هذا مع ما عُرف عن شخصية المسيح القوية ، والتي تحدى فيها اليهود بأنهم سيطلبونه ولا يجدونه . (انظر يوحنا7: 23)، أو المسيح الذي دخل الهيكل فطرد الصيارفة ( انظر مرقس 11: 15 ) ، وصام أربعين يومًا قبلُ من غير أن يشكو جوعًا أو عطشًا . ( انظر متى 4: 2 ) .

 فلم كل هذا الجزع ، وممن ؟ من المسيح الذي يدعون ألوهيته !! كيف يصدر هذا الخور منه وهو القائل لتلاميذه : « لا تضطرب قلوبكم ، ولا ترهب ، سمعتم أني قلت لكم : أنا أذهب ثم آتي إليكم ، لو كنتم تحبونني لكنتم تفرحون ، لأني قلت : أمضي إلى الآب » ( يوحنا 12: 27-28 ) . 

ويذكر الإنجيليون قيامه المسيح بعد الموت ، وهذه أحد أكثر موضوعات الأناجيل إثارة ، لما في رواياتها من تناقض وتنافر .

فلم ظهر المسيح لتلاميذه ولم يظهر لأعدائه ؛ فهذا أظهر لحجته ، وأدعى للإيمان به ، كما نتساءل عن موقف الكهنة وقد علموا من الحراس بخروج المسيح من القبر ، كيف سكتوا عن ذلك ، إن الأناجيل لا تذكر أنهم حركوا ساكنًا ، وكأن الأمر لا يعنيهم .

وأنبه هنا إلى أن إنكار قيامة المسيح قديم ، فهاهم أهل باغوس يحدثهم بولس « ولما سمعوا بالقيامة من الأموات كان البعض يستهزئون ، والبعض يقولون سنسمع منك عن هذا أيضًا » ( أعمال 17: 32 ) .

وقد قدم بولس للمحاكمة بسبب هذا القول الغريب الذي يشيعه بين الناس « فلما وقف المشتكون حوله لم يأتوا بعلّة واحدة مما كنت أظن ، لكن كان لهم عليه مسائل من جهة ديانتهم وعن واحد اسمه يسوع قد مات ، وكان بولس يقول : إنه حيّ » ( أعمال 25: 18-19) .

فلو كان أمر قيامة المسيح معلومًا مشهورًا لما رفضها المؤمنون ولا استهزأ بخبرها المعاصرون .

ومما يدل على عدم صحة هذه القصة جهل تلاميذ المسيح بها « لأنهم لم يكونوا بعدُ يعرفون الكتاب ، أنه ينبغي أن يقوم من الأموات » ( يوحنا 20: 9 ) ، وعليه فإن فكرة سرقة الجسد من القبر كان إشاعة قديمة لتبرير القيامة . 

ومن الأدلة على كذب القيامة : وجود المسيح وظهوره ، فوجوده دليل على أنه لم يمت ، لأن التوراة تقول : « السحاب يضمحل ويزول ، هكذا الذي ينزل إلى الهاوية لا يصعد » ( أيوب 7: 9 ) ، والهاوية هي الموت ، ولو كان المسيح قد مات لا يرونه بعدُ لأنه قال : « لأني ذاهب إلى أبي ، ولا ترونني أيضًا » ( يوحنا 16: 1 ) ويؤكد هذا قوله : « الحق الحق أقول لكم : إنكم لا ترونني حتى يأتي وقت تقولون فيه : مبارك الآتي باسم الرب » ( لوقا 13: 5) . 

وهكذا ومن خلال هذا كله يتبين لنا أن الروايات الإنجيلية أقل بكثير من أن تصلح للاعتبار في مسألة مهمة كهذه ، إذ هي عمل بشري ممتلئ بسائر أنواع الضعف البشري من خطأ وغلط واختلاق . 

 

 
 إبطال وقوع صلب المسيح بالدليل التاريخي
يدعي النصارى أن المسلمين بقولهم بنجاة المسيح من الصلب ينكرون حقيقة تاريخية أجمع عليها اليهود والنصارى الذين عاصروا صلب المسيح ومن بعدهم . 

فكيف لنبي الإسلام وأتباعه الذين جاءوا بعد ستة قرون من الحادثة أن ينكروا صلب المسيح ؟ !

قد يبدو الاعتراض النصراني وجيهًا لأول وهلة ، لكن عند التأمل في شهادة الشهود تبين لنا تناقضها وتفكك رواياتهم . 

ولدى الرجوع إلى التاريخ والتنقيب في رواياته وأخباره عن حقيقة حادثة الصلب ، ومَن المصلوب فيها ؟ يتبين أمور مهمة : 

أن قدماء النصارى كثر منهم منكرو صلب المسيح ، وقد ذكر المؤرخون النصارى أسماء فرق مسيحية كثيرة أنكرت الصلب، ومن أهمها الفرق الغنوصية التي كانت تعتقد بأن المسيح لا يملك جسدًا حقيقيًا ، لأنه يليق به ذلك، فالجسد سجن للروح، ولذلك ينزهونه عن الجسد المادي، ويتعاملون مع جسده على أنه شبح مرئي. 

وهذه الفرق هي : الباسيليديون والكورنثيون والكاربوكرايتون والساطرينوسية والماركيونية والبارديسيانية والسيرنثييون والبارسكاليونية والبولسية والماينسية ، والتايتانيسيون والفلنطانيائية والهرمسيون . 

وبعض هذه الفرق قريبة العهد بالمسيح ، إذ يرجع بعضها للقرن الميلادي الأول ففي كتابه ( الهرطقات مع دحضها ) ذكر القديس الكاثوليكي الفونسو ماريا دي ليكوري أسقف سانت أجاثي (ت 1787م) أن من بدع القرن الأول قول فلوري : إن المسيح قوة غير هيولية ، وكان يتشح ما شاء من الهيئات ، ولذا لما أراد اليهود صلبه ؛ أخذ صورة سمعان القروي ، وأعطاه صورته ، فصلب سمعان ، بينما كان يسوع يسخر باليهود، ثم عاد غير منظور ، وصعد إلى السماء ([19]) .

ويبدو أن هذا القول استمر في القرن الثاني ، حيث يقول المفسر جون فنتون شارح متى (ص : 440 ) : « إن إحدى الطوائف الغنوسطية التي عاشت في القرن الثاني قالت بأن سمعان القيرواني قد صلب بدلًا من يسوع»([20]) ، وكان القديس أيريناوس قد ذكر هذه الطائفة، وأسماها «العارفون»([21]).

وقد نقل أوريجانوس تقليدًا شائعًا في عهده بأن يسوع كان يستطيع في حياته أن يغير شكله وقتما وكيفما يشاء ، ويقول إن هذا كان السبب في ضرورة قبلة يهوذا الخائن ؛ وإلا فإن المسيح كان معروفًا لدى عموم أهل أورشليم  ([22]) .

ولعل أهم هذه الفرق المنكرة لصلب المسيح الباسيليديون ؛ الذين نقل عنهم سيوس في ( عقيدة المسلمين في بعض مسائل النصرانية ) والمفسر جورج سايل القول بنجاة المسيح ، وأن المصلوب هو سمعان القيرواني (سيمون السيرناي)، يقول باسيليوس الباسليدي : « إن نفس حادثة القيامة المدعى بها بعد الصلب الموهوم هي من ضمن البراهين الدالة على عدم حصول الصلب على ذات المسيح » . 

وكذلك قالت طوائف الغنوصيين في القرن الميلادي الثاني بأن يسوع «نجا من الموت، وحل محله يوداس أو سيمون قبل صلبه»([23]).

ولعل هؤلاء المنكرين لصلب المسيح قديمًا هم الذين عناهم جرجي زيدان حين قال : « الخياليون يقولون : إن المسيح لم يصلب ، وإنما صلب رجل آخر مكانه»([24]) .

ومن هذه الفرق التي قالت بصلب غير المسيح بدلًا عنه : الكورنثيون والكربوكراتيون والسيرنثيون . يقول جورج سايل : إن السيرنثيين والكربوكراتيين ، وهما من أقدم فرق النصارى ، قالوا  : إن المسيح نفسه لم يصلب ولم يقتل ، وإنما صلب واحد من تلاميذه ، يشبهه شبهًا تامًا ، وهناك الباسيليديون يعتقدون أن شخصًا آخر صلب بدلًا من المسيح .

وثمة فِرق نصرانية غنوصية قالت بأن المسيح نجا من الصلب ، وأنه رفع إلى السماء ، ومنهم الدوستية والمرسيونية والفلنطنيائية . وهذه الفرق الثلاث تعتقد صورة من الألوهية في المسيح ، ويرون القول بصلب المسيح وإهانته لا يلائم البنوة والإلهية ([25]).

وقد استمر إنكار صلب المسيح ، فكان من المنكرين الراهب تيودورس ( 560م ) والأسقف يوحنا ابن حاكم قبرص ( 610م ) وغيرهم .

كما تناقل علماء النصارى ومحققوهم إنكار صلب المسيح في كتبهم ، وأهم من قال بذلك الحواري برنابا في إنجيله . 

ويقول الألماني ارنست دي بونسن (ت 1903م) في كتابه (Islam Or True Christianity) ( الإسلام  أو النصرانية الحقة ) ما معناه : إن جميع ما يختص بمسائل الصلب والفداء هو من مبتكرات ومخترعات بولس ، ومن شابهه من الذين لم يروا المسيح ، لا في أصول النصرانية الأصلية . 

ويقول هنري هارت ملمن في كتابه (History of Christianity to the Abolition of Paganism in the Roman Empire  ) ( تاريخ الديانة النصرانية ) : « إن تنفيذ الحكم كان وقت الغلس ، وإسدال ثوب الظلام ، فيستنتج من ذلك إمكان استبدال المسيح بأحد المجرمين الذين كانوا في سجون القدس منتظرين تنفيذ حكم القتل عليهم كما اعتقد بعض الطوائف ، وصدقهم القرآن » ([26])  .

وأخيرًا نذكر بما ذكرته دائرة المعارف البريطانية في موضوع روايات الصلب حيث جعلتها أوضح مثال للتزوير في الأناجيل . 

وأما الطائفة التي يسميها القس الخضري بالرومانسيين ( القرن التاسع عشر ) فقد ذكروا أن المسيح « أنزل من على الصليب فاقد الوعي ، وعالجه أطباء أسينيون إلى أن استرد قوته وظهر لتلاميذه الذين اعتقدوا أنه مات » ([27])  .

وإذا كان هؤلاء جميعًا من النصارى ، يتبين أن لا إجماع عند النصارى على صلب المسيح ، فتبطل دعواهم بذلك . 

ويذكر معرِّب ( الإنجيل والصليب ) ما يقلل أهمية إجماع النصارى لو صح فيقول  : إن العالم المسيحي العظيم الذي أطبق على ترك السبت خطأ 1900 سنة ، هو الذي أطبق على الصلب . 

وأما إجماع اليهود فهو أيضًا لا يصح القول به ، إذ أن المؤرخ اليهودي يوسيفوس المعاصر للمسيح والذي كتب تاريخه سنة 71م أمام طيطوس لم يذكر شيئًا عن قتل المسيح وصلبه . 

أما تلك السطور القليلة التي تحدثت عن قتل المسيح وصلبه في كتابه ، فهي إلحاقات نصرانية كما جزم بذلك المحققون وقالوا : بأنها ترجع للقرن السادس عشر، وأنها لم تكن في النسخ القديمة ([28])  .

ولو صح أنها أصلية فإن الخلاف بيننا وبين النصارى ومن وافقهم قائم في تحقيق شخصية المصلوب ، وليس في وقوع حادثة الصلب . ﴿ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـكِن شُبِّهَ لَهُمْ ﴾  [ النساء : 157 ] ، وهذا حال اليهود والنصارى فيه .

 ولكن قد يقال : إن المؤرخ الوثني تاسيتوس كتب عام 117م كتابًا تحدث فيه عن المسيح المصلوب . 

وعند دراسة ما كتبه تاسيتوس ، يتبين ضعف الاحتجاج بكلامه ، إذ هو ينقل إشاعات ترددت هنا وهناك ، ويشبه كلامه أقوال النصارى في محمد غ في القرون الوسطى. 

ومما يدل على ضعف مصادره وتخبطه ، ما ذكرته دائرة المعارف البريطانية ، من أنه ذكرًا أمورًا مضحكة ، فقد جعل حادثة الصلب حادثة أممية ، مع أنها لا تعدو أن تكون شأنًا محليًا خاصًا باليهود ، ولا علاقة لروما بذلك . 

ومن الجهل الفاضح عند هذا المؤرخ ، أنه كان يتحدث عن اليهود ـ ومقصده : النصارى . فذكر أن كلوديوس طردهم من رومية ، لأنهم كانوا يحدثون شغبًا وقلاقل يحرضهم عليها « السامي » أو « الحسن » ويريد بذلك المسيح . 

ومن الأمور المضحكة التي ذكرها تاسيتوس قوله عن اليهود والنصارى بأن لهم إلهًا ، رأسه رأس حمار ، وهذا هو مدى علمه بالقوم وخبرته . 

كما قد شكك المؤرخون بصحة نسبة العبارة إلى تاسيتوس ، ومنهم العلامة أندريسن وصاحبا كتابي ( ملخص تاريخ الدين ) و ( شهود تاريخ يسوع )، وقد تحدث أندريسن أن العبارة التي يحتج بها النصارى على صلب المسيح في كلامه مغايِرة لما في النسخ القديمة التي تحدثت عن ( CHRESTIANOS ) بمعنى الطيبين ، فأبدلها النصارى ، وحوروها إلى : ( CHRISTIANOS ) بمعنى المسيحيين . 

وقد كانت الكلمة الأولى ( الطيبين ) تطلق على عُبّاد إله المصريين (أوزيريس)، وقد هاجر بعضهم من مصر ، وعاشوا في روما ، وقد مقتهم أهلها ، وسموهم : اليهود ، لأنهم لم يميزوا بينهم وبين اليهود المهاجرين من الإسكندرية ، فلما حصل حريق روما ؛ ألصقوه بهم بسبب الكراهية ، واضطهدوهم في عهد نيرون . 

وقد ظن بعض النصارى أن تاسيتوس يريد مسيحهم الذي صلبوه ، فحرف العبارة ، وهو يظن أنه يصححها . ويرى العلامة أندريسن أن هذا التفسير هو الصحيح . 

وإلا كان هذا المؤرخ لا يعرف الفرق بين اليهود والنصارى ، ويجهل أن ليس ثمة علاقة بين المسيح وروما ([29]) .

وهكذا فإن التاريخ أيضًا ناطق بالحقيقة ، مُثبت لما ذكره القرآن عن نجاة المسيح وصلب غيره . 

 

 
إبطال صلب المسيح بنبوءات التوراة 
تحتل النبوءات في الفكر المسيحي مكانة سامقة ، جعلت بعض النصارى يشترطون لصحة النبوة أن يسبقها نبوءة .

وحادثة صلب المسيح ـ كما يعتبرها النصارى ـ أحد أهم أحداث المعمورة ، فكان لابد وأن يتحدث عنها الأنبياء في أسفارهم ، وأن يذكرها المسيح لتلاميذه . 

فهل أخبرت الأنبياء بصلب المسيح وقيامته ؟ وهل أخبر المسيح تلاميذه بذلك؟

والإجابة النصرانية عن هذه التساؤلات  : نعم ، وأن ذلك في مواضع كثيرة من الأناجيل والرسائل والأسفار التوراتية . 

ولعل من نافلة القول أن نذكر بأن النصارى يعتبرون أسفار التوراة جزءً مقدسًا كتابهم المقدس ، كيف لا والأناجيل ما فتئت تحيل إلى هذه الأسفار ، تستمد منها تنبؤاتها المستقبلية ، التي تحققت في شخص المسيح في حياته أو حين صلبه .

وللأسفار التوراتية دور عظيم في قصة صلب المسيح ، فقد أكثر الإنجيليون في سردهم للقصة من الإحالة إلى أسفار التوراة ؛ التي يرونها تتنبأ بالمسيح المصلوب ، وكانت نصف هذه الإحالات إلى المزامير المنسوبة لداود وغيره .

 وقد أكد عيسى ÷ لتلاميذه ضرورة أن تتحقق فيه النبوءات التوراتية بقوله : « لابد أن يتم جميع ما هو مكتوب عني في ناموس موسى والأنبياء والمزامير » ( لوقا 26: 44 ) ، وقد قال لهم : « فتشوا الكتب .. وهي التي تشهد لي » ( يوحنا 5: 39).

يقول جوش مكدويل : « هناك تسع وعشرون نبوءة في العهد القديم تتحدث عن خيانة المسيح ( أي خيانة يهوذا للمسيح ) ومحاكمته وموته ودفنه .. وتحققت كلها حرفيًا في أربع وعشرين ساعة من الزمان » ([30]) .

وبعض هذه النبوءات استشهد بها الإنجيليون في سياق روايتهم لقصة صلب المسيح ، ومجموع هذه النبوءات أربع عشرة نبوءة ، ذكر متى منها ستًا ، ومرقس أربعًا، ولوقا اثنتين ، بينما ذكر منها يوحنا سبع نبوءات . 

ونخلص من هذا إلى أهمية النبوءات التوراتية المتعلقة بصلب المسيح . 

ويبالغ النصارى في التركيز على أهمية وكثرة النبوءات التوراتية المتحدثة والمشيرة إلى المسيح ، فيقول القمّص سرجيوس في كتابه ( هل تنبأت التوراة عن المسيح )  : « فالمسيح ساطع في كل الكتاب المقدس في إشراق دائم ، وليس كالشمس التي تغيب عن نصف الأرض ليلًا ، إذ ليس في التوراة أو كتب الأنبياء جزء تغرب عنه شمس المسيح ، بل يشع اسمه ، وشخصه ، وصفاته ، وأعماله ، وظروفه ، وأحواله في التوراة ، وكتب الأنبياء ، وفي ثنايا سطورها نجد المسيح في كل جملة ، وفي كل إصحاح ، وفي كل سفر من أسفارها . وما حروفها وكلماتها إلا خطوط أو ظلال لصورة المسيح المجيدة .. فنحن المسيحيين لا نهتم أين نفتح التوراة وكتب الأنبياء لنجد الكلام عن المسيح  .. » ([31]) ، ورغم ما في الكلام من مبالغة ، فإننا نستشف منه أهمية النصوص التوارتية في الدلالة على المسيح . 

ولسفر المزامير وموضوع الصلب شأن خاص ، يصفه سرجيوس فيقول : « أما سفر المزامير فكان الهالة ، التي أحاطت بكوكب يسوع ، فتكلم حتى عن إحساساته العميقة ، وآلامه المبرحة ، ناهيك عن صفاته وألقابه ، أكثر من أي نبي آخر ، ويمكننا القول ، أن سفر المزامير هو سفر « مسِيّا » الخاص ، بدليل أن الاقتباسات التي اقتبسها كتبة العهد القديم من سفر المزامير هذا بلغت نصف الاقتباسات المأخوذة من العهد القديم كله » . 

ويؤكد عبد الفادي القاهراني أهمية المزامير في كتابه ( رب المجد ) بقوله : « لم يوجد كتاب مليء بالإشارات والرموز والنبوءات عن المسيح أكثر من كتاب المزامير هذا ، وعليه فأهميته في نظر اللاهوتيين تفوق الوصف » ([32])  .

وقد ارتضى العلامة منصور حسين في كتابه الفريد ( دعوة الحق بين المسيحية والإسلام ) محاكمة النصارى في هذه المسألة إلى أسفار التوراة ، ذلك بأنه ليس من المقبول أن يتصور أحد أن اليهود يغيرون كتبهم لتتمشى مع معتقدات النصارى ، لذا فقد قبل هذه الكتب لتكون معيارًا للكشف عن الحقيقة في هذه المسألة . 

وقبل أن نشرع في تلخيص دراسة الأستاذ منصور ، فإنه يحسن التنبيه إلى نقاط الاختلاف والاتفاق بين المسلمين والنصارى في مسألة الصلب .

النصارى يقولون بصلب المسيح ، بينما يقول المسلمون بأنه لم يصلب ، وأنه قد شُبه غيرُ المسيح به ، ولا ينفون وقوع صلب لغيره .

كما لا يمانع المسلمون أن يكون الله تعالى قد أنبأ المسيح بتعرضه للبلاء والامتحان وأن أحد تلاميذه سيسلمه لأعدائه « ولما كان المساء اتكأ مع الاثني عشر ، وفيما هم يأكلون قال : الحق أقول لكم : إن واحدًا منكم يسلمني ، فحزنوا جدًا ، وابتدأ كل واحد منهم يقول له : هل أنا هو يا رب ؟ فأجاب وقال : الذي يغمس يده معي في الصحفة هو يسلمني ، إن ابن الإنسان ماض كما هو مكتوب عنه ، ولكن ويل لذلك الرجل الذي به يسلم ابن الإنسان ،كان خيرًا لذلك الرجل لو لم يولد » (متى 26: 20-24 ) .

وقد تألم المسيح لذلك الخبر وارتاع ، فقام يطلب من الله ويدعوه أن يصرف هذه المؤامرة عنه ، دعا الله بلجاجة وحرارة أن ينجيه منها ، زقضى الليل كله على هذه الحال ، ويصور لنا متى حال المسيح وشدة ضراعته لله ، فيقول : « جاء معهم يسوع إلى ضيعة يقال لها جثسيماني ، فقال للتلاميذ : اجلسوا ههنا حتى أمضي وأصلّي هناك، ثم أخذ معه بطرس وابني زبدي ، وابتدأ يحزن ويكتئب ، فقال لهم : نفسي حزينة جدًا حتى الموت ، امكثوا ههنا واسهروا معي ، ثم تقدم قليلًا وخرّ على وجهه ، وكان يصلّي قائلًا : يا أبتاه إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس ، ولكن ليس كما أريد أنا ، بل كما تريد أنت ، ثم جاء إلى التلاميذ فوجدهم نيامًا .. فمضى أيضًا ثانية ، وصلّى قائلًا : يا أبتاه إن لم يمكن أن تعبر عني هذه الكأس ، إلا إن أشربها ، فلتكن مشيئتك ، ثم جاء فوجدهم أيضًا نيامًا ، إذ كانت أعينهم ثقيلة ، فتركهم ، ومضى أيضًا ، وصلّى ثالثة قائلًا ذلك الكلام بعينه » ( متى 26: 36-40) .

 ويصف لوقا المشهد ، فيقول : « وإذ كان في جهاد ؛ كان يصلي بأشد لجاجة ، وصار عرقه كقطرات دم نازلة على الأرض » ( لوقا 22: 44 ) .

فالمسلمون مصدقون بلجوء المسيح إلى الله ودعائه إياه في تلك الليلة العصيبة، إذ هو حال الصالحين جميعًا حين يتعرضون للأهوال والشدائد ، فلا يجدون ناصرًا يلجؤون إليه إلا الله العظيم .

وقد أجاب الله دعاء عبده المسيح فصرف عنه كأس الموت ، كما قال بولس : « الذي في أيام جسده ، إذ قدّم بصراخ شديد ودموع طلباتٍ وتضرعات للقادر أن يخلصه من الموت ، وسُمع له من أجل تقواه » ( عبرانيين 5: 7 ) ، فقد سمع الله لعبده المسيح وأجابه في سؤله « وأنا علمتُ أنك في كل حين تسمع لي » ( يوحنا 11: 40 ) .

وهكذا فالمسلمون لا ينفون جملة ما ترويه الأناجيل من وقوع تلك الأحداث التي صاحبت الصلب أو سبقته ، كإخبار المسيح تلاميذه عن المؤامرة التي سيتعرض لها ، ثم لجوؤه في البستان إلى الله القادر طالبًا من الله أن ينجيه من الموت ، وكذا فالمسلمون يصدقون بأن الجموع حضرت للقبض عليه ، وأن ثمة من أُخذ من ساحة البستان ، وأن المأخوذ حوكم ، وصلب ، ثم دفن .

فالخلاف إنما هو في حقيقة المأخوذ والمصلوب ، فيرى المسلمون أنه يهوذا الخائن ، وأن لحظة الخلاص هي تلك التي أراد الجند أن يلقوا القبض فيها على المسيح ، فسقطوا على الأرض ، سقطت الجموع الغفيرة ، وتدافع الجند ، ووقعت المشاعل من أيديهم ، ثم نهضوا ليجدوا دليلهم يهوذا الأسخريوطي وحيدًا في الساحة، فأخذوه ، وقد ألقى الله عليه شبه المسيح ، لينال جزاء خيانته لسيده .

وهذه اللحظة العظيمة الخالدة سجلها يوحنا حين قال : « فأخذ يهوذا الجند وخدامًا من عند رؤساء الكهنة والفريسيين ، وجاء إلى هناك بمشاعل ومصابيح وسلاح، فخرج يسوع وهو عالم بكل ما يأتي عليه ، وقال لهم : من تطلبون ؟ أجابوه : يسوع الناصري ، قال لهم يسوع : أنا هو ، وكان يهوذا مسلمه أيضًا واقفًا معهم ، فلما قال لهم : إني أنا هو ، رجعوا إلى الوراء ، وسقطوا على الأرض » ( يوحنا 18: 4-6 ) ، فكانت لحظة سقوطهم هي لحظة الخلاص الخالدة التي تاهت عنها عيون الملايين من النصارى ممن ظن أن المأخوذ بعدها هو المسيح .

وأما المسيح فقد نزلت ملائكة الله وصعدت به إلى السماء ، « وظهر له ملاك من السماء يقويه » ( لوقا 22: 44 ) لينجو من المؤامرة بحماية الله العظيم ، وأعطي بذلك حياة طويلة تمتد إلى قبيل قيام الساعة حيث ينزل إلى الأرض ÷ ليعيش عليها ويموت في سلام.

فماذا تراه تقول المزامير والأسفار عن هذا الحدث العظيم الذي لا يصح أن تغفله الكتب ؟ هل تراها تحدثت عنه ؟ 

ولو أجبنا بالإثبات ، فماذا تُراها تقول ؟ هل تحدثت عن المسيح المصلوب كما يؤمن النصارى ، أم تحدثت عن نجاة المسيح وصلب الخائن الأسخريوطي ، كما يعتقد المسلمون ؟

دعونا نتجرد ونبحث عن الجواب الصحيح في سفر المزامير الذي فاقت أهميته عند اللاهوتيين جميع الأسفار .

ولسوف نستعرض في هذه العجالة ثلاث عشر مزمورًا فقط ، من نبوءات المزامير، نختصرها مع بعض التصرف من الدراسة الرائعة للأستاذ منصور حسين في كتابه الماتع ( دعوة الحق بين المسيحية والإسلام ) ، والتي شملت ستة وثلاثين مزمورًا .

 والمزامير التي اختارها للدراسة ، يجمعها أنها مما يعتبره النصارى نبوءات تحدثت عن المسيح المصلوب .

 

 

أولاً : المزمور الثاني :

(نبوءة عن المؤامرة الفاشلة لصلب المسيح)

وفيه : « لماذا ارتجت الأمم ، وتفكر الشعوب في الباطل ، قام ملوك الأرض ، وتآمر الرؤساء معًا على الرب ، وعلى مسيحه ، قائلين : لنقطع قيودها ولنطرح 
عنا رُبُطهما . 

الساكن في السماوات يضحك ، الرب يستهزئ بهم ، حينئذ يتكلم عليهم بغضبه، ويرجفهم بغيظه » ( المزمور 2: 1-5 ) . 

والمزمور الثاني يراه العلماء النصارى نبوءة بالمسيح الموعود ، وأول من نبه على ذلك ميليتون أسقف سارييس (ت 180م) ، ثم كيرلس الأورشليمي (ت 386م) بقوله: «يقول المزمور الثاني الذي يتكلم عن آلام المسيح» ([33]) .

 ووافقه القديس أوغسطينوس بقوله: «بوسعنا أن نرى في عبارة : (أنا اليوم ولدتك) (المزمور 2: 7) نبوءة عن اليوم الذي ولد فيه يسوع المسيح بالجسد » ([34]).

وتابعهما العلماء المحدثون ، يقول د . هاني رزق في كتابه ( يسوع المسيح ناسوته وألوهيته ) عن هذا المزمور: « وقد تحققت هذه النبوءة في أحداث العهد الجديد ، إن هذه النبوءة تشير إلى تآمر وقيام ملوك ورؤساء الشعب على يسوع المسيح لقتله وقطعه من الشعب ، وهذا ما تحقق في أحداث العهد الجديد في فترتين ، في زمان وجود يسوع المسيح له المجد في العالم »، ويقصد تآمر هيرودس في طفولة المسيح ، ثم تأمر رؤساء الكهنة لصلب المسيح . 

ووافقه ( فخري عطية ) في كتابه ( دراسات في سفر المزامير ) ، وحبيب سعيد في كتابه ( من وحي القيثارة ) وويفل كوبر في كتابه ( مسيا عمله الفدائي ) ، وياسين منصور في كتابه ( الصليب في جميع الأديان ) ، فيرى هؤلاء جميعًا أن المزمور نبوءة بالمسيح المصلوب ([35])  .

وقولهم بأن النص نبوءة بالمسيح تصديق لما ورد في سفر أعمال الرسل : « فلما سمعوا رفعوا بنفس واحدة صوتًا إلى الله وقالوا : أيها السيد ، أنت هو الإله صانع السماء والأرض والبحر وكل ما فيها . القائل بفم داود فتاك : لماذا ارتجّت الأمم وتفكر الشعوب بالباطل . قامت ملوك الأرض ، واجتمع الرؤساء معا على الرب وعلى مسيحه . لأنه بالحقيقة اجتمع على فتاك القدوس الذي مسحته هيرودس وبيلاطس البنطي مع أمم وشعوب إسرائيل ، ليفعلوا كل ما سبقت فعيّنت يدك ومشورتك أن يكون » ( أعمال 4: 24-31) .

ولا نرى مانعًا في موافقتهم بأن المزمور نبوءة عن المسيح ، فالمزمور يتحدث عن مؤامرات اليهود عليه ، وهذا لا خلاف عليه بين المسلمين والنصارى ، وإنما الخلاف : هل نجحوا أم لا ؟ فبماذا يجيب النص ؟

يجيب المزمور بأن الله ضحك منهم واستهزأ بهم ، وأنه حينئذ ، أي في تلك اللحظة أرجف المتآمرين بغيظه وغضبه . فهل يكون ذلك دليل نجاحهم في صلب المسيح ، أم أن الرب يضحك لنجاة عبده المسيح من بين أيديهم ، ووقوعهم في شر أعمالهم ؟ 

ويفسر المزمور السابع والثلاثون سبب ضحك الرب واستهزائه ، فيقول : « الشرير يتفكر ضد الصدّيق ، ويحرق عليه أسنانه ، الرب يضحك به ، لأنه رأى أن يومه آت ، الأشرار قد سلّوا السيف ، ومدوا قوسهم لرمي المسكين والفقير ، لقتل المستقيمِ طريقُهم ، سيفهم يدخل في قلبهم ، وقسيّهم تنكسر » (المزمور 37: 12-15) ، لقد ضحك الرب لفشل المؤامرة ، وعودها على أصحابها ، فقد وقعوا في الحفرة التي حفروها للمسيح الذي نجاه الله بقوته .

ثانيًا : المزمور السابع :

(نبوءة عن عود المؤامرة على أصحابها)

وفيه نقرأ : « يا رب ، إلهي عليك توكلت ، خلصني من كل الذين يطردونني ، ونجني لئلا يفترس كأسد نفسي ، هاشمًا إياها ، ولا منقذ . 

يا رب ، إلهي ، إن كنتُ قد فعلت هذا ، إن وجد ظلم في يدي ، إن كافأت مسالمي شرًا ، وسلبت مضايقي بلا سبب ، فليطارد عدو نفسي ، وليدركها ، وليدس إلى الأرض حياتي ، وليحط إلى التراب مجدي ، سلاه .

 قم يا رب بغضبك ، ارتفع على سخط مضايقي ، وانتبه لي . بالحق أوحيت ، ومجمع القبائل يحيط بك ، فعد فوقها إلى العلا ، الرب يدين الشعوب ، اقض لي يا رب كحقي ، ومثل كمالي الذي فيّ ، لينته شر الأشرار ، وثبت الصديق ، فإن فاحص القلوب والكلى : الله البار ، ترسي عند الله مخلص مستقيمي القلوب .

 الله قاض عادل ، وإله يسخط كل يوم ، إن لم يرجع يحدد سيفه : مد قوسه وهيأها، وسدد نحوه آلة الموت ، يجعل سهامه ملتهبة .

 هو ذا يمخض بالإثم ، حمل تعبًا ، وولد كذبًا ، كرى جُبًّا حفره ، فسقط في الهوة التي صنع ، يرجع تعبه على رأسه ، وعلى هامته يهبط ظلمه . أحمد الرب حسب بره ، وأرنم لاسم الرب العلي » ( المزمور 7: 1-17 ) .

ولكن هل المزمور نبوءة تتعلق بالمسيح ، والجواب نعم ، فعلى قول الترنم في هذا المزمور : « اقض لي يا رب كحقي ، ومثل كمالي الذي فيّ » ، يعلق القديس جيروم فيقول : « لا يقدر داود أن يذكر هذه الكلمات عن نفسه ، إنما هي بالحقيقة تخص المخلص الكامل الذي لم يخطئ قط » ([36]) ، فهو يرى أن هذا المزمور نبوءة عن المسيح .

ويؤكد ذلك فخري عطية في كتاب ( دراسات في المزامير ) فيقول عن هذا المزمور : « واضح أنه من مزامير البقية ، إذ يشير إلى زمن ضد المسيح ، وفيه نسمع صوت البقية ، ومرة أخرى نجد روح المسيح ينطق على فم داود بالأقوال التي تعبر عن مشاعر تلك البقية المتألمة ، في أيام الضيق العظيمة » ([37]) .

والربط واضح وبيّن بين دعاء المزمور المستقبلي « يا رب ، إلهي ، عليك توكلت ، خلصني من كل الذين يطردونني ونجني ... » وبين دعاء المسيح ليلة أن جاءوا للقبض عليه « إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس » .

ثم يطلب الداعي من الله عونًا ؛ أن يرفعه إلى فوق ، في لحظة ضيقه « فعد فوقها إلى العلا » ، ويشير إلى حصول ذلك في لحظة الإحاطة به « ومجمع القبائل يحيط بك، فعد فوقها إلى العلا » .

ثم يذكر المزمور بأن الله « قاض عادل » فهل من العدل أن يصلب المسيح أم يهوذا ؟

ثم يدعو الداعي في المزمور الله أن يثبت الصديق ، وأن ينتهي شر الأشرار ، ويؤكد لجوءه إلى الله ، مخلص القلوب المستقيمة . 

ثم يتحدث المزمور عن خيانة يهوذا . وقد جاء « مد قوسه وهيأها ، وسدد نحوه آلة الموت » ( القُبلة الآثمة ) « ويجعل سهامه ملتهبة » . 

ولكن حصل أمر عظيم ، لقد انقلب السحر على الساحر ، « هو ذا يمخض بالإثم ، حمل تعبًا ، وولد كذبًا ، كَرَى جُبًّا ، حفره فسقط في الهوة التي صنع ، يرجع تعبه على رأسه ، وعلى هامته يهبط ظلمه » لقد ذاق يهوذا ما كان حفره لسيده المسيح ، ونجا المسيح من مجمع القبائل إلى العلا . 

لقد تحقق في يهوذا سنة الله وعادته في عقوبة الخائنين « من يحفر حفرة يسقط فيها ، ومن يدحرج حجرًا يرجع عليه » ( الأمثال 26: 27 ) .

 وفي موضع آخر : « الشرير تأخذه آثامه ، وبحبال خطيته يمسك ، إنه يموت من عدم الأدب ، وبفرط حمقه يتهور » ( الأمثال 5: 22-23 ) .

 وفي سفر الجامعة : « من يحفر هوة يقع فيها ، ومن ينقض جدارًا تلدغه حية » ( الجامعة 10: 8 ) .

وهذا ما أسفر عنه المزمور التاسع بوضوح حين قال : « لأنك أقمت حقي ودعواي ، جلست على الكرسي قاضيًا عادلًا ، انتهرت الأمم ، أهلكت الشرير .. تورطت الأمم في الحفرة التي عملوها ، في الشبكة التي أخفوها انتشبت أرجلهم ، معروف هو الرب قضاءً أمضى : الشرير يعلق بعمل يده » ( المزمور 9: 4-16) ، فهل تراه علق يهوذا بشرِّ يديه أم نجا من قانون الله وقضائه ، وأفلت من الشبكة التي نصبها للمسيح ؟

ثم ينتهي المزمور بحمد الله على هذه العاقبة « أحمد الرب حسب بره ، وأرنم لاسم الرب العلي » ، وهكذا نرى في هذا المزمور صورة واضحة لما حصل في ذلك اليوم ، حيث نجى الله عز وجل نبيه ، وأهلك يهوذا . 

ولا مخرج للنصارى إزاء هذا النص إلا إنكاره ، أو التسليم له ، والقول بأن المسيح له ظلم ، وله إثم ، وأنه ذاق ما كان يستحقه ، وأن الله عادل ؛ بقضائه قتل المسيح ، وأن ذلك أعدل وأفضل من القول بنجاته ؛ وصلبِ يهوذا الظالم الآثم ، جزاءً لفعله وخيانته ، وإلا فعليهم الرجوع إلى معتقد المسلمين ؛ بأن النص نبوءة عن يهوذا الخائن .

ثالثاً : المزمور العشرون :

(نبوءة باستجابة الله وتخليصه للمسيح وسقوط أعدائه)

 وفيه : « ليستجب لك الرب في يوم الضيق . ليرفعك اسم إله يعقوب ، ليرسل لك عونًا من قدسه ، ومن صهيون ليعضدك ، ليذكر كل تقدماتك ، وليستسمن محرقاتك ، سلاه ، ليعطك حسب قلبك ، ويتمم كل رأيك ، نترنم بخلاصك ، وباسم إلهنا نرفع رايتنا ، ليكمل الرب كل سؤلك . 

الآن عرفت أن الرب مخلص مسيحه ، يستجيبه من سماء قدسه ، بجبروت خلاص يمينه ، هؤلاء بالمركبات وهؤلاء بالخيل ، أما نحن : فاسم الرب إلهنا نذكره.

 هم جثوا وسقطوا ، أما نحن فقمنا وانتصبنا ، يارب خلص ، ليستجيب لنا الملك في يوم دعائنا » ( المزمور 20: 1-9) .

يقول هاني رزق في كتابه ( يسوع المسيح في ناسوته ولاهوته )  : « تنبأ داود النبي (1056 ق.م ) ، و ( حبقوق النبي 726 ق.م ) ، بأن الرب هو المسيح المخلص ، نبوءة داود النبي ، مزمور 20: 6 « الآن عرفت أن الرب مخلص مسيحه ... » .

وفي كتاب ( دراسات في سفر المزامير ) يؤكد فخري عطية هذا ، ويقول عن الفقرة السادسة من هذا المزمور : « في هذا العدد تعبير يشير في الكتب النبوية إلى ربنا يسوع المسيح نفسه ، تعبير يستخدمه الشعب الأرضي عن المخلص العتيد » ([38])  .

وتقول كنيسة السيدة العذراء بالفجالة في تفسيرها لسفر المزامير : « ويرى عدد من آباء اليهود أن هذا المزمور خاص بالمسيا ، وهكذا رأى عدد من آباء الكنيسة ( أثناسيوس وأغسطينيوس ) أنه نبوءة عن آلام المسيح وانتصاره » ([39])  .

وتخلص الكنيسة إلى القول : « خلاص المسيح كان بقيامته » أي : من الموت ، وهذا بالضبط ما قاله البابا أثناسيوس الذي يرى أن هذا المزمور نبوءة عن المسيح المصلوب ([40]) ، وكذلك فسر القديس أوغسطينوس المزمور بأنه حديث عن المسيح الذي غلب الموت ، وبذل حياته من أجل الآخرين([41]).

وهكذا فالسفر حديث ونبوءة عن المسيح ، فهل تراه يتحدث عن المسيح المصلوب أو المسيح الناجي ؟

القراءة المتأنية لهذا المزمور ترينا أن داود صاحب المزمور يدعو الله طالبًا أن يستجيب لوليه الضعيف ، داود يدعو الله أن ينجي المسيح ، وأن يرفعه للسماء لما صنع من بر وخير (تقدمات ومحرقات) ، ويبتهل صاحب المزمور طالبًا النجاة له « في يوم الضيق » ، « في يوم دعائنا » ، وليس من يوم مرّ على المسيح أضيق من ذلك اليوم الذي دعا فيه طويلًا ، طالبًا من الله أن يصرف عنه هذا الكأس « وإذ كان في جهاد ؛ كان يصلي بأشد لجاجة ، وصار عرقه كقطرات دم نازلة على الأرض » ( لوقا 22: 44 ) . 

ويطلب داود من الله إجابة دعاء المسكين وإعطاءه ملتمس شفتيه وسؤله وكل مراده « ليعطك حسب قلبك ، ويتمم كل رأيك .. ليكمل الرب كل سؤلك » . 

وهذا العون والنجاء يطلبه له داود لما سبق وتقدم به المسيح من أعمال صالحة « ليذكر كل تقدماتك ، وليستسمن محرقاتك » .

وينص المزمور على اسم المسيح ، وأن الله خلصه من الموت في فقرة ظاهرة لا تخفى حتى على أعمى ، فقد عرف داود نتيجة دعائه « الآن عرفت أن الرب مخلص مسيحه ، يستجيبه من سماء قدسه بجبروت خلاص » ، فالمزمور يذكر المسيح بالاسم ، ويتحدث عن خلاصه ، أن الله رفعه ، وأنه أرسل له ملائكة يحفظونه « ليرفعك اسم إله يعقوب ، ليرسل لك عونًا من قدسه » . 

ويبتهج المزمور لهذه النهاية السعيدة « نترنم بخلاصك ، وباسم إلهنا نرفع رايتنا».

ويربط القمّص تادرس يعقوب ملطي بين هذه الفقرة المتحدثة عن رفع الراية ونجاة المسيح، فرفع الراية عادة قديمة سادت في الشرق عند حدوث جريمة قتل ومطالبة أهل القتيل بالثأر، فإذا عفا هؤلاء عن القاتل؛ فإنه يخرج إلى الناس فرحًا لإعلان خبر نجاته وإعلان « هذا النبأ السار بخلاص من كان يُطلَب قتله ؛ بحمل مَنْ تمتّع بالعفو راية فوق رأسه، ويصرخ داعيًا المدينة كلها كي تأتي وترى الإنسان الذي باسمه تمتع بالحرية وعُتِق من حكم الموت»، فرفع الراية كان علامة لنجاة من كان يظن أنه سيموت، وقوله: «وباسم إلهنا نرفع رايتنا»([42]) إشارة إلى رفع راية المسيح ؛ راية نجاته من القتل، وهو الذي كان يظن أن القتل قدره ونهايته.

ويتحدث المزمور أيضًا عن تلك اللحظة العظيمة ، لحظة الخلاص التي نجا فيها المسيح « هم جثوا وسقطوا ، أما نحن فقمنا وانتصبنا » ، فهو يتحدث عن لحظة وقوع الجند كما في يوحنا « فلما قال لهم : إني أنا هو ؛ رجعوا إلى الوراء ، وسقطوا على الأرض » ( يوحنا 18: 6 ) .

وهذه اللحظة العظيمة ، لحظة الخلاص يسجلها أيضًا المزمور التاسع ، فهي إحدى آيات الله وأعاجيبه في خلقه ، « أحمد الرب بكل قلبي ، أحدث بجميع عجائبك، افرح وابتهج بك ، أرنم لاسمك أيها العلي ، عند رجوع أعدائي إلى خلف يسقطون ، ويهلكون من قدام وجهك ، لأنك أقمت حقي ودعواي ، جلست على الكرسي قاضيًا عادلًا ، انتهرت الأمم ، أهلكت الشرير ، محوت اسمهم إلى الدهر والأبد » ( المزمور 9: 1-5) .

فالقاضي العادل أهلك الشرير ، عندما رجع المبطلون إلى خلف وسقطوا ، لتتحقق الأعجوبة وينجو العبد البار ، فيحمد الله لأنه « رافعي من أبواب الموت » ( المزمور 9: 13 ) ، لقد انتشله من فم الموت ، ونجاه .

كما سجل المزمور السابع والعشرون هذه اللحظة العظيمة فقال : « عندما اقترب إليّ الأشرار ليأكلوا لحمي ، مضايقي وأعدائي عثروا وسقطوا .. لأنه يخبئني في مظلته في يوم الشر ، يسترني بستر خيمته » ( المزمور 27: 2-5) .

فدلالة هذا المزمور على نجاة المسيح أوضح من الشمس في رابعة النهار . 

رابعًا : المزمور الحادي والعشرون :

(نبوءة بفشل المؤامرة وإجابة طلب المسيح)

وفيه : « يا رب ، بقوتك يفرح الملك ، وبخلاصك ، كيف لا يبتهج جدًا ؟ 

شهوة قلبه أعطيته ، وملتمس شفتيه لم تمنعه ، سلاه . لأنك تتقدمه ببركات خير، وضعت على رأسه تاجًا من إبريز حياة ، سألكَ فأعطيته ، طول الأيام إلى الدهر والأبد عظيم ، مجده بخلاصك ، جلالًا وبهاء تضع عليه ، لأنك جعلته بركات إلى الأبد ، تفرحه ابتهاجًا أمامك ، لأن الملك يتوكل على الرب ، وبنعمة العلي لا يتزعزع. 

تصيب يدك جميع أعدائك ، يمينك تصيب كل مبغضيك ، تجعلهم مثل تنور نار في زمان حضورك ، الرب بسخطه يبتلعهم ، وتأكلهم النار ، تبيد ثمرهم من الأرض، وذريتهم من بين بني آدم ، لأنهم نصبوا عليك شرًا ، تفكروا بمكيدة لم يستطيعوها ، لأنك تجعلهم يقولون : تفوق السهم على أوتارك تلقاء وجوههم ، ارتفع يا رب بقوتك ، نُرنم وتُنغّم بجبروتك » ( المزمور 21: 1-3 ) .

يقول فخري عطية في كتابه ( دراسات في سفر المزامير ) : « إن المسيح هو المقصود بهذا المزمور » ، ووافقه القس الدكتور منيس عبد النور في كتابه ( تأملات في المزامير ) الذي صدر عن كنيسة مار جرجس باسبورتنج ([43]) .

ويعتبر القمص ملطي هذا المزمور من المزامير التي تنبأت عن المسيح ، وينقل عن العلماء قولهم : « هذا المزمور مسياني ، يعلم الترجوم والتلمود بأن الملك المذكور في هذا المزمور هو المسيّا » ، ويعلق القمص ملطي بالقول : « بعض أجزاء من هذا المزمور ( مثل عدد 4 ) لا يمكن أن تنطبق حرفيًا إلا على المسيا » ([44]) .

كما ينقل القمص ملطي عن المفسر اليهودي الشهير راشي (سليمان إسحاق) أنه كان يرى في هذا المزمور نبوءة عن المسيا ([45]).

وكان القديس أوغسطينوس قد سبقهم إلى هذا في القرن الميلادي الرابع، فقال معلقاً على قول المزمور : « يا رب بقوتك يفرح الملك» (المزمور 21: 2) : « النبي ينشد يسوع المسيح.. إن المسيح الإنسان يفرح بتلك القوة التي ألبست الكلمة الأزلي جسدًا ..»([46]).

وقولهم صحيح، فالمزمور العشرون كان يحكي عن دعاء المسيح وعن استجابة الله له ، ويحكي هذا المزمور ( الواحد والعشرون ) عن فرحه بهذه الاستجابة « يا رب بقوتك يفرح الملِك ، وبخلاصك كيف لا يبتهج جدًا .. نُرنم وننغّم بجبروتك» .

وينص المزمور أن الله أعطاه ما سأله وتمناه « شهوة قلبه أعطيته ، وملتمس شفتيه لم تمنعه .. سألك فأعطيته » ، وقد كان المسيح يطلب من الله بشفتيه النجاة من المؤامرة « إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس » ( متى 26: 39 ) ، لقد كان يخاف الموت ، ويطلب من الله أن يصرفه عنه ، وقد استجاب الله له كما في رسالة العبرانيين « الذي في أيام جسده ، إذ قدّم بصراخ شديد ودموع طلباتٍ وتضرعات للقادر أن يخلصه من الموت ، وسُمع له من أجل تقواه » ( عبرانيين 5: 7 ) ([47]) ، لقد كان المسيح متيقنًا من استجابة الله له، فالله لا يرده أبدًا « وقال : أيها الآب أشكرك ، لأنك سمعت لي ، وأنا علمت أنك في كل حين تسمع لي » ( يوحنا 11: 40 ) فقد سمع الله له وأجاب دعاءه .

ويذكر المزمور أن الله أعطاه حياة جديدة طويلة إلى قبيل قيام الساعة « حياةً سألَكَ فأعطيتَه ، طول الأيام ، إلى الدهر ، والأبد » ، كما وضع عليه إكليل حياة ، وهو غير إكليل الشوك الذي وضع على المصلوب ، يقول المزمور : « وضعت على رأسه تاجًا من إبريز حياة » .

ويحكي المزمور عن أعداء المسيح الذين تآمروا عليه وفكروا في « مكيدة لم يستطيعوها » فهم لم يلحقوا الأذى به ، فقد فشلت المؤامرة ، لأنه رُفع « ارتفع يا رب بقوتك » . 

وأما هؤلاء الأعداء : فترجع مكيدتهم عليهم « تصيب يدك جميع أعدائك ، يمينك تصيب كل مبغضيك .. الرب بسخطه يبتلعهم ، وتأكلهم النار ، تبيد ثمرهم من الأرض ، وذريتهم من بين بني آدم .. تفوق السهام على أوتارك تلقاء وجوههم » ، فهل يقول أحد بعد ذا كله بأن المصلوب هو المسيح .

خامسًا : المزمور الثاني والعشرون :

(نبوءة بصلب الدودة العار ، لا المسيح العظيم)

وفيه : « إلهي إلهي لماذا تركتني بعيدًا عن خلاصي ؟ عن كلام زفيري ؟ إلهي في النهار أدعو فلا تستجيب ، في الليل أدعو فلا هدوّ لي ، وأنتَ القدوس الجالس بين تسبيحات إسرائيل ، عليك اتكل آباؤنا ، اتكلوا فنجيتهم ، إليك صرخوا فنجوا ، عليك اتكلوا فلم يَخزَوْا .

 أما أنا فدودة لا إنسان ، عارُُ عند البشر ، ومحتقرُ الشعب ، كل الذين يرونني يستهزئون بي ، يفغرون الشفاه ، ويُنغضون الرأس قائلين : اتكل على الرب فلينجه .

 لينقذه ، لأنه سُرّ به ، لأنك أنت جذبتني من البطن ، جعلتني مطمئنًا على ثديي أمي ، عليك ألقيت من الرحم ، من بطن أمي ، أنت إلهي ، لا تتباعد عني لأن الضيق قريب ، لأنه لا معين ، أحاطت بي ثيران كثيرة ، أقوياء باشان اكتنفتني ، فغروا علىّ أفواههم ، كأسد مفترس مزمجر ، كالماء انسكبتُ ، انفصلتْ كل عظامي ، صار قلبي كالشمع ، قد ذاب في وسط أمعائي ، يبستْ مثل شَقفَة قوتي ، ولصق لساني بحنكي ، وإلى تراب الموت تضعني ، لأنه قد أحاطت بي كلاب ، جماعة من الأشرار اكتنفتني ، ثقبوا يدي ورجلي ، أُحصى كل عظامي ، وهم ينظرون ويتفرسون فّي ، يقسمون ثيابي بينهم ، وعلى لباسي يقترعون » (المزمور 22: 1-18) .

ويُجمع النصارى على أن هذا المزمور بنوءة عن المسيح ، فقد اقتبس منه كُتّاب الأناجيل في سياق روايات الصلب ، يقول متى : « ولما صلبوه اقتسموا ثيابه مقترعين عليها ، لكي يتم ما قيل بالنبي : اقتسموا ثيابي بينهم ، وعلى لباسي ألقوا قرعة » ( متى 27: 35 ) ([48]) ، ومثله في ( يوحنا 19: 24 ) .

والاقتباس من هذا المزمور في قوله: « يقسمون ثيابي بينهم ، وعلى لباسي يقترعون».

كما أن الرواية التي في المزمور توافق رواية الصلب في صراخ المصلوب : «إلهي إلهي لماذا تركتني» ( متى 27: 46 ) ، ( مرقس 15: 34 ) . 

ويوافق نص المزمور ما جاء في الأناجيل في بيان حال المصلوب « كان المجتازون يجدفون عليه ، وهم يهزون رؤوسهم قائلين : يا ناقض الهيكل وبانيه في ثلاثة أيام ، خلص نفسك ، إن كنت ابن الله فانزل عن الصليب ، قد اتكل على الله فلينقذه الآن إن أراده » ( متى 27: 39-43 ) . فهذا يشبه ما جاء في هذا المزمور «محتقر الشعب ، كل الذين يرونني يستهزئون بي .. وينغضون الرأس قائلين : اتكل على الرب ، فلينجه » . 

كما يوافق النص الأناجيلَ كرّة أخرى في قوله : « جماعة من الأشرار اكتنفتني ، ثقبوا يدي ورجلي ، أحصي على عظامي » ، فهي عبارة تدل على أخذ المصلوب يوم سُمرت يداه ورجلاه على الصليب . 

لهذا كله كان إجماع النصارى على أن هذا المزمور نبوءة عن حادثة الصلب ، خاصة أن داود لم يمت مصلوبًا ، فهو إذن يتحدث عن غيره .

والحق أن المزمور نبوءة عن المصلوب ، لكنه ليس عيسى u ، بل هو الخائن يهوذا الأسخريوطي ، فنراه وهو جزع ، يائس ، يصرخ : « إلهي ، إلهي ، لماذا تركتني؟»، بينما المسيح ÷ يخبرنا أن الله يستجيب له دومًا « وأنا علمتُ أنك في كل حين تسمع لي » (يوحنا 11: 40 ) ، ويؤكده كاتب رسالة العبرانيين بقوله : « الذي في أيام جسده ، إذ قدّم بصراخ شديد ودموع طلباتٍ وتضرعات للقادر أن يخلصه من الموت ، وسُمع له من أجل تقواه » ( عبرانيين 5: 7 ) .

المزمور نبوءة عن المصلوب اليائس الذي يدعو فلا يستجاب له « إلهي ، في النهار أدعو فلا تستجيب ، في الليل أدعو فلا هُدوّ لي .. عليَك اتكل آباؤنا فنجيتَهم ، عليك صرخوا فنجوا ، عليك اتكلوا فلم يخزوا . أما أنا فدودة لا إنسان .. » . 

لقد وصف المزمور المصلوب بأنه « دودة لا إنسان ، عارُُ عند البشر ، محتقَرُ الشعب » فمَن هو هذا اليائس الموصوف بأنه دودة ، وأنه عار عند البشر ، وأنه محتقر، وأنه لا يستجاب له ؟

إنه يهوذا ، حيث جعلتْه خستهُ وخيانتهُ كالدودة الحقيرة ، وأصبح عارًا على البشر، كلَّ البشر ، المسلمين واليهود والنصارى ، بل وحتى البوذيين وغيرهم ، لأنه خائن ، والخيانة خسة وعار عند كل أحد ، يحتقره الشعب ، ولا يستجيب الله دعاءه .

والعجب ممن يصر على أن النبوءة عن المسيح ، إذ كيف يوصف المسيح بالدودة والعار ، وهو مجد وفخر للبشر ؛ بل العار هو يهوذا .

ونلحظ أن النص يصف المصلوب بالدودة لمكانته عند الله ، ويتضح هذا لمن تأمل المقابلة التي يجريها النص بين الآباء المقبولين عند الله ، الذين يدعون الله فيستجيب لهم ، وفي مقابل هؤلاء يقول المصلوب : « أما أنا فدودة لا إنسان .. » ، فهو دودة محتقرة عند الله الذي لا يستجيب دعاءه ، ولا يقبله كما قبِل آباءه من قبل، يقول أنطونيوس فكري: «نرى المرنم يقول في ثقة أن الآباء حين اتكلوا على الله خلصهم، أما هو فدودة  حقيرة، وحالته ميئوس منها، وأن الله قد تركه، وهنا فالمرنم يتكلم بلسان المسيح الذي صار مهانًا ومحتقر الشعب»([49]).

كما لا يفوتنا التنبيه على أن النص وصف المصلوب بالعار ، ليس فقط عند جلاديه وأعدائه ، بل عند البشر جميعًا ، في كل أجيالهم ، وجميع مِللهم ، ولا يمكن أن يكون المسيح كذلك ، بل تفخر البشرية أن فيها مثل هذا الرجل العظيم الذي اصطفاه الله برسالته ووحيه . 

كما نلحظ أن كلمة « عار » تلحق بالشخص نفسه ، لا الصلب الواقع عليه ، فهو العار ، وهو الدودة ، وحاشا للمسيح العظيم أن يكون دودة أو عارًا ، عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم . 

لقد مجد الله المسيح فلم يكن عارًا ، بل كان فخرًا وعزًا ، وإن تاهت عنه عيون البعض ، فرأوا مجده عارًا ، ونجاته خزيًا ، لقد غفلوا عن النبوءة القائلة : « استجب لي يا إله برّي ، في الضيق رحبت لي ، تراءف عليّ واسمع صلاتي ، يا بني البشر ، حتى متى يكون مجدي عارًا ؟ حتى متى تحبون الباطل ، وتبتغون الكذب ؟ سلاه ، فاعلموا أن الرب قد ميّز تقيّه ، الرب يسمع عندما أدعوه » ( المزمور 4: 1-3) ، فخلاصه عليه السلام هو المجد الذي لم يؤمن به النصارى ، واعتبروه عليه السلام لعنة وعارًا ، لكنه كذب وباطل ، فقد سمع الله دعاء تقيه ومسيحه .

كما لا يقبل بحال أن يوصف المسيح بأنه دودة ، والعجب من أولئك الذين يدعون ألوهيته كيف يستسيغون تسميته بدودة ، بل الدودة هو الخائن الحقير ، يهوذا . 

وأما وصف المصلوب بأنه « محتقر الشعب » فينطبق على المصلوب ، وكلمة «الشعب» تشير إلى أولئك الذين حضروا الصلب ، وكانوا يحتقرون المصلوب . 

سادسًا : المزمور التاسع والستون :

(نبوءة عن يهوذا المصلوب ، صاحب الحماقات والذنوب)

وهذا المزمور نبوءة أخرى تتناول حادثة الصلب ، وهو نبوءة متحدثة عن حادثة الصلب ، فقد اقتبس منه كُتّاب الأناجيل ، ورأوا فيه نبوءة عن المصلوب ، تحققت ـ حسب رأيهم ـ في المسيح حين صلب ، يقول يوحنا : « بعد هذا رأى يسوع أن كل شيء قد كمل ، فلكي يتم الكتاب قال : أنا عطشان ، وكان إناء موضوعًا مملوءًا خلًا ، فملأوا إسفنجة من الخل ، ووضعوها على زوفا ، وقدموها إلى فمه ، فلما أخذ يسوع الخل قال : قد أكمل » ( يوحنا 19: 28-30) ، أي كملت النبوءات والكتب ، ومقصده ما جاء في الفقرة الحادية والعشرين من هذا المزمور ، وفيها : « ويجعلون في طعامي علقمًا ، وفي عطشي يسقونني خَلًا » .

وأيضًا استشهد فيه بطرس في خطبته عن يهوذا ، فقال : « لأنه مكتوب في سفر المزامير : لتصر داره خرابًا ، ولا يكن فيها ساكن ، وليأخذ وظيفته آخر » ( أعمال 1: 20).

فقول بطرس عن يهوذا : « لتصر داره خرابًا ، ولا يكن فيها ساكن » اقتبسه بطرس من الفقرة الخامسة والعشرين في هذا المزمور : « لتصر دارهم خرابًا ، وفي خيامهم لا يكن ساكن » ( المزمور 69: 25 ) .

وهذه الفقرة اعتبرها القديس إيريناوس نبوءة عن الأسخريوطي([50])، وتابعه جامع تفسير أعمال الرسل من كتابات الآباء : « الروح القدس بفم داود قد تنبأ عن يهوذا في المزمورين 69 و 109» ([51]) .

وآخرون من العلماء اكدوا لنا ارتباط هذا المزمور بحادثة الصلب من جهة أخرى حين قالوا بأن هذا المزمور كان نبوءة عن المسيح المصلوب المتألم، فالتفسير التطبيقي يقول: «هذا أحد المزامير التي يكثر الاقتباس منها في العهد الجديد، وكثيرًا ما يطبَّق على خدمة الرب يسوع وآلامه .. نجد صورة لآلام المسيح الرهيبة في (69: 20-21)» ويقول عوض سمعان عن قوله: «ويجعلون في طعامي علقمًا ، وفي عطشي يسقونني خلاً » (المزمور 69: 21): « تتنبأ عن تقديم الأعداء للمسيح خلاً وخمرًا»([52]).

فالمزمور نبوءة عن المصلوب بشهادة يوحنا ، وهو في نفس الوقت نبوءة عن يهوذا الخائن بشهادة بطرس والمفسرين ، أليس في هذا ما يستحق وقفة عند المؤمنين بصدق شهادة العهد القديم ؟ من هو صاحب الحماقات والذنوب الذي سقي الخل في عطشه ؟ من تراه يكون : المسيح البار أم يهوذا الخائن ؟

السفر التوراتي وحده كفيل بالإجابة عن السؤال ، وفيه يهتف المصلوب ويصرخ بيأس يرجو رحمة الله الذي لم يستجب له ، فيقول : « خلصني يا الله ، لأن المياه قد دخلت إلى نفسي ، غرقت في حمأة عميقة وليس مقر ، دخلت إلى أعماق المياه ، والسيل غمرني ، تعبت من صراخي ، يبس حلقي ، كلّت عيناي من انتظار إلهي، أكثر من شعر رأسي الذين يبغضونني بلا سبب ، اعتزّ مستهلكيّ أعدائي ظلمًا ، حينئذ رددت الذي لم أخطفه .. » .

ويذكرنا المزمور بصراخ المصلوب اليائس « إلهي إلهي لماذا تركتني » ، وقد يبس حلقه ، وكلّت عيناه ، وما من مجيب .

ويعجب المصلوب لحال أولئك الذين أبغضوه وعلقوه بلا سبب ، فقد جاء ليدلهم على المسيح ، فإذا به يؤخذ بدلًا عنه ، من غير أن يصنع سببًا واحدًا يستحق بغضهم له وصلبهم إياه .

لكنه يعلم أن سبب ما حاق به هو حماقته وذنوبه والعار ، عار الخيانة الذي غطاه ، فيقول : « يا الله ، أنت عرفت حماقتي ، وذنوبي عنك لم تخف ، غطى الخجل وجهي ، صرت أجنبيًا عند إخوتي ، وغريبًا عند بني أمي .. أنت عرفت عاري وخزيي وخجلي .. قدامك جميع مضايقي ، العار قد كسر قلبي فمرضت ، انتظرت رقة فلم تكن ، ومعزين فلم أجد ، ويجعلون في طعامي علقمًا ، وفي عطشي يسقونني خَلًا » ( المزمور 69: 5-21 ) ، فمن هو صاحب الحماقة والذنوب والعار والخزي والخجل ، من هو ذاك الذي كسر العار قلبه ، إنه ذاك الذي سقوه الخل وهو على الصليب ، هل يعقل أن نقول  : إنه المسيح ؟ لا وألف لا ، إنه يهوذا الخائن .

لكن المصلوب البائس لا ييأس ، فيواصل الصراخ والاستجداء طالبًا من الله الخلاص ، مستعينًا فقط برحمة الله التي تسع كل شيء ، ولكن بلا فائدة « لأن غيرة بيتك أكلتني ، وتعييرات معيّريك وقعت عليّ ، وأبكيت بصوم نفسي ، فصار ذلك عارًا عليّ ، جعلت لباسي مسحًا ، وصرت لهم مثلًا ، يتكلم فيّ ، الجالسون في الباب وأغاني شرّابي المسكر .

أما أنا فلك صلاتي يا رب في وقت رضا ، يا الله بكثرة رحمتك استجب لي بحق خلاصك ، نجني من الطين ، فلا أغرق نجني من مبغضيّ ، ومن أعماق المياه ، لا يغمرني سيل المياه ، ولا يبتلعني العمق ، ولا تطبق الهاوية عليّ فاها ، استجب لي يا رب ، لأن رحمتك صالحة ، ككثرة مراحمك التفت إليّ ، ولا تحجب وجهك عن عبدك ، لأن لي ضيقًا ، استجب لي سريعًا ، اقترب إلى نفسـي ، فكها ، بسبب أعدائي افدني » ( المزمور 69:  9-18 ) . 

وتأتيه نتيجة دعائه وخيانته ، إذ يقول السفر : « لتصـر مائدتهم قدامَهم فخًا ، وللآمنين شركًا ، لتظلم عيونهم عن البصر ، وقلقل متونهم دائمًا ، صبّ عليهم سخطك، وليدركهم حمو غضبك‏ ، لتصر دارهم خرابًا ، وفي خيامهم لا يكن ساكن ، لأن الذي ضربته أنت هم طردوه ، وبوجع الذين جرحتهم يتحدثون ، اجعل إثمًا على إثمهم ، ولا يدخلوا في برِّك ، ليُمحَوا من سفر الأحياء ، ومع الصديقين لا يكتبوا » ( المزمور 69: 22-28) .

فمن تراه يكون هذا الهالك الذي صارت مائدته فخًا وشركًا للآمنين ، لكن عميت عيونهم عن البصر ، فلم تبصر الصديق ، وهو ينجو ، لقد باء الخائن بالإثم ، وأصبحت داره خرابًا ، ومحي اسمه من سفر الأحياء ، فمات ولم يستجب له ، كما حذف من قائمة الصديقين ، فكتب مع الأشرار الهالكين ، فمن تراه يكون ؟ إنه يستحيل أن يكون السيد المسيح .

ثم يعود المزمور ليحدثنا عن المسيح الذي نجاه الله ، فيقول عن نفسه : « أما أنا فمسكين وكئيب ، خلاصك يا الله فليرفعني ، أُسبح اسم الله بتسبيح ، وأعظمه بحمد ، فيستطاب عند الرب أكثر من ثور بقر ذي قرون وأظلاف ، يرى ذلك الودعاء ، فيفرحون ، وتحيا قلوبكم يا طالبي الله ، لأن الرب سامع للمساكين ، ولا يحتقر أسراه» ( المزمور 69: 29-33) ، لقد سمع الله دعاءه ، وخلاص الله رفعه وإنجاؤه ، ففرح بنجاته المؤمنون ، فالرب يسمع دعاء المساكين ، لذا فهو يستحق المزيد من الحمد والتسبيح .

وقد يشكل على القارئ الكريم قوله : « أما أنا فلك صلاتي يا رب في وقت رضا، يا الله بكثرة رحمتك استجب لي بحق خلاصك .. استجب لي يا رب ، لأن رحمتك صالحة ، ككثرة مراحمك التفت إليّ » ، فيرى ـ خطًا ـ أن هذا السائل المستغيث هو المسيح ، وهذا فهم خاطئ ، إذ السائل هنا يستغيث مستشفعًا بما سبق من صلوات له زمن صحبته للمسيح ، ويشفعها بطلب الرحمات من الله الرحيم كثير الرحمات ، وهو الحبل الوحيد الذي يتشبث به الغريق ، ولو كان خائنًا فاجرًا .

أما المسيح عليه الصلاة والسلام ، فكان في دعائه المستجاب يستشفع بكماله وصلاحه وعبادته لله ، ومنه قوله : « اقض لي يا رب كحقي ، ومثِّل كمالي الذي فيّ » ( المزمور 7: 8 ) .

ومثله في المزمور الواحد والأربعين « أما أنا فبكمالي دعمتني ، وأقمتني قدامك إلى الأبد ، مبارك الرب إله إسرائيل ، من الأزل وإلى الأبد ، آمين فآمين » (المزمور 41: 12) .

وقد أوضحته المزامير في مواضع ، منها قوله : « أذللت بالصوم نفسـي ، وصلاتي إلى حضني ترجع » (المزمور 35: 13).

وفي المزمور الواحد والتسعين « أرفعه لأنه عرف اسمي ، يدعوني فأستجيب له ، معه أنا في الضيق ، أنقذه وأمجده » ( المزمور 91: 14 ) .

وكذا في المزمور العشرين اعتمد المسيح واتكل على صالح عمله وبره لله «ليستجب لك الرب في يوم الضيق . ليرفعك اسم إله يعقوب ، ليرسل لك عونًا من قدسه ، ومن صهيون ليعضدك ، ليذكر كل تقدماتك ، وليستسمن محرقاتك» (المزمور 20: 3 ) .

سابعًا : المزمور الخامس والثلاثون :

(نبوءة بعَودِ المؤامرة على أصحابها)

وهذا المزمور شاهد آخر يتحدث عن المسيح ، فقد اقتبس منه يوحنا في إنجيله، حين قال : « وأما الآن فقد رأوا وأبغضوني أنا وأبي ، لكن لكي تتم الكلمة المكتوبة في ناموسهم : إنهم أبغضوني بلا سبب » (يوحنا 15: 24-25) ، وهذا الاقتباس من الفقرة السابعة من المزمور ، وفيها : « لأنهم بلا سبب أخفوا لي هوة شبكتهم » ، فهو متحدث عن المسيح باتفاق النصارى ، وبشهادة يوحنا ([53]) .

فهل كان المزمور نبوءة عن المسيح المصلوب ، أم كان بشارة بنجاته عليه الصلاة والسلام ؟

يقول المزمور متحدثًا عن دعاء مؤمن محتاج إلى رعاية ربه وحمايته له من أعدائه ، فيقول : « خاصِمْ يا رب مخاصِمي ، قاتِلْ مقاتلي ، أمسك مجنًا وترسًا ، وانهض إلى معونتي ، وأشرِع رمحًا ، وصُد تلقاء مطارديّ ، قل لنفسي : خلاصكِ أنا » ( المزمور 35: 1-3 ) .

ويطلب ذلكم الداعي المؤمن من ربه أن يقع عدوه في الشبكة التي نصبها ، ويطلب من الله أن يؤيده بالملائكة ، فيقول : « ليخز وليخجل الذين يطلبون نفسي ، ليرتد إلى الوراء ، ويخجل المتفكرون بإساءتي ، ليكونوا مثل العصافة قدام الريح ، وملاك الرب داحرُهم ، ليكن طريقهم ظلامًا وزلقًا ، وملاكُ الرب طاردهم ، لأنهم بلا سبب أخفوا لي هوة شبكتهم ، بلا سبب حفروا لنفسي ، لتأته التهلكة وهو لا يعلم ، ولتنشب به الشبكة التي أخفاها ، وفي التهلكة نفسها ليقع » ( المزمور 35: 4-8 ) ، لقد طلب الداعي المسكين من الله طُلبة في شأن عدوه ، طلب منه أن يقتله بشبكته التي نصبها ، أي في ذات المؤامرة التي سعى فيها ، فهل استجاب الله لوليه أم خيبه ؟ 

السفر يجيب بوضوح أن الله استجاب له ، ويبتهج بخلاص المسيح ونجاته « أما نفسي فتفرح بالرب ، وتبتهج بخلاصه ، جميع عظامي تقول : يا رب ، من مثلك المنقذ المسكين ممن هو أقوى منه ؟ والفقير والبائس من سالبه ؟ شهود زور يقومون ، وعما لم أعلم يسألونني ، يجازونني عن الخير شرًا ، ثكلًا لنفسي ، أما أنا ففي مرضهم كان لباسي مسحًا ، أذللت بالصوم نفسي ، وصلاتي إلى حضني ترجع » (المزمور 35: 9-13) .

ويعود المزمور للحديث عن أعدائه الذين عادوا بالخيبة ، فيقول : « لا يشمت بي الذين هم أعدائي باطلًا ، ولا يتغامز بالعين الذين يبغضونني بلا سبب ، لأنهم لا يتكلمون بالسلام ، وعلى الهادئين في الأرض يفتكرون بكلام مكر ، فغروا عليّ أفواههم ، قالوا : هه هه ، قد رأت أعيننا ، قد رأيتَ يا ربُّ ، لا تسكت يا سيد ، لا تبتعد عني ، استيقظ ، وانتبه إلى حكمي يا إلهي وسيدي ، إلى دعواي ، اقض لي حسب عدلك يا رب .

إلهي فلا يشمتوا بي ، لا يقولوا في قلوبهم : هه شهوتنا ، لا يقولوا : قد ابتلعناه ، ليخز وليخجل معًا الفرحون بمصيبتي ، ليلبس الخزيَ والخجلَ المتعظمون عليّ ، ليهتف ويفرح المبتغون حقي ، وليقولوا دائمًا : ليتعظم الرب المسرور بسلامة عبده ، ولساني يلهج بعدلِك ، اليوم كله بحمدك » ( المزمور 35: 19-28) ، لقد كان دعاء حارًا من العبد المؤمن ، وهو يطلب من الله العادل أن يخزي أعداءه الذين أبغضوه بلا سبب .

وقد استجاب الله له « أما نفسي فتفرح بالرب ، وتبتهج بخلاصه ، جميع عظامي تقول : يا رب ، من مثلك المنقذ المسكينَ ممن هو أقوى منه ؟ والفقيرَ والبائس من سالبه ؟ .. أما أنا ففي مرضهم كان لباسي مسحًا ، أذللت بالصوم نفسي ، وصلاتي إلى حضني ترجع » ( المزمور 35: 9-13) ، لقد شفع له عند ربه صلاته وصيامه ولباسه للمسوح عبادة لله وتذللًا .

ثامنًا : المزمور الأربعون :

(نبوءة باستجابة الله دعاء المسيح وفشل للمؤامرة)

المزمور الأربعون شاهد آخر بنجاة المسيح وهلاك غيره من المتآمرين عليه ، وقد اقتبس الكاتب المجهول للرسالة إلى العبرانيين من هذا المزمور ، ليدلل لنا على أنه نبوءة عن المسيح فقال : « لذلك عند دخوله إلى العالم يقول : ذبيحة وقربانًا لم ترد ، ولكن هيأت لي جسدًا ، بمحرقات وذبائح للخطية لم تسرّ ، ثم قلت : ها أنذا أجيء في درج الكتاب مكتوب عني : لأفعل مشيئتك يا الله » ( عبرانيين 10: 5-7 ) .

وهو اقتباس من الفقرتين السادسة والسابعة من هذا المزمور ، ففيهما يقول كاتب المزمور : « بذبيحة وتقدمة لم تُسر ، أذنيّ فتحت ، محرقة وذبيحة خطية لم تطلب ، حينئذ قلت : ها أنذا جئت ، بدرج الكتاب مكتوب عني ، أن أفعل مشيئتك يا إلهي » ( المزمور 40: 6-7) .

ويؤكده اختيار محرري قاموس الكتاب المقدس لهذا المزمور ضمن المزامير المسيحية ، وكذلك قول القس جيمس أنِس بأن هذا المزمور أحد المزامير « التي موضوعها آلام المسيح » ([54]) .

فماذا يقول المزمور وقد ثبت أنه يتحدث عن المسيح ؟

يبدأ المزمور بالبشارة باستجابة الله للمسيح وإنجائه له من المؤامرة ، لأنه توكل على الله ، فيقول : « انتظارًا انتظرتُ الرب ، فمال إليّ ، وسمع صراخي ، وأصعدني من جُبِّ الهلاك ، من طين الحمأة ، وأقام على صخرة رجليّ ، ثبّت خطواتي ، وجعل في فمي ترنيمة جديدة تسبيحة لإلهنا ، كثيرون يرون ويخافون ويتوكلون على الرب ، طوبى للرجل الذي جعل الرب مُتكله ، ولم يلتفت إلى الغطاريس والمنحرفين إلى الكذب » ( المزمور 40: 1-4 ) .

ثم يثني المزمور على الله الذي زادت نعمه وآلاؤه ، وفي مقابلها بذل الداعي الأمانة والإخلاص لله والتوبة بين يديه « كثيرًا ما جعلتَ أنت أيها الرب إلهي عجائبَك وأفكارك من جهتنا ، لا تقوّم لديك ، لأخبرن وأتكلمن بها ، زادت عن أن تعد .. بشرت ببر في جماعة عظيمة ، هوذا شفتاي لم أمنعهما ، أنت يا رب علمت ، لم اكتم عدلك في وسط قلبي ، تكلمت بأمانتك وخلاصك ، لم أُخفِ رحمتك وحقك عن الجماعة العظيمة » ( المزمور 40: 5-10) .

ثم يعود المسيح للتضرع بين يدي الله طالبًا أن ينجيه من المؤامرة التي تحيط به، كما يطلب أن تحيق المؤامرة بالمتآمرين عليه ، وأن يعودوا بالخزي والخجل حين يرتدون إلى الوراء « أما أنت يا رب ، فلا تمنع رأفتك عني ، تنصرني رحمتك وحقك دائمًا ، لأن شرورًا لا تحصى قد اكتنفتني ، حاقت بي آثامي ، ولا أستطيع أن‏ أُبصر ، كثُرت أكثر من شعر رأسي ([55]) ، وقلبي قد تركني ، ارتض يا رب بأن تنجيني ، يا رب إلى معونتي أسرع ، ليخز وليخجل معًا الذين يطلبون نفسي لإهلاكها ، ليرتد إلى الوراء ، وليخز المسرورون بأذيتي ، ليستوحش من أجل خزيهم ، القائلون لي : هه هه، ليبتهج ويفرح بك جميع طالبيك ، ليقل أبدًا محبو خلاصك : يتعظم الرب ، أما أنا فمسكين وبائس ، الرب يهتم بي ، عوني ومنقذي أنت ، يا إلهي لا تبطئ » ( المزمور 40: 11-17) .

وقد كان كما طلب المسيح ، فعادوا بالخزي والخجل ، حين ارتدوا إلى الوراء، تلك اللحظة العظيمة التي سجلها يوحنا في إنجيله حين قال : « فلما قال لهم : إني أنا هو، رجعوا إلى الوراء ، وسقطوا على الأرض » (يوحنا 18: 6 ) .

لقد طلب من الله أن ينقذه « أنا فمسكين وبائس ، الرب يهتم بي ، عوني ومنقذي أنت ، يا إلهي لا تبطئ .. ارتض يا رب بأن تنجيني ، يا رب إلى معونتي أسرع » .

فلم تبطئ عنه معية الله « فمال إليّ ، وسمع صراخي ، وأصعدني من جُبِّ الهلاك، من طين الحمأة ، وأقام على صخرة رجليّ ، ثبّت خطواتي » .

كما سمع الله دعاءه بحق أعدائه ، فعادوا بالخزي والخجل « ليخز وليخجل معًا الذين يطلبون نفسي لإهلاكها ، ليرتد إلى الوراء ، وليخز المسرورون بأذيتي » . 

تاسعًا  : المزمور الواحد والأربعون :

(نبوءة بنجاة المسيح من مؤامرة تلميذه في يوم الضيق)

المزمور الواحد والأربعون هو أيضًا أحد الأسفار التي تحدثت عن نجاة المسيح وخيانة يهوذا له ، وقد اقتبس منه يوحنا في ثنايا حديثه عن يهوذا فقال متنبئًا بخيانته : « إن علمتم هذا فطوباكم إن عملتموه ، لست أقول عن جميعكم ، أنا أعلم الذين اخترتهم ، لكن ليتم الكتاب ، الذي يأكل معي الخبز رفع عليّ عقبه » (يوحنا 13 : 17-18) .

فقد اقتبس يوحنا من المزمور الواحد والأربعين الفقرة التاسعة وفيها : « رجل سلامتي الذي وثقت به آكل خبزي رفع عليّ عقبه » ، فالمزمور نبوءة عن المسيح بدليل قول المسيح : « لكن ليتم الكتاب » ([56]) .

يقول أغسطينوس: «تكلم عن نفسه في المزمور بخصوص مسلميه ومضطهديه»([57]).

ودعونا نتأمل المزمور من أوله ، حيث يتنبأ المزمور بنجاة المسيح في يوم ضيقه، فإن الرب حفظه ولم يسلمه لمرام أعدائه ، فيقول : « طوبى للذي ينظر إلى المسكين ، في يوم الشر ينجيه الرب ، الرب يحفظه ويحييه ، يغتبط في الأرض ، ولا يسلمه إلى مرام أعدائه ، الرب يعضده وهو على فراش الضعف » ( المزمور 41: 1-3) .

ثم يتحدث المزمور عن أعداء المسيح ، وعن الخائن الذي وثق به ، فيقول : « أعدائي يتقاولون عليّ بشر ، متى يموت ويبيد اسمه ، وإن دخل ليراني يتكلم بالكذب ، قلبه يجمع لنفسه إثمًا ، يخرج في الخارج يتكلم ، كل مبغضيّ يتناجون معًا عليّ ، عليّ تفكروا بأذيتي ، يقولون : أمر رديء قد انسكب عليه ، حيث اضطجع لا يعود يقوم ، أيضًا رجل سلامتي الذي وثقت به ، آكل خبزي ، رفع عليّ عقبه » ( المزمور 41: 5-9 ) ، لقد كان تلميذه يهوذا ، رجل سلامته أحد المتآمرين عليه .

لكن كمال المسيح وحسن طاعته لله نجياه من كيد عدوه ، وأبطل مؤامرة يهوذا، فيقول المزمور : « أما أنت يا رب فارحمني ، وأقمني فأجازيهم ، بهذا علمت أنك سررت بي ، إنه لم يهتف عليّ عدوّي ، أما أنا فبكمالي دعمتني ، وأقمتني قدامك إلى الأبد ، مبارك الرب إله إسرائيل ، من الأزل وإلى الأبد ، آمين فآمين » ( المزمور 41: 10-13) ، لقد سُر به ربه ، ولم يهتف عليه عدوه ، بل بكماله وصلاحه كتبت له النجاة .

عاشرًا  : المزمور الرابع والثلاثون :

(نبوءة بسلامة عظام المسيح ونجاته من المؤامرة التي تميت الشرير)

وهذا المزمور أيضًا متحدث عن المسيح عليه الصلاة والسلام ، وقد أحال عليه كتاب الأناجيل ، واعتبروه نبوءة عن المسيح ، ففي الفقرة العشرين منه يقول : « يحفظ جميع عظامه ، واحدٌ منها لا ينكسر » ، وهي العبارة التي اقتبسها يوحنا ، واعتبرها نبوءة عن المسيح ، فقال : « لأن هذا كان ليتم الكتاب القائل : عظم منه لا يكسـر » (يوحنا 19: 36) ([58]).

فبماذا تنبأ المزمور ، هل كان يتحدث عن المسيح المصلوب الذي لم يستجب الله دعاءه ، أم عن المسيح الناجي الذي لا يكسر منه عظم ، فيما تحيق المؤامرة بأعدائه الأشرار ، يقول المزمور متحدثًا عن دعاء المسيح الطويل في البستان ، وعن استجابة الله له ، وعن المدد الذي أمده من الملائكة : « طلبت إلى الرب فاستجاب لي، ومن كل مخاوفي أنقذني ، نظروا إليه واستناروا ، ووجوههم لم تخجل ، هذا المسكين صرخ ، والرب استمعه ، ومن كل ضيقاته خلصه ، ملاك الرب حال حول خائفيه وينجيهم ، ذوقوا وانظروا ما أطيب الرب ، طوبى للرجل المتوكل عليه ، اتقوا الرب يا قديسيه ، لأنه ليس عوز لمتقيه ، الأشبال احتاجت وجاعت ، وأما طالبو الرب فلا يعوزهم شيء من الخير » ( المزمور 34: 1-10) .

ويمضي السفر مؤكدًا استجابة الله للمسيح ، وسلامة جسده ، وينتقل للحديث عن أعدائه الذين يصب عليهم غضبه ، فيقول : « عينا الرب نحو الصديقين ، وأذناه إلى صراخهم ، وجه الرب ضد عاملي الشر ، ليقطع من الأرض ذكرهم ، أولئك صرخوا ، والرب سمع ، ومن كل شدائدهم أنقذهم ، قريب هو الرب من المنكسري القلوب ويخلص المنسحقي الروح ، كثيرة هي بلايا الصدّيق ، ومن جميعها ينجيه الرب ، يحفظ جميع عظامه ، واحد منها لا ينكسر ، الشر يميت الشرير ، ومبغضو الصدّيق يعاقبون ، الرب فادي نفوس عبيده ، وكل من اتكل عليه لا يعاقب » ( المزمور 34: 15-22) ، فلقد مات الشرير بشره ، فيما سلمت جميع عظام المسيح من أن تكسر ، وهو ما لم يتحقق في المصلوب الذي كسرت المسامير ـ ولا ريب ـ بعض عظام يديه ورجليه « ثقبوا يدي ورجلي » ( المزمور 22: 16 ) ، فالمسيح الناجي هو فقط من حقق هذه النبوءة ، وهو الذي لم يكسر منه عظم واحد .

لقد أنقذ الله المسيح من كل الشدائد ، لأنه اتكل عليه « عينا الرب نحو الصديقين، وأذناه إلى صراخهم ، أولئك صرخوا ، والرب سمع ، ومن كل شدائدهم أنقذهم ، قريب هو الرب من المنكسري القلوب ويخلص المنسحقي الروح ، كثيرة هي بلايا الصدّيق ، ومن جميعها ينجيه الرب ، يحفظ جميع عظامه ، واحد منها لا ينكسر .. وكل من اتكل عليه لا يعاقب » ( المزمور 34: 15-22) .

وعاقب الله مبغضي المسيح ، وقطع من الأرض ذكرهم ، وأماتهم بشرِّهم الذي صنعوه « وجه الرب ضد عاملي الشر ، ليقطع من الأرض ذكرهم .. الشر يميت الشرير ، ومبغضو الصدّيق يعاقبون » ( المزمور 34: 16-21) .

حادي عشر  : المزمور الواحد والتسعون :

(نبوءة عن إنجاء الملائكة للمسيح)

ويتقدم الشيطان إلى المسيح يختبره ويذكره بنبوءة المزامير عنه ، « وقال له : إن كنت ابن الله فاطرح نفسك إلى أسفل ، لأنه مكتوب : إنه يوصي ملائكته بك ، فعلى أياديهم يحملونك ، لكي لا تصدم بحجر رجلك ، قال له يسوع : مكتوب أيضًا : لا تجرب الرب إلهك » (متى 4: 6-7) ، فالمسيح هو الذي يوصي فيه اللهُ ملائكتَه ، فيحملونه ، ولا يمسه سوء ، حتى الحجر لا يصيبه بسوء ، لأن الملائكة حملته .

وهذه النبوءة التي أقرها المسيح ووافق على استحقاقه لها ، اقتبسها الشيطان من المزمور الواحد والتسعين ، من الفقرة الحادية عشرة ، حيث جاء فيها : « لأنه يوصي ملائكته بك ، ليحفظوك في كل طرقك ، على الأيدي يحملونك ، لئلا تصدم بحجر رجلك » ، فهي نبوءة عن المسيح ، فمتى تحققت هذه النبوءة ؟

يقول أنطونيوس فكري: « هذا المزمور نرى فيه عناية الله وحمايته لأولاده المؤمنين به.  وقيل: إن كلمات هذا المزمور موجهة للسيد المسيح نفسه في آلامه، خصوصًا أن إبليس في تجربته للسيد استخدم آية من هذا المزمور (لأنه يوصي ملائكته بك) .. وإبليس لم يكمل المزمور، لأن فيه نبوة ضده، وهذا ما صنعه السيد المسيح ، إذ داسه فعلاً بقدميه (تطأ الأفعى وملك الحيات، وتسحق الأسد والتنين)»([59]).

المزمور يتحدث عن المسيح المتكِل على الله والذي ينجيه من مؤامرة الصياد ، ويستجيب له ، ويرفعه للسماء ، من غير أن يمسه شر أو أذى ، وقبل أن يتمكن أعداؤه منه تحمله الملائكة ، ويعطى حياة طويلة ، بدلًا من الضيق ، يقول المزمور : « إلهي فاتكل عليه ، لأنه ينجيك من فخ الصياد ، ومن الوباء الخطر ، بخوافيه يظللُك ، وتحت أجنحته تحتمي ، ترس ومجن حقه ، لا تخشى من خوف الليل ، ولا من سهم يطير ..

 لأنك قلت : يا رب ، أنت ملجأي ، جعلتَ العليَّ مسكنك ، لا يلاقيك شر ، ولا تدنو ضربة من خيمتك ، لأنه يوصي ملائكته بك ليحفظوك في كل طرقك ، على الأيدي يحملونك ، لئلا تصدم بحجر رجلك ، على الأسد والصل تطأ ، الشبل والثعبان تدوس ، لأنه تعلق بي أنجيه ، أرفعه لأنه عرف اسمي ، يدعوني فأستجيب له ، معه أنا في الضيق ، أنقذه وأمجده ، من طول الأيام أشبعه ، وأريه خلاصي » (المزمور 91: 2-16) .

وفي المزمور السابع والخمسين « أصرخ إلى الله العلي ، إلى الله المحامي عني ، يرسل من السماء ويخلصني ، عيّر الذي يتهممني .. هيأوا شبكة لخطواتي ، انحنت نفسي ، حفروا قدامي حفرة ، سقطوا في وسطها » ( المزمور 57: 2-6) .

وهكذا فالمزمور الواحد والتسعون نبوءة واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار، واضحة في استجابة الله للمسيح ، ورفعه للسماء على يد الملائكة قبل أن تصيبه يد أعدائه بأدنى شر ، فلم يضرب ولم يبصق في وجهه ، ولم يصلب ، ولم يمت ، عليه صلوات الله وسلامه .

ثاني عشر  : المزمور التاسع بعد المائة :

(نبوءة عن محاكمة يهوذا وصلبه)

وفيه : « يا إله تسبيحي ، لا تسكت ؛ لأنه قد انفتح علّى فم الشرير ، وفم الغش . تكلموا معي بلسان كذب . بكلام بغض ، أحاطوا بي ، وقاتلوني بلا سبب . بدل محبتي يخاصمونني . أما أنا فصلوة . وضعوا علّي شرًا بدل خير ، وبُغضًا بدل حبي . 

فأقم أنت عليه شريرًا ، وليقف شيطان عن يمينه . إذا حوكم فليخرج مذنبًا ، وصلاته فلتكن خطية . لتكن أيامه قليلة ، ووظيفته ليأخذها آخر . ليكن بنوه أيتامًا ، وامرأته أرملة . لِيَتِهْ بنَوُه تَيَهَانًا ويستعطوا . ويلتمسوا خبزًا من خِربهم . ليصطد المرابي كل ما له ، ولينهب الغرباء تعبه . لا يكن له باسط رحمة ، ولا يكن مُتَرَأّفُ على يتاماه . 

لتنقرض ذريته . في الجيل القادم ليمح اسمهم . ليذكر إثم آبائه لدى الرب ، ولا تمح خطية أمه . لتكن أمام الرب دائمًا . وليقرض من الأرض ذِكرهم . من أجل أنه لم يذكر أن يصنع رحمة ، بل طرد إنسانًا مسكينًا وفقيرًا ، والمنسحق القلب ليميته . 

وأحب اللعنة ، فأتته ، ولم يسر بالبركة ، فتباعدت عنه ، ولبس اللعنة مثل ثوبه فدخلت ، كمياه في حشاه ، وكزيت في عظامه . لتكن له كثوب يتعطف به ، وكمنطقة يتمنطق بها دائمًا . هذه أجرة مبغضي من عند الرب ، وأجرة المتكلمين شرًا على نفسي . 

أما أنت يا رب السيد فاصنع معي من أجل اسمك . لأن رحمتك طيبة نجني ، فإني فقير ، ومسكين أنا ، وقلبي مجروح في داخلي . كظل عند ميله ذهبت . انتفضتُ كجرادة . ركبتاي ارتعشتا من الصوم ، ولحمي هزل عن سمن . وأنا صرت عارًا عندهم . ينظرون إليّ وينغضون رؤوسهم . 

أعني يا رب ، إلهي . خلصني حسب رحمتك . وليعلموا أن هذه هي يدك ، أنت يا رب فعلت هذا ، أما هم فيَلعنون . وأما أنت فتُبارك . قاموا وخزوا . أما عبدك فيفرح، ليلبس خصمائي خجلًا وليتعطفوا بخزيهم كالرداء . 

أحمد الرب جدًا بفمي ، وفي وسط كثيرين أسبحه ، لأنه يقوم عن يمين المسكين ، ليخلصه من القاضين على نفسه » ( المزمور 109: 1-31 )

وهذا المزمور أيضًا يراه النصارى على علاقة بقصة الصلب، يقول أوريجانوس: «فقد عرف ما سيحدث، ورأى يهوذا والخطايا التي سيتردى فيها، حتى قبل أن يولد يهوذا، أعلن عنها بمعرفة كاملة على فم داود: (يا إله تسبيحي لا تسكت، لأنه قد انفتح علي فم الشرير وفم الغش)» ([60]) ، فالمقصود في «فم الشرير وفم الغش» يهوذا ، وكذلك هو المراد بقوله : « ووظيفته ليأخذها آخر ، ليكن بنوه أيتامًا ، وامرأته أرملة .. ويلتمسوا خبزًا من خربهم » ، وقد أحال عليه كاتب ( أعمال الرسل ) ، وهو يتحدث على لسان بطرس ، فقال عن يهوذا : « لأنه مكتوب في سفر المزامير : لتصر داره خرابًا ، ولا يكن فيها ساكن ، وليأخذ وظيفته آخر » ( أعمال 1: 20 ) ([61]) .

فيهوذا هو الذي أخذ وظيفته آخر ، حين انتخب الحواريون بدلًا منه ـ تنفيذًا لهذا الأمر ـ يوسف ومتياس ، وأقرعوا بينهما ، فوقعت القرعة على متياس ، فحسبوه مكملًا للأحد عشر رسولًا . ( انظر أعمال 1: 23-26 ) .

يقول أوريجانوس: «المزمور 108 [الترقيم السبعيني] يشير إلى يهوذا بقوله: (ليصطد المرابي كل ما له، ولا يكن له باسط رحمة) ، فالمزمور كله عبارة عن صلاة أو دعاء على يهوذا، أن تحل به هذه الويلات التي يعددها»([62])، ويقول عوض سمعان: «هذه النبوءة تنطبق على يهوذا وحده، فقد مات في ريعان الشباب، وأخذ وظيفته آخر»([63]).

إذًا فالنص في هذا المزمور متحدث عن يهوذا ولا ريب ، وهذا صحيح ، فهو يتحدث عن محاكمته « وإذا حوكم فليخرج مذنبًا » ، فمتى حوكم يهوذا إذا لم يكن هو المصلوب ؟ والنص يتحدث عن محاكمته ، وعن نتيجة محاكمته « لتكن أيامه قليلة ، ووظيفته ليأخذها آخر » .

 كما يتحدث المزمور عن وقوفه على الصليب ، وعن يمينه شيطان ( وحسب نسخة الرهبانية اليسوعية : « وليقف متهم عن يمينه » ) ، إنه ذاك الذي كان يستهزأ به ، ( لوقا 23: 39-43) ، فمتى وقف شيطان ( متهم ) عن يمين يهوذا ، ومتى حوكم إن لم يكن ذلك في تلك الواقعة التي تجلى فيها غضب الله عليه ؟

ووقوفه هذا هو العار الذي باء به وهو معلق على الصليب يستهزئ به المارة ويبصقون عليه ويضربونه « وأنا صرت عارًا عندهم . ينظرون إليّ وينغضون رؤوسهم ».

ويصف المزمور استغاثات المصلوب على الصليب ، وهو يستمطر رحمات الله « فاصنع معي من أجل اسمك ، لأن رحمتك طيبة نجني .. خلصني حسب رحمتك ، وليعلموا أن هذه هي يدك » ، إذ لا يملك وسيلة للنجاة إلا أن يستغيث برحمة الله التي يلوذ بها الفاجر والتقي ، فجعل يصرخ على الصليب : « إلهي إلهي ، لماذا تركتني » ( متى 27: 46 ) .

ويتحدث المزمور عن ثوب اللعنة الذي لبسه يهوذا على الصليب « ولبس اللعنة مثل ثوبه فدخلت ، كمياه في حشاه ، وكزيت في عظامه . لتكن له كثوب يتعطف به ، وكمنطقة يتمنطق بها دائمًا ، هذه أجرة مبغضيّ من عند الرب ، وأجرة المتكلمين شرًا على نفسي » ، لقد كانت اللعنة أجرته على عمله ، فقد علق على الصليب ، وكل معلق ملعون ، كما في سفر التثنية « وإذا كان على إنسان خطية حقها الموت ، فقتل ، وعلقته على خشبة ، فلا تبت جثته على الخشبة ، بل تدفنه في ذلك اليوم ، لأن المعلّق ملعون من الله » ( التثنية 21: 22-23 ) .

إن هذا المزمور نبوءة واضحة عن يهوذا الملعون المصلوب بجوار متهم أو شيطان ، وهو الذي حوكم بدلًا عن المسيح ، فحسب في المحاكمة مذنبًا ، وقد صدق جامع تفسير أعمال الرسل في قوله : « الروح القدس بفم داود قد تنبأ عن يهوذا في المزمورين 69 و 109 » ([64])  .

ثالث عشر : المزمور الثامن عشر بعد المائة .

(نبوءة بنجاة المسيح من الموت)

وكذا يؤمن النصارى أن المزمور الثامن عشر بعد المائة نبوءة عن المسيح ÷، إذ يتحدث المزمور في آخره عن الحجر الذي رفضه البناؤون ، فيقول : « الحجر الذي رفضه البناؤون قد صار رأس الزاوية ، من قبل الرب كان هذا ، وهو عجيب في أعيننا .. مبارك الآتي باسم الرب » ، وقد اعتبره بطرس نبوءة عن المسيح المصلوب متناسيًا ما جاء في مقدمة المزمور عن هذا الحجر العظيم ، يقول بطرس : « فليكن معلومًا عند جميعكم وجميع شعب إسرائيل أنه باسم يسوع المسيح الناصري الذي صلبتموه أنتم الذي أقامه الله من الأموات ، بذاك وقف هذا أمامكم صحيحًا ، هذا هو الحجر الذي احتقرتموه أيها البناؤون الذي صار رأس الزاوية » ( أعمال 4: 10-11) .

يقول الأب متى المسكين : « أما المزمور 118 فهو أغنى المزامير في وصف رسالة المسيح الخلاصية » ([65])  .

وينقل القمص تادرس يعقوب ملطي في شرحه لإنجيل متى عن القديس كيرلس قوله: «المخلّص هو الحجر المختار، وقد رذَله هؤلاء الذين كان يجب عليهم بناء مجمع اليهود، وقد صار رأس الزاوية. يشبِّهه الكتاب المقدّس بحجر زاوية، لأنه يجمع الشعبين معًا: إسرائيل والأمم في إيمان واحد وحب واحد (أف2: 15)» ([66]). 

يقول المزمور متحدثًا عن الحجر الذي رفضه البناؤون : « من الضيق دعوت الرب فأجابني ، من الرحب ، الرب لي فلا أخاف ، ماذا يصنع بي الإنسان ، الرب لي بين معينيّ ، وأنا سأَرى بأعدائي ، الاحتماء بالرب خير من التوكل على إنسان ، الاحتماء بالرب خير من التوكل على الرؤساء » ( المزمور 118: 5-9) ، لقد توكل المسيح على الرب ، الذي أجابه من الضيق وأعانه .

ثم يتحدث المزمور عن أعداء المسيح ومؤامرتهم عليه ، ويترنم بانطفاء نارهم وإبادتهم ، وفشل مؤامرتهم ، فيقول : « كل الأمم أحاطوا بي ، باسم الرب أبيدهم ، أحاطوا بي واكتنفوني ، باسم الرب أبيدهم ، أحاطوا بي مثل النحل ، انطفأوا كنار الشوك ، باسم الرب أبيدهم ، دَحَرَتني دحورًا لأسقط ، أما الرب فعضدني ، قوتي وترنمي الرب ، وقد صار لي خلاصًا » ( المزمور 118: 10-15) .

لقد خلصه الله من الموت ولم يسلمه إليه ، لذا فهو يبتهج ويفرح باستجابة الله له وبخلاصه من الموت « صوت ترنم وخلاص في خيام الصديقين ، يمين الرب صانعة ببأس ، يمين الرب مرتفعة ، يمين الرب صانعة ببأس ، لا أموت ، بل أحيا ، وأحدث بأعمال الرب ، تأديبًا أدبني الرب ، وإلى الموت لم يسلمني ، افتحوا لي أبواب البر ، ادخل فيها ، واحمد الرب ، هذا الباب للرب ، الصديقون يدخلون فيه ، أحمدك لأنك استجبت لي ، وصرت لي خلاصًا ، الحجر الذي رفضه البناؤون قد صار رأس الزاوية ، من قبل الرب كان هذا ، وهو عجيب في أعيننا ، هذا هو اليوم الذي صنعه الرب ، نبتهج ونفرح فيه ، آه يا رب خلّص ، آه يا رب أنقذ ، مبارك الآتي باسم الرب » ( المزمور 118: 15-26 ) ، فالمزمور كما رأيتَ شهادة أخرى بنجاة المسيح وخلاصه من يد أعدائه .

وذات الصورة تتكرر في سائر إصحاحات سفر المزامير الذي يعتبره القمّص سرجيوس سفر مسيّا الخاص ، ونختم منه باقتباس من المزمور الأربعين بعد المائة ، وفيه : « أنقذني يا رب من أهل الشر ، من رجل الظلم احفظني . الذين يتفكرون بشرور في قلوبهم ، اليوم كله يجتمعون للقتال ، سنّوا ألسنتهم كحية ، حمة الأفعوان تحت شفاههم . سلاه . احفظني يا رب من يدي الشرير ، من رجل الظلم أنقذني ، الذين تفكروا في تعثير خطواتي . أخفى لي المستكبرون فخًا وحبالًا ، مدوا شبكة بجانب الطريق ، وضعوا لي أشراكًا .سلاه ، قلت للرب : أنت إلهي ، أصغ يا رب إلى صوت تضرعاتي .. لا تعط يا رب شهوات الشرير، لا تنجح مقاصده » ( المزمور 140: 1-8 ) .

خلاصة نبوءات المزامير :

ويخلص الأستاذ العلامة منصور حسين في دراسته الرائعة إلى نتيجة واضحة بينة، ويسطرها في قوله : « مِن جماع ما تقدم لا نخلص إلا بأن المزامير تنبأت بحق بأن الله مخلص مسيحه ، يستجيبه من سماء قدسه ، يرفعه من أبواب الموت ، يرفعه فوق القائمين عليه ، يرسل من العُلا فيأخذه . 

أما يهوذا الإسخريوطي الذي حفر له هذه الحفرة ، وأتى على رأس الجمع من جنود وخدام ليقبضوا عليه ، على المسيح سيده ، فإنه في الحفرة نفسها يقع ، وبعمل يديه يعلق ، رجع تعبه على رأسه ، وعلى هامته هبط ظُلمه ، صار عارًا عند البشر ، فقبض عليه هو بدلًا من المسيح ، وحوكم هو ، وصلب بدلًا منه .

 وهكذا تستقيم النبوءة في المزامير ، وهكذا تتجلى النبوءة في المزامير ، في أسطع وأروع وأسمى ما تكون النبوءة ، ليست آية نحرفها ، أو كلمة نُحوّر معناها ، بل صورة كاملة ، عشرات الآيات ، عشرات المزامير ، كلها تنطق بصورة واحدة متكاملة، تتكرر كثيرًا ، ولكن أبدًا لا تتغير . 

هذه الحقيقة هي تلك التي نطق بها القرآن ، واعتقدها المسلمون .. ولمن يريد أن يزيد يقينًا ، فها هي المزامير كلها في الكتاب المقدس ، الذي يؤمن به المسيحيون ، ويتداولونه ، وإليها فليرجع ، ولن يزيده هذا إلا يقينًا وتقديرًا لهذه الحقيقة التي انتهينا إليها .. » .

وإذا أراد القارئ المزيد من اليقين فليقرأ ما جاء في سفر الأمثال : « الأشرار يكونون كفارة لخطايا الأبرار » ( الأمثال 21: 18 ) ، وليتأمل بمزيد عناية قوله : « بر الكامل يقوم طريقه ، أما الشرير فيسقط بشره ، بر المستقيمين ينجيهم ، وأما الغادرون فيؤخذون بفسادهم ، الصديق ينجو من الضيق ، ويأتي الشرير مكانه » ( الأمثال 11: 5-8 ) . 

ولا يفوتنا في خاتمة هذا المبحث أن نذكر أن الاحتجاج بنبوءات المزامير على نجاة المسيح قديم ، بل يرجع للمسيح ـ إن صح ما في إنجيل برنابا ـ ، فقد جاء فيه أن المسيح قال : « إن واحدًا منكم سيسلمني ، فأباع كالخروف ، ولكن ويل له ، لأنه سيتم ما قاله داود أبونا عنه ، أنه سيسقط في الهوة التي أعدها للآخرين » ( برنابا 213: 24-26 ) . 

وإذا قلنا : إن المزامير بشرت بنجاته ، فللنصارى أن يقولوا : كيف لم يعرف المسيح ذلك من العهد القديم ؛ لم قال عن نفسه بأنه سيصلب كما في الأناجيل ؟

والإجابة عن هذا التساؤل لا تلزمنا نحن المسلمين الذين لا نعتد بما جاء في هذه الكتب ، إلا ما قام على صدقه وتوثيقه دليل من ديننا . 

ثم القصة هي امتحان للمسيح ÷ ، كما كان الأمر بالذبح امتحانًا لإبراهيم وابنه الوحيد ، ولو عرف المسيح نتيجة الامتحان مقدمًا لما كان له أي معنى ، كما لو عرفها إبراهيم ، فلذلك خفيت عليه ، وليس لقصور فهمه أو إدراكه ، حاشاه ، ولكن لتتحقق إرادة الله بامتحانه ، ونجاحه في الامتحان . 

ثم لا يمكن القطع بأن المسيح لم يعرف المعنى الصحيح الذي تدل عليه النبوءات ، بل قد يكون المسيح عرف ذلك ، فلجأ إلى الله يتضرع إليه ويسأله صرف هذه الكأس ، لأنه عرف أن الله يستجيب دعاءه وتضرعه ، بينما لو وافقنا الرواية الإنجيلية بأن المسيح علم أنه سيصلب ثم صلب ، فما فائدة تضرعه ودعائه ، ولم كان جزعه يأسه وصراخه على الصليب « لماذا تركتني » ؟ 

كما ثمة أمر آخر يجدر التنبه له ، وهو أن فهم النبوءات لا يعني يقينًا معرفة الساعة، وتحديد اليوم الذي سيسعى أعداؤه فيه للقبض عليه ، فهذا قد يكون سبب خفاء وقت تحقق هذه النبوءات على المسيح عليه الصلاة والسلام . 

 

 


 


  

هل ما جاء في سفر إشعيا نبوءة عن صلب المسيح ؟
لكن النصارى يرون أن ثمة نبوءات كثيرة تنبأت عن المسيح المصلوب تناثرت في أسفار العهد القديم، وأهمها ما جاء في إشعيا 52 و 53 .

وقبل أن نلج إلى النبوءة المزعومة في سفر إشعيا، فإنه يحسن بنا أن نشير إلى بعض هذه النبوءات، وقبلها إلى حقيقة مهمة، وهي أن هذه النبوءات لم يشر إليها المسيح صراحة طوال تعليمه للتلاميذ الذين سمعوا منه أن التوراة تنبأت عنه، ولم يسمعوا منه طوال تعليمه قبل الصلب أي تحديد لنصوص معينة، ولم يفهموا ذلك، ومثال ذلك أن المسيح دخل إلى أورشليم جالسًا على حمارين، ولم يتنبه التلاميذ ولم ينبههم هو أنه يحقق نبوءة توراتية « لا تخافي يا ابنة صهيون، هوذا ملكك يأتي جالسًا على جحش أتان ، وهذه الأمور لم يفهمها تلاميذه أولاً، ولكن لما تمجد يسوع حينئذ تذكروا أن هذه كانت مكتوبة عنه ، وأنهم صنعوا هذه له » (يوحنا 12:  15-16)، فالربط بين النص التوراتي والمسيح محض استنتاج يحتمل الصواب والخطأ.

ومن النبوءات المزعومة عن المسيح الفادي العائد من الموت ما قاله هوشع النبي: «يحيينا بعد يومين، في اليوم الثالث يقيمنا، فنحيا أمامه» (هوشع 6: 2)، فقد اعتاد المهووسون باستخراج النبوءات حشر هذه الفقرة ضمن نبوءات التوراة عن المسيح الذي قام بعد ثلاثة أيام من الموت، لكنهم يخرجون النص عن سياقه، فقد تقدمه ما يبدد أحلامهم، وهو حديثه عن معصية بني إسرائيل «ورأى أفرايم مرضه ويهوذا جرحه، فمضى أفرايم إلى أشور، وأرسل إلى ملك عدو، ولكنه لا يستطيع أن يشفيكم ولا أن يزيل منكم الجرح، لأني لأفرايم كالأسد، ولبيت يهوذا كشبل الأسد، فإني أنا أفترس وأمضي وآخذ، ولا منقذ، أذهب وأرجع إلى مكاني حتى يجازوا ويطلبوا وجهي، في ضيقهم يبكرون إلي، هلم نرجع إلى الرب لأنه هو افترس فيشفينا، ضرب فيجبرنا» (هوشع 5: 13- 6: 1)، فهذا حديث عن بني إسرائيل وسبيهم إلى بابل « فمضى أفرايم إلى أشور، وأرسل إلى ملك عدو »، وعذاب الله لهم «أفترس وأمضي وآخذ ولا منقذ .. ضرب»، وهو يدعوهم إلى التوبة « يجازوا ويطلبوا وجهي، في ضيقهم يبكرون إلي، هلم نرجع إلى الرب »، وكل هذه المعاني لا علاقة لها بالمسيح عليه السلام.

ويكمل النص سياقه فيأتي بخبر النبوءة المزعومة: « هلم نرجع إلى الرب لأنه هو افترس فيشفينا، ضرب فيجبرنا، يحيينا بعد يومين، في اليوم الثالث يقيمنا فنحيا أمامه»، ويكمل في نفس السياق في تبكيته لبني إسرائيل على معاصيهم ورفضه لذبائحهم ومحرقاتهم: « ماذا أصنع بك يا أفرايم؟ ماذا أصنع بك يا يهوذا؟ فإن إحسانكم كسحاب الصبح، وكالندى الماضي باكرا، لذلك أقرضهم بالأنبياء، أقتلهم بأقوال فمي. والقضاء عليك كنور قد خرج، إني أريد رحمة لا ذبيحة، ومعرفة الله أكثر من محرقات. ولكنهم كآدم تعدوا العهد. هناك غدروا بي. جلعاد قرية فاعلي الإثم مدوسة بالدم. وكما يكمن لصوص لإنسان، كذلك زمرة الكهنة في الطريق يقتلون نحو شكيم. إنهم قد صنعوا فاحشة. في بيت إسرائيل رأيت أمرا فظيعا. هناك زنى أفرايم. تنجس إسرائيل. وأنت أيضا يا يهوذا قد أعد لك حصاد، عندما أرد سبي شعبي » (هوشع 6: 4-10)، فالمُقام في اليوم الثالث هو الشعب المسبي المرتكب للموبقات «أفرايم .. يهوذا ..كآدم تعدوا ..جلعاد قرية فاعلي الإثم مدسوسة بالدم ..صنعوا فاحشة .. زنى أفرايم، تنجس إسرائيل»، والنص يبكتهم على خطاياهم «أقرضهم بالأنبياء، أقتلهم بأقوال فمي. والقضاء عليك كنور قد خرج، وكما يكمن لصوص لإنسان، كذلك زمرة الكهنة في الطريق يقتلون نحو شكيم .. يا يهوذا قد أعد لك حصاد، عندما أرد سبي شعبي » (هوشع 6: 4-10)، فالمُقام في اليوم الثالث هو الشعب المسبي المرتكب للموبقات «أفرايم .. يهوذا ..كآدم تعدوا ..جلعاد قرية فاعلي الإثم ..صنعوا فاحشة .. زنى أفرايم، تنجس إسرائيل»، وهم الشعب الذين رفض الله طاعتهم وعبادتهم ، وشبَّه عبادتهم كسحاب الصباح الذي ينجلي سريعًا من غيرما فائدة « إحسانكم كسحاب الصبح، وكالندى الماضي باكرا ..  إني أريد رحمة لا ذبيحة، ومعرفة الله أكثر من محرقات ».

يقول الأب متى المسكين: ولعل أعظم ما قاله هوشع العجيب على عودة بني إسرائيل في توبة .. «هلم نرجع إلى الرب، لأنه هو افترس فيشفينا، ضرب فيجبرنا يحيينا بعد يومين ، وفي اليوم الثالث يقيمنا فنحيا أمامه» ([67]). 

وهكذا يظهر لكل ذي عينيين أن نص هوشع لا علاقة له بالمسيح من قريب ولا بعيد، وأن الربط بينهما نوع من التعلق بالسراب الذي يوشك أن ينجلي.

وبالعود إلى سفر إشعيا فإننا نقرأ فيه : « هو ذا عبدي يعقل ، ويتعالى ، ويرتقي ويتسامى جدًا ، كما اندهش منه كثيرون ، كان منظره كذا مفسدة أكثر من الرجل ، وصورته أكثر من بني آدم ، هكذا ينضح أممًا كثيرين ، من أجله يسد ملوكُُ أفواههم ، لأنهم قد أبصروا ما لم يخبروا به ، وما لم يسمعوه فهموه . 

من صدق خبرنا ، ولمن استعلنت ذراع الرب ، نبت قدامه كفرخ ، وكعرق من أرض يابسة ، لا صورة له ولا جمال فننظر إليه ، ولا منظر فنشتهيه ، محتقر ومخذول من الناس ، رجل أوجاع ، ومختبر الحزن ، وكمستَّر عنه وجوهنا ، محتقر فلم نعتد به. 

لكن أحزاننا حملها ، وأوجاعنا تحملها ، ونحن حسبناه مصلوبًا ، مضروبًا من الله ومذلولًا ، وهو مجروح لأجل معاصينا ، مسحوق لأجل آثامنا ، تأديب سلامنا عليه، وبحبره شفينا ، كلنا كغنم ضللنا ، مِلْنا كل واحد إلى طريقه ، والرب وضع عليه إثم جميعنا ، ظلم أما هو فتذلل ، ولم يفتح فاه ، كشاة تساق إلى الذبح ، وكنعجة صامتة أمام جازيها ، فلم يفتح فاه .

من الضغطة ، ومن الدينونة أُخذ ، وفي جيله من كان يظن أنه قطع من أرض الأحياء ، أنه ضُرب من أجل ذنب شعبي ، وجعل مع الأشرار قبره ، ومع غني عند موته ، على أنه لم يعمل ظلمًا ، ولم يكن في فمه غش .

أما الرب فسُر بأن يسحقه بالحزن ، أن جعل نفسه ذبيحة إثم ، يرى نسلًا تطول أيامه ، ومسرة الرب بيده تنحج ، من تعب نفسه يرى ويشبع ، وعبدي البار بمعرفته يبرر كثيرين ، وآثامهم هو يحملها ، لذلك أقسم له بين الأعزاء ومع العظماء ، يقسم غنيمة من أجل أنه سكب للموت نفسه ، وأحصي مع أثمةٍ ، وهو حمل خطية كثيرين ، وشفع في المذنبين » ( إشعيا 52: 13-53: 12 ) . 

ويربط النصارى بين هذا السفر وبين ما جاء في مرقس « فتم الكتاب القائل : وأحصي مع أثمة » ( مرقس 15: 28) ، ومقصوده كما لا يخفى ما جاء في إشعيا «سكب للموت نفسه ، وأحصي مع أثمة » ومثله في سفر أعمال الرسل . (انظر أعمال 8: 22-23).

 والنص ولا ريب قد تعرض للكثير من التلاعب والتحوير ، وتجزم بهذا التلاعب عندما تلحظ غموض عباراته ، وحين تقارن نص إشعيا مع ما جاء في أعمال الرسل ، وهو ينقل عنه ، وفيه « وأما فصل الكتاب الذي كان يقرأه ، فكان هذا : مثل شاة سيق إلى الذبح ، ومثل خروف صامت أمام الذي يجزه ، هكذا لم يفتح فاه ، في تواضعه انتزع قضاؤه ، وجيله من يخبر به ، لأن حياته تنتزع من الأرض » ( أعمال 8: 32-33 ) ، فثمة فروق بين ما جاء في إشعياء وما نقله عنه أعمال الرسل .

فالنعجة في سفر إشعيا تحولت في أعمال الرسل إلى خروف ، و « من الضغطة ، ومن الدينونة أُخذ » ، أضحت : « في تواضعه انتزع قضاؤه » .

لكن الفارق الأكبر بين السفرين نجده في قول إشعيا : « وفي جيله من كان يظن أنه قطع من أرض الأحياء » ، فيما يقول سفر الأعمال : « وجيله من يخبر به ، لأن حياته تنتزع من الأرض » .

كما أن النص الكاثوليكي للسفر يزيد عبارة أسقطتها الطبعات البروتسنتية لما فيها من إبهام ، ففي نسخة الشرق الأوسط الكاثوليكية « من الضيق والقضاء أُخذ ، ومن يصف مولده ، إنه قد انقطع من أرض الأحياء » ، فقوله : « ومن يصف مولده » نص موجود في الترجمة السبعينية واللاتينية ، وتسقطه النسخ التي اعتمدت النص العبراني فقط .

أما نسخة الرهبانية اليسوعية فقد حورت النص ليتلائم مع السياق الذي تريده ، فجعلته « بالإكراه والقضاء أُخذ ، فمن يفكر في مصيره ، قد انقطع من أرض الأحياء » ، فأضحى النص فيها متحدثًا عن صلب المسيح بدلًا من مولده ! كما أضحى انتزاع حياته بالإكراه ، لا مجرد ابتلاء وضيق !

وجاء في خاتمة القصة في سفر أعمال الرسل في نسخة الشرق الأوسط البروتستنتية، والأخرى الكاثوليكية أن فيلبُس مر مع العبد الحبشي على ماء « فقال الخصي : هوذا ماء ، ماذا يمنع أن أعتمد ؟ فقال فيلبس : إن كنت تؤمن من كل قلبك يجوز ، فأجاب وقال : أنا أُومن أن يسوع المسيح هو ابن الله ، فأمر أن تقف المركبة ، فنزلا كلاهما إلى الماء .. » ( أعمال 8: 36-38 ) ، وهذا الحوار الذي جرى بعد رؤيتهما للماء لم تذكره نسخة شهود يهوه المسماة ترجمة العالم الجديد ، كما حذفته نسخة الرهبانية اليسوعية الكاثوليكية ، والنص فيها : « فقال الخصي : هذا ماء ، فما يمنع أن أعتمد ؟ ثم أمر بأن تقف المركبة ، ونزلا كلاهما في الماء » .

وهذه الفروق وذلك التلاعب يدلنا على مدى الحرية التي تعامل بها القديسون أو المترجمون للنصوص الكتابية .

 لكن التحريف الأكبر الذي صنعه النصارى لنص إشعيا هو اجتثاثه من سياقه الذي كان يتحدث عن عودة بني إسرائيل من السبي وفداء الله لهم وخلاصهم من ذلهم، فالقصة التوراتية لا تبدأ من حيث يبدأ النصارى « هوذا عبدي يعقل ويتسامى » ، فإن الابتداء بها بتر للنص وإخراج له عن سياقه ومعناه الطبيعي ، حيث يقول : « هكذا قال السيد الرب : إلى مصر نزل شعبي أولًا ليتغرب هناك ، ثم ظلمه آشور بلا سبب ، فالآن ماذا لي هنا ، يقول الرب : حتى أُخذ شعبي مجانًا .. صوت مراقبيك يرفعون صوتهم ، يترنمون معًا ، لأنهم يبصرون عينًا لعين عند رجوع الرب إلى صهيون ، شيدي ترنمي معًا يا خِرب أورشليم ، لأن الرب قد عزى شعبه ، فدى أورشليم ، قد شمر الرب عن ذراع قدسه أمام عيون كل الأمم ، فترى كل أطراف الأرض خلاص إلهنا ، اعتزلوا اعتزلوا ، اخرجوا من هناك لا تمسوا نجسًا ، اخرجوا من وسطها (في نسخة كتاب الحياة التفسيرية : اخرجوا من وسط بابل) ، تطهروا يا حاملي آنية الرب ، لأنكم لا تخرجون بالعجلة ، ولا تذهبون هاربين ، لأن الرب سائر أمامكم ، وإله اسرائيل يجمع ساقتكم ، هوذا عبدي يعقل يتعالى ويرتقي ويتسامى جدًا .. » ( إشعيا 52: 3-13 ) .

وبعد انتهاء النبوءة ـ المدعاة عن المسيح ـ عاد النص للحديث عن عزاء أمة بني إسرائيل بعد عذابها الطويل في بابل ، قيقول مخاطبًا أورشليم : « ترنمي أيتها العاقر التي لم تلد ، أشيدي بالترنم أيتها التي لم تمخض ، لأن بني المستوحشة أكثر من بني ذات البعل . قال الرب : أوسعي مكان خيمتك ، ولتبسط شقق مساكنك ، لا تمسكي ، أطيلي أطنابك ، وشددي أوتادك ، لأنك تمتدين إلى اليمين وإلى اليسار ويرث نسلك أممًا ، ويعمر مدنًا خربة ، لا تخافي لأنك لا تخزين ، ولا تخجلي لأنك لا تستحين ، فإنك تنسين خزي صباك ، وعار ترملك لا تذكرينه بعد ، لأن بعلك هو صانعك ، رب الجنود اسمه » ( إشعيا 54: 1-5) .

لذا حق للمحققين أن يروا ما ورد في إشعيا نصًا حُور لفظًا ومعنىً لينطبق على المسيح ، ودليل ذلك أن المسيح لم يخبر أن ما جاء في إشعيا نبوءة عنه المسيح ، فالمسيح لم يشر إلى هذه النبوءة من قريب أو بعيد .

والمسلمون لا يرون في هذا النص أي نبوءة عن المسيح ، ويستغربون ويستنكرون ربط النصارى بين نص إشعيا وقصة الصلب في الأناجيل ، فنص إشعيا يتحدث وفي أكثر من موضع عن عبد ، فيما يقول النصارى بألوهية المسيح ، فكيف يجمعون بين عبوديته لله وألوهيته في وقت واحد .

وهذا العبد قبيح في منظره ، مخذول محتقر لا يعتد به ، فهو ليس المسيح على أي حال « هو ذا عبدي .. كان منظره كذا مفسدة أكثر من الرجل ، وصورته أكثر من بني آدم .. لا صورة له ولا جمال ، فننظر إليه ، ولا منظر فنشتهيه ، محتقر ومخذول من الناس ، رجل أوجاع ، ومختبر الحزن ، وكمستّر عنه وجوهنا ، محتقر فلم نعتد به » ، أفهذه صورة المسيح عندهم ؟ . 

والنص أيضًا يتحدث عن الذي « لم يفتح فاه ، كشاة تساق إلى الذبح ، وكنعجة صامتة أمام جازيها ، فلم يفتح فاه » ، بينما المسيح تكلم مرارًا وتكرارًا ، فقد تكلم طويلًا في البستان ، وهو يناجي ، طالبًا من الله أن يعبر عنه هذه الكأس .. ثم نطق فقال لبيلاطس أثناء محاكمته : « أنت تقول : إني ملك ، لهذا قد ولدت أنا ، ولهذا قد أتيت إلى العالم ، لأشهد للحق ، كل من هو في الحق يسمع صوتي » ( يوحنا 18: 37 ) .

وكان قد قال له قبل : « مملكتي ليست في هذا العالم ، لو كانت مملكتي في هذا العالم لكان خدامي يجاهدون لكي لا أسلم إلى اليهود ، ولكن الآن ليست مملكتي من هذا » ( يوحنا 18: 36 ) . 

كما تكلم في المحاكمة لما لطمه أحد الخدم فأجابه المسيح : « إن كنت قد تكلمت رديًا فاشهد على الردي ، وإن حسنًا فلماذا تضربني ؟ » ( يوحنا 18: 22 ) .

فإن أصر النصارى بعد ذلك على أن النبوءة تنطبق على المسيح ، فقد قالوا إذًا بأن المسيح تكلم وهو مغلق الفم !! 

كما يذكر نص إشعيا شجاعة وتماسكًا لا تتناسب وصراخ المصلوب ، وجزعه، وقنوطه ، فالمصلوب لم يظهر كشاة أمام جازيها صامتة ، « وهكذا لم يفتح فاه » ، بل كان يصرخ على الصليب : « إلهي إلهي ، لماذا تركتني ؟ » ( متى 27: 46) .

والنص متحدث عن صاحب نسل وولد ، فيقول : « يرى نسلًا تطول أيامه » ، وقد سُرّ الرب بعذابه وبالعاهات التي تصيبه « وأما الرب فسُرّ بأن يسحقه بالحزن » ، والنص في النسخة الكاثوليكية يفسر الحزن بالعاهات ، فيقول : « والرب رضي أن يسحقه بالعاهات » ، وفي نسخة الرهبانية اليسوعية : « والرب رضي أن يسحق ذاك الذي أمرضه » ، فهل يسَرُّ الله لأحزان عبده البار ، المسيح عليه الصلاة والسلام ، وهل كان المسيح مصابًا بعاهة من العاهات أو مرض من الأمراض ؟

ويرى الأستاذ محمد الأفندي([68]) أن لا علاقة بين هذا الإصحاح في إشعيا ، وبين حادثة الصلب ، فالإصحاح يتحدث عن قصة بني إسرائيل ، وذلهم في بابل بسبب معاصيهم ومعاصي سلفهم ، فحاق بهم عقوبة الله التي عمّت صالحيهم وفجارهم ، ثم أنعم الله عليهم بالعود من بابل مرة أخرى إلى فلسطين ، وهذا المعنى هو ما كان يتحدث عنه السياق التوراتي في سفر إشعيا .

وقوله : « هو ذا عبدي .. كما اندهش منك كثيرون كان منظره كذا مفسدًا أكثر من الرجل ، وصورته أكثر من بني آدم » فالمقصود بالعبد شعب إسرائيل .

وقد عُهد في التوراة إطلاق لفظ الفرد ، والمراد الشعب كما في إشعيا : « يقول الرب ، خالقك يا يعقوب ، وجابلك يا إسرائيل .. وإذا اجتزت في المياه فأنا معك ، وفي الأنهار فلا تغمرك ، لأني أنا الرب إلهك ، قدوس إسرائيل ، مخلصك ، جعلت مصر فديتك » ( إشعيا 43: 1-3 ) ، وفي سفر ميخا  : « إني أجمع جميعك يا يعقوب » ( ميخا 2: 12 ) ، ومثله في مواضع كثيرة ، منها ( إشعيا 41: 8 ) و ( ميخا 1: 5 ) ، والمقصود من ذلك كله شعب إسرائيل . 

وفي إشعيا 52 و 53 يتنبأ النبي عن غربة بني إسرائيل ويصف ذلتهم ، ثم يتحدث عن عودة أبنائهم من أرض السبي « نبت قدامَه كفرخ ، وكعرق في أرض يابسة » فقد عادوا للأرض المقدسة ، ونبتوا فيها ، من جديد ، كما في سفر النبي إرمياء « وأجعل عيني عليهم للخير ، وأرجعهم إلى هذه الأرض ، وأبنيهم ولا أهدمهم ، وأغرسهم ، ولا أقلعهم » ( إرمياء 24: 6 ) ، وقوله : « وأفرح بهم لأحسن إليهم ، وأغرسهم في هذه الأرض بالأمانة بكل قلبي وبكل نفسي » ( إرمياء 32: 41 ) . ( وانظر إرمياء 31: 27-28 ) .

وقد تغيرت صورتهم بسبب الذل فكان الشعب « محتقر مخذول .. الرب وضع عليه إثم جميعنا » ويفسره قول إرميا وقد شاهد الأسر البابلي : « آباؤنا أخطؤوا ، وليسوا بموجودين ، ونحن نحمل آثامهم ، عبيد حكموا علينا ، ليس من يخلص من أيديهم ، جلودنا اسودت من جري نيران الجوع » ( المراثي 5: 7-10 ) . 

وقوله : « ظلِم أما هو فتذلل » كقول سفر إشعيا عن اضطهاد بني إسرائيل على يد الآشوريين : « نزل شعبي أولًا ليتغرب هناك ، ثم ظلمه آشور بلا سبب » ( إشعيا 52: 4 )، وكقوله : « إن بني إسرائيل وبني يهوذا معًا مظلومون » ( إرميا 50: 33 ) . 

وأما قوله : « كشاة تساق إلى الذبح .. » فهو حديث ذبح ملك بابل لبني إسرائيل ، وقد ساقهم كما تساق الشياه إلى الذبح ، كما في قوله : « أنزلهم كخراف للذبح ، وككباش مع أعتدة » ( إرميا 51: 40 ) فمات أكثرهم جوعًا ، ونحوه قوله عنهم : « وأنا كخروف داجن يساق إلى الذبح ولم أعلم أنهم فكروا عليّ أفكارًا قائلين : لنهلك الشجرة بثمرها ، ونقطعه من أرض الأحياء ، فلا يذكر بعد اسمه » (إرميا 11: 19) . 

وقوله : « وجعل مع الأشرار قبره ، ومع غني عند موته » إشارة إلى أن دفنهم في بابل كان مع الوثنيين ، ولا يمكن للنصارى حمله على المسيح المدفون ـ حسب كتابهم ـ وحده في بستان ، في قبر جديد ، لم يدفن فيه معه لا شرير ولا غني . 

وقوله : « أحصي مع أثمة » هو أيضًا يحكى عن وجود بني إسرائيل مع الوثنيين في بابل ، ولا يصح أن يقال : الأثمة هما اللصان ، إذ قد وعد أحدهما الفردوس ، فكيف يوصف بعد ذلك بالآثم ؟! 

وقوله : « فسَّر أن يسحقه بالحَزَن ، أن جعل نفسه ذبيحة إثم ، يرى نسلًا تطول أيامه » ، وفي النسخة الكاثوليكية يتضح المعنى أكثر : « والرب رضي أن يسحقه بالعاهات ، فإنه إذا جعل نفسه ذبيحة إثم يرى ذرية ، وتطول أيامه » ، وفي الترجمة التفسيرية المسماة كتاب الحياة : « فقد سُر الله أن يسحقه بالحزن ، وحين يقدم نفسه ذبيحة إثم فإنه يرى نسله وتطول أيامه » ، فالنص كما هو واضح ليس حديثًا عن المسيح الفادي ، بل هو إشارة إلى تكفير الله خطايا بني إسرائيل بسبب توبتهم ، حيث يرفع الله عنهم الاضطهادات ، ويعيدهم إلى إلى وطنهم ، حيث تطول أيامهم ويعيشون ويتوالدون في فلسطين بعد السبي وآلامه وعاهاته وبلاياه . 

وقوله  : « على أنه لم يعمل ظلمًا ، ولم يكن في فمه غش » حديث عن طهر أولئك الذين يعودون من السبي الذين عنهم « يقول الرب : لأني أصفح عن إثمهم ، ولا أذكر خطيتهم بعد » ( إرمياء 31: 34 ) ، كما قال عنهم : « وأرد سبي يهوذا وسبي إسرائيل وأبنيهم كالأول ، وأطهرهم من كل إثمهم الذي أخطؤوا به إليّ ، وأغفر كل ذنوبهم التي أخطؤوا بها إليّ والتي عصوا بها عليّ » ( إرمياء 33: 7-8 ) .

وأما قوله : « عبدي البار بمعرفته يبرر كثيرون ، وآثامهم هو يحملها » يتحدث كيف شمل البؤس بررة بني إسرائيل وعصاتهم ، كما قال الله : ﴿ وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً ﴾  [ الأنفال  : 25 ] .

وإكرامًا لهؤلاء البررة من بني إسرائيل ، طهرهم الله من ذنبهم ، ورفع عنهم هذه العقوبة ، كما في إرميا : « في تلك الأيام يطلب إثم إسرائيل فلا يكون ، وخطية يهوذا فلا توجد ، لأني أغفر لمن أبقيه » ( إرميا 50: 20 ) ، فقد حملوا خطيئة آبائهم ، ثم غفرت ذنوبهم .

سوف يبدأ عهد جديد لا تضرس فيه أسنان الأبناء بحصرم آبائهم ، ولا يعاقبون ثانية بجريرتهم ، فقد تحملوا من آثامهم ما يكفي « في تلك الأيام لا يقولون بعد : الآباء أكلوا حصرمًا ، وأسنان الأبناء ضرست ، بل كل واحد يموت بذنبه ، كل إنسان يأكل الحصرم تضرس أسنانه ، ها أيام تأتي يقول الرب ، وأقطع مع بيت اسرائيل ومع بيت يهوذا عهدًا جديدًا » ( إرميا 31: 29-31 ) ([69])  .

وهكذا فالإصحاح يتحدث عن شعب إسرائيل ، وسبيه ، وذلته ، ثم نجاته . وهذا هو مفهوم النص عند اليهود وهم أصحاب الكتاب الأصليين ، بل هو رأي كثير من المفسرين المسيحيين ، كما نقل القس الخضري حين قال : « إن عددًا لا بأس به من المفسرين يتردد كثيرًا في نسب هذه النصوص إلى المسيح ظنًا منهم بأن النبي يتكلم عن إسرائيل كله كشخص محتقر مخذول ومطرود » ([70])  .

 
إبطال صلب المسيح 
بنبوءات وأخبار الأناجيل والرسائل
هل تنبأ المسيح بصلبه ؟

تتحدث الأناجيل الأربعة عن صلب المسيح ، كخاتمة لوجوده على الأرض ، ولكن : هل تنبأ المسيح بأنه سيصلب ؟ وهل عرف بذلك تلاميذه ؟ 

لا تخطئ عين الناظر في الأناجيل أن ترى أن الإنجيليين نقلوا عن المسيح تنبؤه بتعرضه لمؤامرة تودي به إلى الموت والصلب ، فهل تصح هذه الأقوال في نسبتها إلى السيد المسيح ؟

الحقيقة أن خبر تنبؤ المسيح بقتله أو صلبه (انظر متى 17: 22 و20: 16 ، 26: 2 ، 26: 23) ، قول دخيل على الأناجيل ، ملحق بها ، والأدلة على ذلك تتضح باستقراء عدد من الملاحظات التي يقوي بعضها بعضًا : 

أن العبارة في إنجيل متى والتي يخبر فيها المسيح عن مؤامرة يتعرض لها ابن الإنسان وتودي به إلى الموت وردت بلا مقدمة ، ولا مناسبة ، ولا تعليق عليها من قبل الحواريين ، حتى وكأنها تتحدث عن حدث عادي ، فلئن صحت ، دل ذلك على أن ابن الإنسان المصلوب المسلّم لأيدي الخطاة ، هو غير المسيح . 

تتحدث المواضع الأربعة ـ التي ذكرت تنبؤه بالموت ـ عن تسليم ابن الإنسان ، وقتله أو صلبه ، ولا تنص على عيسى ، لكن اللفظ ـ وإن تبادر في الذهن إلى المسيح ـ فإنه يصح أن يطلق على غيره ، بدليل أنهم سألوه عن ابن الإنسان مَن هو بقولهم : « كيف تقول أنت : إنه ينبغي أن يرتفع ابن الإنسان ؟ من هو هذا ابن الإنسان ؟ » ( يوحنا 12: 34 ) ولو كان هذا اللقب بالمسيح خاصًا لما كان في سؤالهم وجه .

يقترن وصف الأناجيل الثلاثة لردة فعل التلاميذ حيال هذا الخبر بكثير من الغرابة ، ففي متى ( 26: 1-2 ) لم يذكر لهم حسًا ولا خبرًا ، بيد أنه في ( متى 26: 23 ) ذكر بأنهم « حزنوا جدًا » ، ويفهم منه أنهم فهموا مراده فحزنوا ، لكن مرقس يقول : « وأما هم فلم يفهموا القول ، وخافوا أن يسألوه » ( مرقس 9: 32 ) ، ويؤكد لوقا هذا بقوله : « وأما هم فلم يفهموا من ذلك شيئًا ، وكان هذا الأمر مخفيًا عنهم ، ولم يعلموا ما قيل » .

وإضافة إلى تناقض النصوص ، فإن في خوف التلاميذ من المسيح وترددهم في سؤاله ما يدعو للعجب ، فقد عرف عليه الصلاة والسلام بدماثة خلقه ، وبتحببه لهم ، حتى إنه غسل أرجلهم ، وكثيرًا ما كانوا يسألوه ، فِلمْ لم يسألونه في هذا الأمر الخطير؟

ذكر الإنجيليون الثلاثة الذين ذكروا الخبر بأن المسيح سيقوم في اليوم الثالث ( انظر متى 17: 23 ، مرقس 9: 32 ، لوقا 18: 33 ) ، وهذا لم يحصل ، بل مكث ما لا يزيد بحال عن ليلتين ويوم . 

ومما يدل على عدم صحة التنبؤ بالصلب والقتل : فرار التلاميذ ، وفيهم بطرس الذي قال له المسيح : « طلبت من أجلك لكي لا يفنى إيمانك ، وأنت متى رجعت ثبت إخوتك ، فقال له : يا رب ، إني مستعد أن أمضي معك ، حتى إلى السجن ، وإلى الموت » ( لوقا 22: 32-34 ) ، فدل هذا على معرفتهم بأن المأخوذ غيره ، كما قد عرفوا ذلك فهربوا ، وقد قال عنهم المسيح : « الذين أعطيتني حفظتهم ، ولم يهلك منهم أحد إلا ابن الهلاك » ( يوحنا 17: 12 ) .

ثم بعد ذلك ولأن أمر المصلوب لا يهمهم وقد عرفوا بنجاة سيدهم لم يهتموا بمتابعة المصلوب وهو على الصليب ، أو في أثناء المحاكمة ، إلا ما جاء عن بطرس ويوحنا وبعض النسوة . 

كما تذكر الأناجيل دليلًا آخر يشهد على عدم صحة هذه النبوءات المتنبئة بصلب المسيح ، بل تدلل على أن المسيح تنبأ بنجاته ، وأن التلاميذ فهموا منه ذلك قول مرقس أن المسيح قال لتلاميذه : « كلكم تشكون فيَّ في هذه الليلة » ( مرقس 14: 27 ) . 

هذا ولا تذكر الأناجيل شيئًا عن شك التلاميذ ، سوى ما ذكرته عن بطرس الذي أنكر المأخوذ ثلاث مرات ليلة المحاكمة ، وأما الآخرون فصمت مطبق ، فكيف شك التلاميذ ؟ 

لقد شك التلاميذ في المسيح وهم يرون المأخوذ من البستان ( يهوذا ) وقد قبض عليه ، وظنوه المسيح ، فوقعوا فيما حذرهم منه المسيح ، وهو الشك فيه ، لقد كان أخبرهم بنجاته من المؤامرة ثم يرون أنه قد أخذ ولم ينجو .

ويوضح العلامة أحمد عبد الوهاب هذه المسألة ، فيقول بأن الشك هو تراجع داخل النفس ، ويستشهد لتفسيره بما جاء في غير الترجمة العربية ، فالنص في التراجم الأخرى تعريبه هكذا : « كلكم ترتدون عن عقيدتكم وتزلون » .

ويفرق بين الإنكار والشك ، فالشك عمل قلبي ، والإنكار : قد ينكر الإنسان بلسانه ما يعتقده في قلبه ، والذي وقع من التلاميذ شك لا إنكار . فلقد آمن التلاميذ بالمسيح ، وصدقوه فيما تنبأ به ، فإذا رأوا ما اعتبروه مخالفًا لنبوءاته ، فسوف يحصل منهم الشك ، والردة عن العقيدة . 

ويورد الأستاذ أحمد عبد الوهاب احتمالين : 

الأول : أن يكون المسيح قد تنبأ لتلاميذه بأن مؤامرة ستدبر ضده ، وستُحدث له ألمًا ومعاناة ، إلا أنها ستفشل ، وسينقذه الله من القتل ، كما في قوله : « ستطلبونني ولا تجدونني » . وهذا الذي حصل ولم يشاهده التلاميذ ، بل هم قد رأوا ما حسبوه وظنوه نقيضَه ، فقد رأوا المسيح مأخوذًا مصلوبًا ، فوقعوا في الشك فيه ، لأن كلامه لم يتحقق ، وهذا هو الصحيح .

والآخر : أن المسيح تنبأ بأن المؤامرة ستنتهي بقتله ، وليس هناك ما يدعو للشك والارتياب حسب هذه الصورة ، سواء تحقق قوله أم لم يتحقق ، إذ تحققه تصديق لقوله ، وتخلُفه إكرام من الله له وحفظ ورعاية .

 وهذا الفرض خاطئ ، ويدحضه العود إلى لحظة القبض على المسيح ، حيث نجد أن التلاميذ جميعًا قد هربوا ، وتركوا المسيح وحده . ويبدو هنا شكهم واضحًا ، لقد حصل أمام التلاميذ ما لم يتوقعوه ـ فيما يظهر لهم ـ ، أي ما لم يتنبأ به المسيح .

فلئن كان أخبرهم بأن سيُقبض عليه وسيقتل ، فليس ثمة ما يثير الشك ، وإن كان الاحتمال الأول بأنه سينجو ، وأن المؤامرة ستفشل ، ولكنهم يجدونه ـ فيما يظهر لهم ـ قد قبض عليه ، ولم تتحقق نبوءته ، فحينئذ وقعوا في الشك ([71])  .

إذًا فلقد تحقق الشك ، حين حسبوا المسيح هو المأخوذ والمصلوب ، وقد كان أخبرهم بنجاته ، كما قد سمعوا منه مرارًا ، كما سيأتي تفصيله . 

وأما سيء الذكر في الأناجيل ـ بطرس ـ ، فإنه الوحيد من بين التلاميذ الذي ذكر أصحاب الأناجيل شكه ، ويتمثل شكه عند النصارى في تنكره للمسيح ، قبل أن يصيح الديك صباح تلك الليلة مرة أو مرتين على خلاف بين متى ومرقس . 

لكن أحمد عبد الوهاب يفرق مرة أخرى بين الشك والإنكار ، فما حصل من بطرس في القصة الإنجيلية هو إنكار ، وليس بشك ، فقد ينكر الإنسان بلسانه ما يعتقده بقلبه ، لكن ما وقع فيه بطرس كان شكًا كذاك الذي وقع فيه التلاميذ ، لقد سمع من المسيح تنبأه بنجاته ، فإذا به يصحو من نومه في البستان ، ويراه مأخوذًا ، كما خيل له ، فوقع منه الشك في المسيح ، ثم الإنكار له في مجمع الظلمة .

ولو فرضنا جدلًا أن المسيح تنبأ بصلبه وقتله ، فإن ذلك لا يمنع بالضرورة أن يصرف الله قضاءه عن المسيح ، فينجيه ، ولذا فإن المسيح كان يناجي الله طالبًا منه صرف كأس الموت عنه ، فدعاؤه الطويل في البستان دليل على يقينه بإمكانية النجاة ، وإلا كان دعاؤه نوعًا من العبث وإضاعة الوقت فيما لا طائل من ورائه .

ولو تأملنا في قصة الملك حزقيا لرأينا شاهدًا مطابقًا لما بين يدينا ، يقول سفر إشعيا : « في تلك الأيام مرض حزقيا للموت ، فجاء إليه إشعياء بن آموص النبي ، وقال له : هكذا يقول الرب : أوص بيتك ، لأنك تموت ولا تعيش » .

لكن الملك حزقيا لم ييأس « فوجه حزقيا وجهه إلى الحائط ، وصلى إلى الرب، وقال : آه يا رب ، اذكر كيف سرتُ أمامك بالأمانة وبقلب سليم ، وفعلتُ الحسن في عينيك ، وبكى حزقيا بكاء عظيمًا » .

ولم يخيبه ربه ، بل استجاب لتضرعه ودعائه « فصار قول الرب إلى إشعياء قائلًا : اذهب وقل لحزقيا : هكذا يقول الرب إله داود أبيك : قد سمعت صلاتك ، قد رأيت دموعك ، ها أنذا أضيف إلى أيامك خمس عشرة سنة ، ومن يد ملك أشور أنقذك وهذه المدينة ، وأحامي عن هذه المدينة » (إشعيا 38: 1-6) ، فقد رفع الله حكمه المقدر في حق حزقيا بحكم آخر ، فقد قبِل تضرعه واستغاثته ، وقبوله تعالى دعاء عبده البار المسيح من باب أولى .

ومثله في الوعيد الذي توعده الله للملك اخآب ثم عفوه عنه لتضرعه واتضاعه بين يدي ربه . ( انظر 1 ملوك 21: 19-29 ) .

ومثله أيضًا رفع الله العقوبة التي قررها على بني إسرائيل بعد اتضاع الملك داود له وبنائه لمذبح للرب ( انظر 2 صموئيل 24: 11-25 ) .

لقد تضرع المسيح ودعا طويلًا في البستان ، وطلب من الله أن يصرف كأس الموت والصلب عنه ، فهل كان المسيح يجهل أنه سيصلب ؟ وإذا كان يعلم أنه سيصلب فما فائدة هذا الدعاء والتضرع ؟ أقول : إن قيام المسيح بالدعاء والتضرع لله في البستان دليل على ثقته بأن الله سيستجيب له .

وهل يليق أن يقال بأن الله رد المسيح خائبًا بعد هذا التضرع والدعاء ، فمثل هذا لا يحصل إلا مع عصاة العباد الذين لا يستحقون رحمة الله ومحبته .

فاستجابة الله للأنبياء والصالحين حال دعائهم أمر مشهود ، فقد وعد رسله بالنجاة ؛ كما في رسالة يعقوب « صلاة الإيمان تشفي المريض ، والرب يقيمه … طلبة البار تقتدر كثيرًا في فعلها ، كان إيليا إنسانًا تحت الآلام ، ومثلنا صلى صلاة أن لا تمطر، فلم تمطر على الأرض ثلاث سنين وستة أشهر ، ثم صلى أيضًا ، فأعطت السماء مطرًا ، وأخرجت الأرض ثمرها » ( يعقوب 5: 15-18) . 

وقد استجاب الله ﻷ لإبراهيم لما أمره بذبح ابنه ، فامتثل لأمر الله ، فأنجى الله ابنه واستجاب له طلبه . 

ويؤكد العلامة ديدات على قرينة وحدة أفعال الله ، لإبطال صلب المسيح والحكم بنجاته ، فقد نجى الله النبي دانيال ، وإبراهيم ، والفتية الثلاثة الذين ألقوا في النار . 

أما نجاة إبراهيم ، فقد ذكرت في قوله تعالى : ﴿ قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ  قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ  وَأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ ﴾ [ الأنبياء : 68-70 ] . 

وأما دانيال ، فقد ألقاه الملك في جُبَّ مع الأُسود ، وختم الجب بخاتمه ، ثم لما فتحه ناداه : « يا دانيال عبد الله الحي ، هل إلهك الذي تعبده دائمًا قدِر على أن ينجيك من الأسود ؟ فتكلم دانيال مع الملك : يا أيها الملك ، عش إلى الأبد ، إلهي أرسل ملاكه ، وسد أفواه الأسود ، فلم تضرني ، لأني وجدت بريئًا قدامه وقدامك أيضًا .. فأمر الملك ، فأحضروا أولئك الرجال الذين اشتكوا على دانيال ، وطرحوهم في جب الأسود ، هم وأولادهم ، ولم يصلوا إلى أسفل الجب حتى بطشت بهم الأُسود ، وسحقت كل عظامهم » ( دانيال 6: 15-24 ) . 

وأما الفتية الثلاثة فقد أُلقوا في النار ، ولكن « لم تكن للنار قوة على أجسامهم ، وشعرة من رؤوسهم لم تحترق ، وسراويلهم لم تتغير ، ورائحة النار لم تأت عليهم » ( دانيال 3: 27 ) .

ومما يؤكد استجابة الله للمسيح : ظهور ملاك له ليقويه ( انظر لوقا 22: 43 ) فهل كان ذلك الملاك يضحك عليه ويهزأ به ، أم يعينه فينجيه ؟

وهذا الأخير هو ما يليق بعدل الله ورحمته ، فقد استجاب الله للمسيح فأنجاه ، وصلب يهوذا الخائن ، فهذا أليق بعدل الله وكرمه من القول بعدم استجابته للمسيح ، وصلبه وتسليمه إلى مرام أعدائه ومبغضيه .

لقد حفظ الله مسيحه ، وأمكنه من النجاة ويسّر له سُبلها ، كما يسرها لكثيرين دونه في الفضل والمكانة ، منهم بطرس الذي دخل ملاك الرب إلى سجنه ، وحطم سلاسله وهو نائم ، وأمره بالخروج . ( انظر أعمال 12: 7 ) .

وكذلك زعم لوقا أن بولس نجا من السجن بأعجوبة ، فقد تزلزلت الأرض ، وتصدع السجن ، وتحطمت القيود . وانفتحت الأبواب ، فهرب وصاحبه سِيلا من سجنهما . ( انظر أعمال 16: 26 ) .

كما أن توراة القوم تتحدث عن معونة الله لعدد من القديسين رفعوا إلى السماء، منهم : أخنوخ « وسار أخنوخ مع الله ، ولم يوجد لأن الله أخذه » ( التكوين 5: 24 ) .

ومثله النبي إيليا « وفيما هما يسيران ويتكلمان إذا مركبة من نار ، وخيل من نار ، ففصلت بينهما ، فصعد إيليا من العاصفة إلى السماء » ( 2 ملوك 2: 11) . 

فِلمَ أمكن هذا لبطرس وبولس وغيرهما ، ولم يمكن للمسيح ، وهو أولى منهم برعاية الله وحفظه ؟!

وهكذا ، ومن خلال هذه الأمثلة ، نرى أن رعاية الله التي أحاطت بالمؤمنين من قبل قد أحاطت بالمسيح ، وأنجته من يدي أعدائه ، فتحقق ما كان قد تنبأ به بقوله : « والذي أرسلني هو معي ، ولم يتركني الأب وحدي ، لأني في كل حين أفعل ما يرضيه » ( يوحنا 8: 9 ) .


تنبوءات العهد الجديد بنجاة المسيح :

إن خبر تنبؤ المسيح بقتله وصلبه ـ كما يذكر الإنجيليون ـ معارَض بنصوص كثيرة، أخبر المسيح تلاميذه فيها بنجاته ، بل أعلنها على ملأ اليهود ، وتحداهم ، وأخبر بأنه غلبهم ، وغلب العالم . 

وقد تجاهل النصارى هذه الروايات ، ولم يلتفتوا إلى الأناجيل وهي تنقل ـ على استحياء ـ عن المسيح شهادته بنجاته في نصوص عديدة :

ومنها قوله حسب ما جاء في يوحنا : « فأرسل الفريسيون ورؤساء الكهنة خدامًا ليمسكوه ، فقال لهم يسوع : أنا معكم زمانًا يسيرًا بعد ، ثم أمضي إلى الذي أرسلني ، ستطلبونني ولا تجدونني ، وحيث أكون أنا لا تقدرون أنتم أن تأتوا » فمتى حقق المسيح هذه النبوءة ؟ متى بحث عنه اليهود فلم يجدوه ؟ إنه ولا ريب يوم جاءوا للقبض عليه ، فنجاه الله وأخذه إلى المكان الذي لا يقدرون عليه ، إلى السماوات العلا .

 وقد فهم منه اليهود أنه أراد نجاته منهم « فقال اليهود فيما بينهم : إلى أين هذا مزمع أن يذهب حتى لا نجده نحن ؟ ألعله مزمع أن يذهب إلى شتات اليونانيين ، ويعلم اليونانيين ؟ ما هذا القول الذي قال : ستطلبونني ولا تجدونني ، وحيث أكون أنا لا تقدرون أنتم أن تأتوا ؟ » ( يوحنا 7: 32-36 ) .

ومرة أخرى ، جاهر المسيح بنجاته منهم قائلًا : « أعلم من أين أتيت ، وإلى أين أذهب ، وأما أنتم ، فلا تعلمون من أين آتي ، ولا إلى أين أذهب .. قال لهم يسوع أيضًا: أنا أمضي ، وستطلبونني وتموتون في خطيتكم ، حيث أمضى أنا ، لا تقدرون أنتم أن تأتوا . فقال اليهود : ألعله يقتل نفسه حتى يقول : حيث أمضي أنا لا تقدرون أنتم أن تأتوا . فقال لهم : أنتم من أسفل ، أما أنا فمن فوق ، أنتم من هذا العالم .. 

فقال لهم يسوع : متى رفعتم ابن الإنسان ، فحينئذ تفهمون إني أنا هو ، ولست أفعل شيئًا من نفسي ، بل أتكلم بهذا كما علمني أبي ، والذي أرسلني هو معي ، ولم يتركني الأب وحدي ، لأني في كل حين أفعل ما يرضيه » ( يوحنا 8: 21-29 ) . 

ثم مرة أخرى ، لما أعطى يهوذا اللقمة قال لتلاميذه : « يا أولادي أنا معكم زمانًا قليلًا بعد ، ستطلبونني ، وكما قلت لليهود : حيث أذهب أنا ، لا تقدرون أنتم أن تأتوا ، أقول لكم أنتم الآن .. قال له سمعان بطرس : يا سيد ، إلى أين تذهب ، أجابه يسوع : حيث أذهب لا تقدر الآن أن تتبعني ، ولكنك ستتبعني أخيرًا » ( يوحنا 13: 32-36 ) ، ولا يمكن أن يكون مقصوده الموت ، فإنه مقدور لكل أحد .

ومنها أيضًا قول المصلوب ( يهوذا ) وهو في المحاكمة : « من الآن يكون ابن الإنسان جالسًا عن يمين قوة الله » ( لوقا 22: 69 ) فقد رأى يهوذا نجاة المسيح بما رآه أو سمعه من المسيح عن نجاته ، وما شاهده من نجاة المسيح لحظة ألقي الشبه عليه ، وهو يخبر أنه في تلك اللحظة ، المسيح في السماء ، وقد رفع بقوة الله . 

ومن النصوص التي تحدثت أيضًا عن نجاة المسيح قوله : « هو ذا تأتي ساعة وقد أتت الآن ، تتفرقون فيها ، كل واحد إلى خاصته ، وتتركونني وحدي ، وأنا لست وحدي ، لأن الآب معي ، قد كلمتكم بهذا ليكون لكم فيّ سلام ، في العالم سيكون لكم ضيق ، ولكن ثقوا أنا قد غلبت العالم » ( يوحنا 16: 32-33 ) ، وهكذا كان ، فقد هربوا جميعًا وتركوه ، لكن الله معه ، لذا يطلب منهم أن يثقوا أنه غلب العالم ، وأن يثقوا أنه في سلام ، فأين هذا من القول بصفع المسيح وصلبه وضربه ؟ 

ومن النصوص الدالة أيضًا على نجاة المسيح قول يوحنا : « من عند الله خرج ، وإلى الله يمضي » ( يوحنا 13: 3 ) ولو كان المقصود الموت ، فكل الناس إلى الله تمضي ، والقول بأن مضيه إنما يكون بعد الدفن ثلاثًا ، يحتاج لدليل يثبت ذلك . 

ومن النصوص الدالة أيضًا على نجاة المسيح ما جاء في متى « فقال لهم يسوع : هل يستطيع بنو العرس أن ينوحوا مادام العريس معهم ؛ ولكن ستأتي أيام ، حين يرفع العريس عنهم ، فحينئذ يصومون » ( متى 9: 15 ) ، ومقصده رفعه للسماء . 

ومن ذلك أيضًا : أن في أقوال بولس ما يجعل حادثة الصلب قضية غير مسلم أنها حصلت للمسيح ، ويُرى ذلك بالإمعان في هذه الأقوال ، يقول بولس : « أما نحن فنكرز بالمسيح مصلوبًا ، شكًا لليهود ، وجهالة للأمم » ( 1 كورنثوس 1:  23) . 

ويشهد الكاتب المجهول لرسالة العبرانيين بنجاة المسيح من الصلب ، حين قال في وصف ملكي صادق : « لأن ملكي صادق هذا ملك ساليم ، كاهن الله العلي .. بلا أب ، وبلا أم ، بلا نسب ، لا بداءة أيام له ، ولا نهاية حياة ، بل هو مشبه بابن الله ، هذا يبقى إلى الأبد » ( عبرانيين 7: 1-3 ) فيفهم من قوله هذا ، أن ليس للمسيح نهاية أرضية سابقة ، كما هو الحال في ملكي صادق ! 

لكن يبقى أظهر أدلة نجاة المسيح ما قاله كاتب رسالة العبرانيين عن المسيح : « الذي في أيام جسده ، إذ قدم بصراخ شديد ودموع طلبات وتضرعات للقادر أن يخلصه من الموت ، وسمع له من أجل تقواه » ( عبرانيين 5: 7 ) .

فهذا النص ، شهادة ناطقة ، بأن الله استجاب للمسيح تضرعه في تلك الليلة التي قضاها في بستان جثماني ، وصرف عنه ما كان يحذره ويخافه من الصلب والبلاء ، وهذا ما تيقنه المسيح من ربه « أيها الآب أشكرك ، لأنك سمعت لي ، وأنا علمت أنك في كل حين تسمع لي » ( يوحنا 11: 40-41 ) . 

وقد رأى المحققون في هذه النصوص نبوءات تتكامل لتؤكد حقيقة واضحة تفيد بنجاة المسيح ÷ من يد أعدائه ، وأنه سيرفع للسماء ، فهو المكان الذي لا يقدرون عليه ، ولا يمكن أن يكون مقصده من هذه الأقوال الموت ، فإن ذلك أمر يطيقه كل أحد ، كما أن أحدًا لا يتحدى أعداءه بأنه سيموت وهم لن يستطيعوه .

لقد كان المسيح يتحدى أعداءه وهو يقول : « هو ذا بيتكم ، يترك لكم خرابًا ، لأني أقول لكم : إنكم لا ترونني من الآن ، حتى تقولوا : مبارك الآتي باسم الرب » ( متى 23: 28-29 ) . 

تنبوءات الأناجيل المرفوضة عند الكنيسة بنجاة المسيح :

في آخر القرن الميلادي الأول ووالقرن الثاني ساد فكر تسميه الكنيسة (الغنوصية)، وهو ما اعتبرته هرطقة تصدى لها الآباء في (أدب الدفاعيات) الذي  ساد في القرن الثاني والثالث، وتتمحور الأفكار الغنوصية حول رفض العهد القديم والإله اليهودي القاسي، والإيمان بألوهية المسيح ، وأنه لا يليق به أن يموت على الصليب، لذلك فصلوا بين جسد المسيح البشري واللاهوت ، وجعلوا الجسد جسدًا روحانيًا، أي شبح ليس له حقيقة، فقال بعضهم بأن المصلوب هو الجسد البشري (الشبح)، وقال آخرون منهم : بل المصلوب هو شخص آخر، وهو سمعان القيرواني، يقول الأب جورج رحمة:  «الغنوصية أنكرت ناسوت المسيح، واعتبرت أن يسوع لم يكن له مظهر الجسد , وأن المسيح لم يصلب، بل سمعان القيرواني هو الذى صلب بدلاً منه»([72]).

ويقول الأب الخضري: «رفض الغنوصيون عقيدة الصليب لأنها لا تتفق ولاهوت المسيح، ولكي يفسروا عقيدتهم هذه إزاء مُشكلة صلب المسيح , يقتبس الكثيرون منهم قصة سمعان القيرواني , ليس كما يذكرها الإنجيليون , بل يقتبس الغنوصيون الأناجيل المُزيفة التى تجعل من سمعان القيرواني الشخص الذى أخذ مظهر يسوع الناصري وهيئته , ولذلك وضع اليهود أيديهم عليه وصلبوه بدلا من المسيح لأنه شبه لهم بأنه المسيح»([73]).

ويضيف أسد رستم بديلاً آخر اعتقده الغنوصيون مصلوبًا بدلاً عن المسيح ، وهو الشيطان، ولك حين قال بعضهم: « المسيح لم يتألم، ولم يمت، ولكن الشيطان تألم ومات مكانه . وقال البعض الآخر: لا بل مات من أجل البشر، ليحررهم من سلطان إله اليهود»([74]).

وممن قال بذلك العلامة تاتيان (ت 180م)، وهو مؤلف أول محاولة للتوفيق بين الأناجيل الأربعة (الدياتسرون)، يقول تاتيان: «لكن عوضًا عن أن تقع أيديهم عليه وقعت على الشيطان، لأن المسيح كان قد صعد إلى السماء دون أن يبصروه، لذلك فالمسيح لم يتألم أو يمت، لكن الشيطان هو الذي تألم ومات» ([75]).

وفي أواسط القرن العشرين عثر العلماء في نجع حمادي بمصر على ما عرف بمخطوطات نجع حمادي ؛ وتحوي ثلاثة وخمسين نصًا ، تقع في ألف ومائة وثلاثة وخمسين صفحة ، وفيها شهادات للغنوصيين عن نجاة المسيح ، وأنه لم يصلب ([76]) .

ولم يرد في هذه المخطوطات أيُّ ذِكْرٍ لمحاكمة المسيح وصلبه ، بل جاء في رؤيا بطرس على لسان بطرس : « رأيته يبدو كأنهم يمسكون به ، وقلت : ما هذا الذي أراه يا سيد ؟ هل هو أنت حقًا من يأخذون ؟ .. أم أنهم يدقون قدميّ ويديّ شخص آخر ؟ .. قال لي المخلص : .. من يُدخلون المسامير في يديه وقدميه هو البديل ، فهم يضعون الذي بقي في شبهة في العار ! انظر إليّ ، وانظر إليه » . 

وفي مخطوطة أخرى من هذه المخطوطات وهي كتاب ( سيت الأكبر ) جاء على لسان المسيح « كان شخص آخر ، هو الذي شرب المرارة والخل ، لم أكن أنا .. كان آخر الذي حمل الصليب فوق كتفيه ، كان آخر هو الذي وضعوا تاج الشوك على رأسه . وكنت أنا مبتهجًا في العُلا .. أضحك لجهلهم » .

وفي مخطوطة ( مقالة القيامة ) ما يدل على أن المسيح مات موتًا طبيعيًا ، وأن روحه المقدسة لا يمكن أن تموت ([77]) .

وفي أعمال يوحنا وهو أيضًا سفر غنوصي كتب قبل عام 160م، وتعتبره الكنيسة من أسفار الأبوكريفا أن المسيح قال أثناء تعليق جسده على الصليب : « إنه في الوقت الذي علق فيه جسد يسوع البشري على صليب الجلجثة , كان يوحنا في داخل مغارة فى جانب الجبل , يتحدث مع المسيح , الذي قال له : (يا يوحنا , في نظر الناس في أورشليم , أنا أصلب وأسمر بالمسامير , وأطعن بالحربة , ويقدَم لي خل ومُر لأشرب , لكن ها أنا أتحدث إليك , فأصغ إلى قولي , إنني لم أعان شيئاً ما , مما سيقولون إني قد عانيت)»، وقال: «لست كذلك من هو على الصليب، أنا الذي لا تراه الآن، بل تسمع فقط صوته .. إن ما سيقولون في شاني حقير وغير جدير بي» ([78])  .

أما إنجيل برنابا ، فيذكر قصة مقاربة لتلك القصة الموجودة في الأناجيل ، فيذكر أن المسيح دعا وتضرع في البستان ، وأنه كان معه تلاميذه الأحد عشر ، وأن يهوذا جاء مع الجند ليدلهم على مكان المسيح ، مقابل ثلاثين من الفضة ، وأن التلاميذ كانوا نيامًا ، وأنهم هربوا لما استيقظوا ورأوا الجند .

 وكذا يذكر برنابا أن المأخوذ ( يهوذا ) قد أخذ إلى رئيس الكهنة الذي سأله إن كان هو المسيح ، وعرضه على الوالي الذي كان يريد إطلاق سراحه ، لقناعته ببراءة المقبوض عليه ، لكن الجموع رفضت ذلك . 

وثمة نقاط صغيرة كثيرة أخرى تتشابه فيها رواية برنابا والروايات الإنجيلية ، لكن رواية برنابا تفترق في نقاط ، أهمها : 

 أن المقبوض عليه هو يهوذا ، الذي ألقي عليه شبه المسيح .

أن المسيح أخرجته الملائكة سالمًا ، وصعدت به إلى السماء ، وأنه عاد بعد ذلك واجتمع بتلاميذه ، وأخبرهم بحقيقة ما حصل ، وبأنه نجا ، وأن الذي دفنوه وصلبوه وسرقوه هو يهوذا الأسخريوطي ، وأن الجسد المصلوب قد سرقه بعض التلاميذ من القبر ، وأشاعوا قيامة المسيح من القبر ، ثم يختم بذكر صعوده إلى السماء، بعد وداعه لأمه وتلاميذه .

ومما ذكره برنابا في قصته : « فاعلم يا برنابا أنه لأجل هذا يجب عليّ التحفظ ، وسيبيعني أحد تلاميذي بثلاثين قطعة نقود ، وعليه فأنا على يقين من أن من يبيعني يقتل باسمي ، لأن الله يصعدني في الأرض ، وسيغير منظر الخائن ، حتى يظنه كل أحد إياي ، ومع ذلك لما يموت شر ميتة ؛ أمكث في ذلك العار زمنًا طويلًا في العالم ، ولكن متى جاء محمد رسول الله المقدس ، تزال عني هذه الوصمة ، وسيفعل الله هذا ، لأني اعترفت بحقيقة مسيّا ، الذي سيعطيني هذا الجزاء ، أي أن أعرف أني حي ، وأني بريء من وصمة تلك الميتة .

فأجاب من يكتب ( أي برنابا ) : يا معلم . قل لي من هو ذلك التعيس ؟ لأني وددت لو أُميته خنقًا . أجابه يسوع : صه ، فإن الله هكذا يريد ، فهو لا يقدر أن يفعل غير ذلك ، ولكني متى حلت هذه النازلة بأمي ، فقل لها الحق ، لكي تتعزى .. 

وخرج يسوع من البيت ، ومال إلى البستان ليصلي ، فجثا على ركبتيه مائة مرة معفرًا وجهه كعادته في الصلاة .. ولما دنت الجنود مع يهوذا في المحل الذي كان فيه يسوع سُمع دنو جم غفير ، فلذلك انسحب إلى البيت خائفًا ، وكان الأحد عشر نيامًا ، فلما رأى الله الخطر على عبده ، أمر جبريل وميخائيل ورفائيل وأوريل سفراءه أن يأخذوا يسوع من العالم ، فجاء الملائكة الأطهار ، وأخذوا يسوع من النافذة المشرفة على الجنوب ، فحملوه ، ووضعوه في السماء الثالثة في صحبة الملائكة التي تسبح الله إلى الأبد » .

ثم يمضي برنابا هو يصور ما حصل ليهوذا الخائن ، فيقول : « ودخل يهوذا إلى الغرفة ، دخل يهوذا مندفعًا أمام جميع من كانوا معه إلى الحجرة التي كان فيها عيسى ، ثم رفع منها إلى السماء ، بينما كان التلاميذ نيامًا ، على أن الله العظيم القادر على كل شيء ، تصرف تصرفًا عجيبًا ، فحول يهوذا إلى صورة عيسى وهيئته وصوته وأسلوب حديثه تمامًا ، حتى اعتقدنا أنه عيسى ، ولما استيقظنا من النوم كان يدور ليعرف مكان المعلم ، أما نحن فعجبنا للأمر ، فقلنا له : إنك أنت معلمنا ومولانا ، هل نسيتنا ؟ 

فضحك يهوذا ، وقال : إنكم لحمقى ، ألا تعرفونني ؟ أنا يهوذا الأسخريوطي ، وفي هذه اللحظة دخل الجنود ، ووضعوا أيديهم على يهوذا ، فقد كان صورة طبق الأصل لعيسى. 

ولما سمعنا نحن قول يهوذا ، ورأينا كتائب الجنود هربنا واختفينا ، كان يوحنا يلتف بقماش من التيل ، فاستيقظ وهرب ، ولما أمسك أحد الجنود بقطعة القماش ، تركها له ، وفر هاربًا عاري الجسد ، إذ كان الله قد سمع دعوة عيسى ، وبالفعل نجا التلاميذ الأحد عشر من كل شر » ( برنابا 214: 1-216: 13) . 

ثم لما رجع يسوع ÷ من السماء لوداع أمه « وبخ كثيرين من الذين اعتقدوا أنه مات ، وقام قائلًا : أتحسبونني أنا والله كاذبين ، لأن الله وهبني أن أعيش حتى قبيل انقضاء العالم ، كما قد قلت لكم ، الحق أقول لكم : إني لم أمت ، بل يهوذا الخائن . احذروا ، لأن الشيطان سيحاول جهده أن يخدعكم .. وبعد أن انطلق يسوع تفرق التلاميذ في أنحاء إسرائيل والعالم المختلفة .

 أما الحق المكروه في الشيطان فقد اضطهده الباطل كما هي الحال دائمًا ، فإن فريقًا من الأشرار المدعين أنهم تلاميذ بشّروا بأن يسوع مات ولن يقوم ، وآخرون بشروا بأنه مات بالحقيقة ثم قام ، وآخرون بشروا ولا يزالون يبشرون بأن يسوع هو ابن الله ، وقد خدع في عدادهم بولس . 

أما نحن فإنما نبشر ـ بما كتبت ـ الذين يخافون الله ، ليخلصوا في اليوم الأخير لدينونة الله » (برنابا 221: 15 - 222: 6 ) . 

وهكذا نرى الحقيقة بادية ساطعة ، نطقت بها النبوات نبيًا بعد نبي في جلاء ووضوح عجيب . 

ويتساءل المرء : لِمَ لَمْ يتوصل النصارى إلى هذه الحقيقة الجلية ؟ 

وفي الإجابة عن هذا السؤال يرى منصور حسين أن الطريقة الخاطئة والمغلوطة التي يفكر بها النصارى ، هي التي حجبت شمس الحقيقة عنهم . وكمثال لطريقتهم في التفكير ، ينقل عن الدكتور ر .أ . ترى في كتابه ( كيف تدرس الكتاب المقدس؟ ) . 

فقد وضع الدكتور النصراني شروطًا ينبغي أن يتحلى بها قارئ الكتاب المقدس، ليحصل على أكبر قدر من الفائدة فمن هذه الشروط : أن يكون القارئ مولودًا ولادة ثانية ( مسيحيًا ) ، وأن يكون محبًا للكتاب المقدس ، وعنده استعداد للكد والجد في دراسته ... 

ويتوقف منصور حسين مع شرطين مهمين :

أولهما : أن يكون عند الدارس « إرادة مسلَّمة تسليمًا كاملًا ... » .

وثانيهما : « أن ندرسه باعتباره كلمة الله » .

فيرى الأستاذ منصور حسين أن هذين الشرطين يفرضان على قارئ الكتاب المقدس التسليم والإيمان بأن ما يقرأه هو وحي الله ، الذي لاشك فيه ولا لبس ، مهما ظهر فيه من التناقض ، والخطأ ، والتعارض مع المعتقدات النصرانية . 

فمثلًا : عندما يقرأ النصراني في المزمور قوله : « أما أنا فدودة لا إنسان ، عار عند البشر» ( المزمور 22: 6 ) يجد أنه من غير المنطقي أن يكون هذا عن المسيح ، لكنه يسلم لمشيئة مؤلفي العهد الجديد ، فيقول بأنه نبوءة عن المسيح رغم استحالتها بحقه. 

ويفعل الشيء نفسه ، وهو يقرأ « الرب مخلص مسيحه » ( المزمور 20: 6 ) وهكذا فهم يضعون النتائج أولًا ، ثم يقرؤون الكتاب المقدس .

وهكذا ، فإن المتأمل لهذين الشرطين « ليكاد يقطع بأن واضعهما يعرف ـ بيقين ـ أن لو أطلقت للباحث حرية البحث عن الحقيقة وحدها ، فإنه سينتهي من العهد القديم إلى ما يخالف ما جاء به العهد الجديد ( من حديث عن صلب المسيح ) ، فيصل إلى أن الله مخلص مسيحه ، ورافعه إليه ، وأن الذي سيقبض عليه ويحاكم ويصلب هو يهوذا » ([79])  .

 


كيفية نجاة المسيح من المؤامرة
وإذا كانت الأدلة قد شهدت للمسيح بالنجاة ، وأن مؤامرة الأشرار لن تلحق به الأذى ، فنجا المسيح من الموت على الصليب الذي أراده له أعداؤه . 

فإن ثمة سؤالًا يطرح نفسه : كيف نجا المسيح ؟ 

وكما أسلفنا فإن القرآن والسنة النبوية لا يذكران كيفية نجاة المسيح ، وكل ما ذكره القرآن أن الله شبه عليهم غير المسيح ، فأخذوه وليس لهم به علم يقيني .

 لذا نعود إلى قصة الأناجيل وهي تتحدث عن الصلب المزعوم ، لنرى كيف نجا المسيح ؛ ولابد لنا هنا من قراءة ما بين سطور القصة الإنجيلية ، لتلمس الحقيقة التي يصرح الإنجيليون بخلافها .

وبداية نذكر أن المسلمين لا يرون كثير ضير بالقول بالكثير من التفصيلات التي أوردتها الأناجيل ، وإن كنا نشك في حصول بعضها ، لكن نقبلها تنزلًا مع محاورينا من النصارى ، ومنها : 

1- أن المسيح خرج إلى البستان برفقة تلاميذه ، وأنه أخبرهم بأنه سيتعرض لمؤامرة من أحد التلاميذ مع اليهود الذين يريدون صلبه . 

2- أن المسيح دعا في تلك الليلة طويلًا ، وبإلحاح كبير طالبًا من الله أن يصرف عنه كأس الموت . 

3- أن المسيح استسلم لقضاء الله وقدره ، فقال : « ليس كما أريد أنه بل كما تريد أنت » ( متى 26: 39 ) وقال : « فلتكن مشيئتك » ( متى 26: 41 ) . 

4- المسيح يصلي ، والتلاميذ نيام ، ويحاول إيقاظهم مرة بعد مرة . 

5- وصل يهوذا الأسخريوطي الخائن ، ومعه الجند ، يحملون مشاعل وسيوفًا وعصيًا ، للقبض على المسيح ، وقد جعل يهوذا علامة للجند أن يقبل المسيح . 

6- وصلت الجموع ؛ فخرج إليهم المسيح ، وقال : من تطلبون ؟ فأجابوه : يسوع الناصري . فقال المسيح : « أنا هو .. فلما قال لهم : إني أنا هو ، رجعوا إلى الوراء ، وسقطوا على الأرض » ( يوحنا 18: 5-6 ) .

7- حاول بطرس الدفاع ، لكنه كان أعجز من ذلك ، فهرب وجميع التلاميذ . 

8- اقتيد المأخوذ ( وهو غير المسيح ) للمحاكمة عند رئيس الكهنة ، ثم بيلاطس ، وبطرس يتابعه في بعض ذلك ، وقد أنكره تلك الليلة ثلاث مرات . 

9- في المحاكمة سأل رئيس الكهنة ، واستحلف المأخوذ إن كان هو المسيح ، فأجابه : « أنت قلت ، وأيضًا أقول لكم : من الآن ، تبصرون ابن الإنسان جالسًا يمين القوة ، وآتيًا على سحاب السماء » ( متى 26: 64 ) . 

10- حكمت المحكمة على المأخوذ بالقتل ، واقتيد إلى بلاط بيلاطس الذي سأله : إن كان هو ملك اليهود ، فأجابه : « أنت تقول » ، ثم لم يجبه بكلمة واحدة ، حتى تعجب بيلاطس منه . 

11- لم يجد الوالي للمأخوذ علة في المقبوض عليه يستحق عليها القتل ، فأراد أن يطلقه ، لكن الجموع أصرت على صلبه ، وإطلاق باراباس ، فأعلن براءته من دم هذا البار ، وأسلمه لهم . 

12- اقتيد المأخوذ إلى موضع الصلب ، وصلب بجوار لصين . 

13- صرخ المصلوب على الصليب ، فسقوه خلًا ، ثم أسلم الروح . 

ويفترق المسلمون عن الأناجيل في مسألة مهمة ، وهي من هو المأخوذ من ساحة القبض على المسيح ؟ فيراه المسلمون يهوذا الأسخريوطي ، التلميذ الخائن ، ويلزمنا إقامة الدليل على ذلك ، إذ هي موضع النزاع ، وقد كنا قد أقمنا الأدلة على ذلك من سفر المزامير .

ولتصور القول بأن يهوذا هو المأخوذ ، وأنه حصل التباس عند آخذيه ، فإنا نتصور الجموع الكثيرة والتي تقارب الألف وهي تسير ، تحمل المشاعل والسيوف والعصي ، وتتكون من جنود وغوغاء يتقدمهم يهوذا .

ولما وصل الجمع إلى المسيح كان التلاميذ نيامًا ، وقد حاول المسيح إيقاظهم مرارًا فلم يستطع ، برغم أن الموقف كان صعبًا ، فقد كانت عيونهم ثقيلة ، واقتربت الجموع من المسيح يتقدمهم يهوذا ، والتلاميذ نيام « فلما قال لهم : إني أنا هو ، رجعوا إلى الوراء ، وسقطوا على الأرض » ( يوحنا 18: 6 ) . 

وهنا نتوقف مليًا ، لنقرأ ما غفلت عن ذكره السطور . 

فما فائدة سقوطهم على الأرض ؟ وما الذي أسقطهم ؟ وماذا أفاد المسيحَ سقوطهم ، إذا كانوا سيقبضون عليه بعدها ؛ وَلم لَمْ يتكرر السقوط عندما أرادوا أخذه بعدها ؟ 

ولنحاول أكثر أن نتصور ما حدث في تلك اللحظة ، فقد اقترب يهوذا لتقبيل المسيح كعلامة للجند على أنه المطلوب ، وفي تلك اللحظة اقترب الجند ، حملة المشاعل والسيوف للقبض على المسيح ، فتدخلت قدرة الله العظيم ـ كما ذكر يوحناـ، فسقطوا على الأرض ، بعد أن رجعوا للوراء .

 ولك أن تتخيل ما حصل ، من هرج ، وتدافع ، من جراء سقوط مقدمة هذه الجموع التي تحمل المشاعل ، والتي هي فقط تنير لها ظلمة الليل البهيم . 

بعد ذلك الاضطراب والفوضى قام الساقطون من الأرض ، وأفاقوا من ذهولهم لما حصل لهم ، ورأوا يهوذا وحده مبهوتًا أصابه الذهول ، وقد رأى المسيح يرفع للسماء ، وقد ألقى الله عليه الكثير من شبه المسيح ، ولكن من سيتوقع أن هذا المذهول هو يهوذا ، ومن الذي يعرفه وقتذاك ؟

 فكانت لحظةُ وقوع الجند : لحظة الخلاص كما وصفتها المزامير « الآن عرفت أن الرب مخلص مسيحه .. هم جثوا وسقطوا ، أما نحن فقمنا وانتصبنا » ( المزمور 20: 8 ) .

 وفي مزمور آخر : « أما أنت فتبارك ، قاموا وخزوا » ( المزمور 109: 28 ) .

وفي مزمور آخر يسجل تلك اللحظة الخالدة : « حينئذ ترتد أعدائي إلى الوراء » ( المزمور 56: 9 ) ، و « ليرتد إلى خلف ، ويخجل المشتهون لي شرًا » ( المزمور 70: 2 )، و « عندما اقترب إلي الأشرار ليأكلوا لحمي ، ومضايقي وأعدائي عثروا وسقطوًا» ( المزمور 27: 2 ) ، « ليخز وليخجل معا الذين يطلبون نفسي لإهلاكها ، ليرتد إلى الوراء ، وليخز المسرورون بأذيتي » ( المزمور 40: 14-15) وغيرها .

بعدها حُمل يهوذا إلى المحاكمة وإلى ديوان بيلاطس ، والشك في حقيقة شخصه يلاحقه في كل هذه الخطوات ، فقد شك فيه رئيس الكهنة ، وكانت إجاباته لبيلاطس وهيرودس تنبئ عن الذهول الذي أصابه ، وعن عجزه عن بيان الحقيقة ، التي لن يقنع أحدًا إن ذكرها ، فكان يجيبهم : « أنت تقول » ( متى 27: 11 ) .

ولما اجتمع في النهار مشيخة الشعب ، ورؤساء الكهنة ، « وأصعدوه إلى مجمعهم قائلين : إن كنت أنت المسيح ، فقل لنا . فقال لهم : إن قلت لكم لا تصدقون ، وإن سألت لا تجيبونني ولا تطلقونني . منذ الآن يكون ابن الإنسان جالسًا عن يمين قوة الله . فقال الجميع : أفأنت ابن الله ؟ فقال لهم : أنتم تقولون : إني أنا هو » ( لوقا 22: 66-70 ) .

ولا يفسر هذه الإجابات الغريبة ، بل وتلك الأسئلة الغريبة من أناس كانوا يرون المسيح في كل يوم ، لا يفسره إلا أن نقول بأن المأخوذ هو غير المسيح ، وإن أشبهه ، وهذا الشبه حير رؤساء الكهنة في حقيقة المأخوذ ، فحاولوا استجلاء الحقيقة بسؤال المأخوذ ، فلم ينكر ولم يثبت .

وأما يهوذا فقد عرف أن لا فائدة من إنكاره ، إذ لن يصدقه أحد ، ولربما ولفرط ندمه قد استسلم لرداه ، ورضي بعقوبة الله له ، أن يصلب عن المسيح ، لعله بذلك أن يفديه ، لذلك تكرر سكوته . 

وهذا الموقف ليس بعيدًا عمن ذكرت الأناجيل أنه لفرط ندمه خنق نفسه ، وانتحر . 

لقد تحققت فيه نبوءات المزامير « وإذا حوكم فليخرج مذنبًا .. ووظيفته ليأخذها آخر » ( المزمور 109: 6-8 ) ، لقد أتى ليخطف المسيح ، فلم يستطع .. « حينئذ رددت الذي لم أخطفه » ( المزمور 69: 4 ) . 

وقد يشكل هنا أن متى ذكر في إنجيله أن يهوذا مات مخنوقًا ( انظر متى 27: 2-5)، ويكفي في دفعه أن نتذكر ما ذكره سفر أعمال الرسل عن موته حين سقوطه وخروج أحشائه . (انظر أعمال 1: 16-20 ) ، وسبب وقوع الإنجيليين في هذا التناقض اختفاء يهوذا ، فاخترع كل من متى ولوقا نهاية ليهوذا تليق بجريمته ، فهذا التناقض بين الروايتين الإنجيليتين ، مشعر بوجود نهاية حقيقية ، خفيت على الكاتبين، ودفعتهما لاختلاق روايتيهما .

وقد يعترض معترض بذكر بعض الأحداث التي حصلت بعد وقوع الجموع ، فقد ذكر الإنجيليون أن بطرس حمل السيف ، وضرب أذن العبد فأمره المسيح برد السيف ، لأن من ضرب بالسيف يؤخذ به ، فهرب بطرس والتلاميذ . (انظر يوحنا 18: 10-19 ) ، وهذه القصة يجعلها يوحنا بعد حادثة تراجع الجند ، ووقوعهم على الأرض .

ومثله ذكر يوحنا أيضًا بعد سقطتهم ، أن المسيح سألهم : « من تريدون ؟ فقالوا: يسوع الناصري . أجاب يسوع : قد قلت لكم إني أنا هو .. ثم إن الجند والقائد وخدام اليهود قبضوا على يسوع ، وأوثقوه » ( يوحنا 18: 7-12 ) .

كما قد يعترض معترض بذكر ما انفرد به يوحنا ، وهو حضور أم المسيح إلى ساحة الصلب ، فيقول : لا يصح أن يخفى عليها حقيقة المصلوب ، وأن ليس ابنها . 

لكن أمثال هذه النصوص التي لن يستطيع أحد أن يثبت وقوعها أو عصمة كُتابها لكثرة ما رأينا من أخطائهم وتناقضاتهم ، ولا تنهض مثل هذه الروايات في الرد على نبوءات المزامير والأناجيل ، وإلحاقُها بتناقضات الأناجيل وأخطائها أَوْلَى . 

وقد يعترض معترض على رفع المسيح ونجاته مستشهدًا بروايات القيامة التي تشير إلى وجود أرضي للمسيح بعد حادثة الصلب ، وهو اعتراض لا يعول عليه في مثل هذه المسألة لأنه بعض تلك الروايات المفككة ، وهو على كل حال لا يتعارض مع نجاة المسيح من الصلب ، بل نراه مؤكدًا وشاهدًا بها ، فوجود المسيح يدل على أنه مازال حيًا ، وتخفيه من اليهود والرومان بصورة البستاني ( انظر يوحنا 20: 14-15 )، وبهيئات أخرى منعت التلاميذ مجتمعين من معرفة شخصه ، ( انظر لوقا 24: 1319، ويوحنا 21: 1-7) . وكل هذا دليل على نجاة المسيح من الموت ، لا قيامته منه .

فلو كان المسيح قد قهر الموت لما خافه ثانية ، ولما تخفى من اليهود ، إذ الموت لا يتسلط عليه ثانية كما قال مؤلف الرسالة إلى العبرانيين : « وكما وضع للناس أن يموتوا مرة، ثم بعد ذلك الدينونة » ( عبرانيين 9: 27 ) ، وفي رسالته إلى أهل رومية يقول بولس : « نؤمن أننا سنحيا أيضًا معه ، عالمِين أن المسيح بعد ما أقيم من الأموات لا يموت أيضًا ، لا يسود عليه الموت بعد » ( رومية 6: 8-9 ) ، وهكذا فلا مبرر لتخفيه إلا إذا كان قد نجى من الموت ، ويخشى أن يفطن أعداؤه لنجاته ، فيستدركوا ما فاتهم .

وقد ذكر برنابا في إنجيله أن المسيح بعد نجاته وصعوده للسماء عاد ثانية لوداع أمه قبل أن يرفع من جديد ( انظر برنابا 219 ) .

ويقول برنابا ، وقد كشف له المسيح عن الحقيقة بعد هلاك يهوذا : « يا معلم : إذا كان الله رحيمًا ، فلماذا عذبنا بهذا المقدار ، بما جعلنا نعتقد أنك كنت ميتًا ؟ ولقد بكتك أمك حتى أشرفت على الموت .. أجاب يسوع : .. فلمّا كان الناس قد دعوني الله وابن الله على أني كنت بريئًا في العالم ، أراد الله أن يهزأ الناس بي في هذا العالم بموت يهوذا ، معتقدين أنني أنا الذي مت على الصليب ، لكيلا تهزأ الشياطين بي في يوم الدينونة ، وسيبقى هذا إلى أن يأتي محمد رسول الله ، الذي متى جاء كشف هذا الخداع للذين يؤمنون بشريعة الله » ( برنابا 220:  14-20 ) . 

وقد كان ، فأخبر محمد صلى الله عليه وسلم بالحقيقة التي غابت عن النصارى طويلًا ، وصدق الله وهو يقول : ﴿ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً بَل رَّفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ﴾  [ النساء : 157-158 ] .

 
الشك في شخص المصلوب :

ذكرنا أن القرآن الكريم لم يكذب حصول حادثة الصلب ، والذي ذكره القرآن يفهم منه حصول حادثة الصلب ، لكن لغير المسيح ÷ ، ولم يحدد القرآن شخص المصلوب ، لكنه أفاد بوقوع شبه المسيح عليه ، فصلب بدلًا عن المسيح ÷ .

وقد أخبر القرآن الكريم أن الذين يدعون صلب المسيح ليس لهم به علم يقيني، بل هم يشكون في شخص المصلوب على رغم شبهه بالمسيح ، لكنه يقينًا ليس بالمسيح ÷ ، قال الله تعالى : ﴿ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ ﴾ [ النساء : 157 ] .

وهذا الذي ذكره القرآن تصدقه النصوص الإنجيلية التي ذكرت شك الجنود واليهود في شخص المصلوب ، وقد وقعت يومذاك عدة صور للشك : 

أولها : أن من جاءوا للقبض عليه أنكروا وجهه وصوته ، ولم يعرفوه حيث خرج إليهم وقال : من تطلبون ؟ فأجابوه : يسوع الناصري ، فأخبرهم بأنه هو ، بيد أنهم لم يسارعوا للقبض عليه ، فأعاد عليهم السؤال ، فأعادوا الجواب . ( انظر يوحنا 18: 3-8 ) . 

فهذا يدل على شكهم في شخصه ، والسؤال المثير للاستغراب : كيف وقعوا بهذا الشك ، والمسيح قد عاش بين أظهرهم ، وهو أشهر من علم ؟

ثانيها : شك رئيس الكهنة في شخصية المأخوذ ، وهو أمر جِد مستغرب ، إذ المسيح كان يجلس في الهيكل ، ويتحدث مع الكهنة ورؤسائهم ، ورأوه وهو يقلب موائد الصيارفة في الهيكل ( انظر متى 21: 12-15 ، 23-46 ) . 

وقد قال لهم حين جاءوا لأخذه : « كأنه على لص خرجتم بسيوف وعصيٍ لتأخذوني، كل يوم كنت أجلس معكم أعلم في الهيكل ، ولم تمسكوني » ( متى 26: 55 ) . 

ويظهر الشك جليًا في قول رئيس الكهنة له أثناء المحاكمة : « أستحلفك بالله الحي ، أن تقول لنا : هل أنت المسيح ابن الله ؟ » ( متى 26: 62-64 ) . 

ويجلي لوقا ذلك فيقول : « ولما كان النهار ، اجتمعت مشيخة الشعب ، ورؤساء الكهنة والكتبة ، وأصعدوه إلى مجمعهم قائلين : إن كنت المسيح فقل لنا ، فقال لهم : إن قلت لا تصدقون ، وإن سألت لا تجيبونني ولا تطلقونني ، منذ الآن يكون ابن الإنسان جالسًا عن يمين قوة الله ، فقال الجميع : أفأنت ابن الله ؟ فقال لهم : أنتم تقولون : إني أنا هو » ( لوقا 22: 66-70 ) . 

فنلاحظ أن الجميع كان منشغلًا بتحقيق شخص المأخوذ ، حتى في محاكمته . 

ونلحظ أيضًا أن إجابة المأخوذ كانت : « أنت قلت » ، وقال لبيلاطس : « أنت تقول » ، بمعنى أنه لم يصدق كلامهم ولم يكذبه ، لكنه قال لهم : هذا ما تقولونه أنتم .

ولكن الآباء اليسوعيون يعلقون في نسخة الرهبانية اليسوعية على هذا النص بقولهم : « المعنى أن يسوع يرفض هذا اللقب »([80]) .

ثم ما هي الإجابة التي لن يصدقها رؤساء الكهنة ؟ ولو صدقوها لأطلقوه ؟ هي بلا شك : أنه ليس المسيح ، بل يهوذا .

وأما عيسى فقد أخبرهم يهوذا عن مكانه فقال : « منذ الآن يكون ابن الانسان جالسًا عن يمين قوة الله » ( لوقا 22: 69 ) ، أو كما قال متى : « من الآن تبصرون ابن الانسان جالسًا عن يمين القوة ، وآتيًا على سحاب السماء » ( متى 26: 64 ) .

وقد يسأل سائل : كيف عرف يهوذا مكان المسيح ؟ والجواب بسيط ، لقد رأى يهوذا المسيح وهو ينجو ويصعد به إلى السماء ، يوم أن أُلقي القبض عليه ، بعد وقوع الجند . 

وهنا يتساءل البعض ، لماذا شك الجند ورئيس الكهنة والكهنة في شخصية المأخوذ؟ 

وفي الإجابة نقول : لقد كانوا يعهدون في المسيح معالم معنوية ، في كلامه ، وذكائه ، وشجاعته ، وعلمه ، بل وصوته ، وهم اليوم لا يرون شيئًا من ذلك في الشخص الماثل أمامهم .

ولهذه المعالم المفقودة في المأخوذ احتقر هيردوس المقبوض عليه ، بينما يتوقع أن يرى المسيح العظيم الذي طالما سمع عنه : « وأما هيردوس فلما رأى يسوع فرح جدًا ، لأنه كان يريد من زمان طويل أن يراه لسماعه عنه أشياء كثيرة ، وترجى أن يرى آية تصنع منه ، وسأله بكلام كثير ، فلم يجبه بشيء .. فاحتقره هيرودس مع عسكره ، واستهزأ به » ( لوقا 23: 8-11 ) ، لقد رآه هيرودس دون الرجل العظيم الذي كان يسمع عنه ، بل لم يجد لديه أيًا من معالم العظمة التي كان يسمع عنها .

وفي ذلك كله تصديق لما أخبر عنه القرآن الكريم ، قبل قرون طويلة من الشك في شخصية المصلوب ، فقد قال الله تعالى موضحًا حالهم مع المصلوب وحيرتهم في شخصه : ﴿ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ ﴾  [ النساء : 157 ] .

إمكانية نجاة المسيح :
كما تتحدث النصوص الإنجيلية عن بعض ما أوتيه المسيح ÷ من تأييد الله له، وهذه الأعاجيب التي أوتيها تجعل نجاته ـ في تلك الليلة في بستان جثسماني ـ ممكنة ، وذلك لما منحه الله من قدرات مكنته مرارًا من الإفلات من كيد اليهود ، وهي ما تجعل نجاته يوم جاءوا للقبض عليه أمرًا متوقعًا غير مستنكر ولا مستغرب .

بل الزعم بتمكن اليهود وجند الرومان منه يثير سؤالًا كبيرًا : أين اختفت هذه القدرات وتلك المعونة الإلهية له ؟ هل أسلمه الله بعد طول حمايته وتأييده له ، فتخلى عنه في أصعب الأيام وأضيقها . 

فالمسيح ـ حسب ما ذكرت الأناجيل ـ قد أعطاه الله ﻷ قدرة على النجاة ، والهروب من بين يدي أعدائه ، فقد اختفى منهم أكثر من مرة لماّ أرادوا به شرًا ، فمن الطبيعي والمنطقي أن يهرب منهم يوم جاءوا للقبض عليه .

وأمثلة هذه القدرة الباهرة كثيرة منها :

قول لوقا : « فامتلأ غضبًا جميع الذين في المجمع حين سمعوا هذا ، فقاموا وأخرجوه خارج المدينة ، وجاءوا به إلى حافة الجبل الذي كان مدينتهم مبنية عليه ، حتى يطرحوه إلى أسفل ، أما هو فجاز في وسطهم ، وانحدر إلى كفر ناحوم » ( لوقا 4: 28-31 )، لقد أفلت من أيديهم بطريقة خارقة . 

ولما كان في الهيكل ، وكثر الجدال بينه وبين اليهود ، هموا بقتله « فرفعوا حجارة ليرجموه . أما يسوع فاختفى ، وخرج من الهيكل مجتازًا في وسطهم ومضى » ( يوحنا 8: 59 ) .

وفي مرة أخرى جادلهم « فطلبوا أن يمسكوه ، ولم يلق أحدٌ يدًا عليه ، لأن ساعته لم تكن قد جاءت بعد ، فآمن به كثيرون في الجمع ، وقالوا : ألعل المسيح متى جاء يعمل أكثر من هذه التي عملها هذا » ( يوحنا 7: 30-31 ) ، وقولُ إنجيل يوحنا : « لأن ساعته لم تكن قد جاءت بعد » ، قولٌ لا يلزمنا فإنه يؤمن بصلب المسيح ، ويحاول أن يبرر اختفاء هذه الخاصية عند القبض على المسيح . 

وفي يوم العيد حصل مثله « فحدث انشقاق في الجمع لسببه ، وكان قوم منهم يريدون أن يمسكوه ، ولكن لم يُلق أحد عليه الأيادي » ( يوحنا 7: 43-44 ) . 

ولما تمشّى في رواق سليمان ، وأسمعهم دعوته « فطلبوا أن يمسكوه فخرج من أيديهم ، ومضى أيضًا إلى عبر الأردن » ( يوحنا 10: 39-40 ) ، لقد كان يهرب منهم في كل مرة بطريقة تحيرهم ، إنها حماية الله وتأييده . 

ولما كان في الخزانة في الهيكل ، حاولوا إمساكه « ولم يمسكه أحد ، لأن ساعته لم تكن قد جاءت بعد » ( يوحنا 8: 20 )، ليتجدد السؤال أين اختفت هذه الخاصية للمسيح يوم المؤامرة العظمى؟ فلئن استعملها في الهرب من عامة اليهود ، فاستعمالها في الهرب من الجند أَوُلَى . 

في هذه النصوص تصديق لما أخبر الله عز وجل عنه في شأن المسيح ، حيث قال وهو يعدد نعمه على المسيح : ﴿ وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ إِنْ هَـذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ ﴾ [ المائدة : 110 ] ، لقد رموه بالسحر بسبب ما أمده الله من المعجزات الباهرة التي أعيتهم .

ومما تذكره الأناجيل من قدرات المسيح التي أمده الله بها قدرته على اختراق الحجب ، يقول يوحنا : « ولما كان عشية ذلك اليوم وهو أول الأسبوع ، وكانت الأبواب مغلقة حيث كان التلاميذ مجتمعين لسبب الخوف من اليهود ، جاء يسوع ، ووقف في الوسط ، وقال لهم : سلام لكم » ( يوحنا 20: 19 ) .

وفي رواية لوقا للقصة ذاتها لم يذكر إغلاق الأبواب ، وإن ذكر ما يشعر بوجود أعجوبة « وفيما هم يتكلمون بهذا ، وقف يسوع نفسه في وسطهم ، وقال لهم : سلام لكم، فجزعوا وخافوا ، وظنوا أنهم نظروا روحًا » ( لوقا 24: 36-37 ) .

كما ثمة أعجوبة أخرى ، تجعل نجاة المسيح وخلاصه من أيدي كائديه ممكنًا ، ألا وهي ما تذكره الأناجيل من قدرة المسيح على تغيير هيئته وشكله ، حتى يعجز المقربون منه عن معرفته ، وقد صنع ذلك مرارًا . 

فقد خفي شخصه بعد القيامة على تلاميذه مرات عديدة ، فخفي على مريم 
المجدلية التي هي من أقرب الناس إليه ، وظنته البستاني ، ولم تعرفه إلا بعد برهة . ( انظر يوحنا 20: 14-15 ) .

وكذلك خفي شخصه على التلميذين المنطلقين لعمواس ، ولم يعرفاه إلا بعد أن بارك لهما طعامهما . ( انظر لوقا 24: 13-19 ) . 

وخفي أمره أيضًا على التلاميذ مجتمعين ، وهم يصيدون في بحيرة طبريا ، وكان أول من عرفه بعد وقت طويل يوحنا . ( انظر يوحنا 21: 1-7 ) . 

كما تقرر الأناجيل تغير شكله في أحداث قبل الصلب ، ومن ذلك : ما ذكره لوقا « وفيما هو يصلي صارت هيئة وجهه متغيرة ، ولباسه مبيضًا لامعًا ، وإذا رجلان يتكلمان معه ، وهما موسى وإيلياء » ( لوقا 9: 29 ) . 

ويذكر متى أنه أخذ بطرس ويعقوب ويوحنا « وصعد بهم إلى جبل عالٍ منفردين، وتغيرت هيئته قدامهم » ( متى 17: 1-2 ) . 

فلئن صح أن المسيح يقدر على تغيير شكله حتى يخفى أمره على الخُلَّص من تلاميذه ، فهو دليل على قدرته على الخلاص والنجاة من أيدي أعدائه ، وهذا لا ريب يلجأ إليه في الشدائد ، والمؤامرة الأخيرة عليه من أشدها . 

وقد رأينا مما سبق اتفاق القرآن مع النصوص التوراتية والإنجيلية ، التي تقول وتتنبأ بنجاة المسيح ، ورفعه إلى السماء ، ورأينا كيف أن هذا الأمر ممكن ، وليس غريبًا على قدرة الله العظيم .

 

بولس واختلاق قصة صلب المسيح
ويبقى السؤال موجهًا للمسلمين المنكرين لصلب المسيح : من أين وردت على النصارى مقالة صلب المسيح ؛ وهل خفي عليهم حقيقة المصلوب ؟ أم خفي عليهم ذلك وقت الصلب ، ثم كُشف لهم بعد ذلك لكنهم استمرؤوا الباطل ؟ 

وفي الإجابة عن هذا التساؤل نقول : إن الأناجيل الأربعة مخطوطات قديمة ، كتبها أشخاص في أوقات مختلفة ، حسب ما تناهى إلى مسامعهم من الروايات الشفهية المتناقلة ، وهم لم يدَّعوا لأنفسهم الإلهام ولا ادعوا لكتبهم العصمة والقدسية ، فكتب كلُُّ حسب ما سمع ، مناقضًا الآخرين ، أو موافقًا لهم . 

ونجاة المسيح ورفعه أمر خفِيَ على الكثيرين من معاصري المسيح ، فظنوا أن المصلوب هو المسيح ، إذ لم يشاهد معجزة رفع المسيح إلا يهوذا الخائن ، عندما أخذوه في لحظة التسليم ، وقد شبه عليهم ، وهم في شك منه كما تبين لنا قبلُ . 

ويرى البعض أن فكرة الفداء بصلب المسيح هي بعض مبتدعات بولس، الذي وجد في اختفاء المسيح وانتشار الأقاويل والإشاعات عن صلبه فرصة لصياغة عقيدة الفداء والخلاص، التي أضحت القلب النابض للمسيحية الجديدة التي أنشأها، والتي يؤكد عليها بولس في رسائله ، ومنها قوله : « لأني لم أعزم أن أعرف شيئًا بينكم إلا يسوع المسيح وإياه مصلوبًا » ( 1 كورنثوس 2: 2 ) .

وقد امتلأت رسائله بالتأكيد على صلب المسيح ، مما حدا بأرنست دي بونسن الألماني للقول في كتابه (islam or true christianity) : ( الإسلام : أي المسيحية الحقة): « إن جميع ما يختص بمسائل الصلب والفداء هو من مبتكرات ومخترعات بولس ومَن شابهه ، من الذين لم يروا المسيح ، وليست من أصول النصرانية الحقة »([81]).

وقد استغل بولس الاضطراب الذي حصل في حقيقة ما جرى للمسيح، بين قائل بأنه صلب، وقائل: إن المصلوب غيره ، أو سوى ذلك مما أشيع في تلك الأيام .. ووظفه، وجعله قاعدة لضلالته المسماة ( الفداء ) . 

ونعود لنتساءل عن موقف النصارى الأوائل من دعوى بولس بصلب المسيح ، والتي نسج الإنجيليون أحداثها بعد وفاته . 

ونحاول معرفة موقف تلاميذ المسيح والمسيحيون الأوائل بالتأمل في رسائل بولس التي أكدت صلب المسيح وأهمية هذا الحدث كمعتقد ، لكنها حملت في طياتها أيضًا موقف الحواريين والأتباع الأوائل الرافض لبدع بولس ومن ضمنها ولا ريب عقيدة الصلب .

ونرى هذا الموقف جليًا في قول بولس وشكواه في رسالته لتيموثاوس : « أنت تعلم هذا ، أن جميع الذين في آسيا ارتدوا عني » ( 2 تيموثاوس 1: 15 ) ، لقد هجره جميعهم وارتدوا عنه ، لماذا ؟ لا ريب أنهم كانوا يرفضون تبشيره .

وفي رسالته لأهل غلاطية يشكو من أولئك الذين كذبوه « إني أتعجب أنكم تنتقلون هكذا سريعًا عن الذي دعاكم بنعمة المسيح ، إلى إنجيل آخر ، ليس هو آخر ، غير أنه يوجد قوم يزعجونكم ، ويريدون أن يحولوا إنجيل المسيح ، ولكن إنْ بشَّرناكم نحن أو ملاك من السماء بغير ما بشّرناكم فليكن أناثيمًا [أي ملعونًا] » ( غلاطية 1: 6-8) ، إنه يعاني مشكلات في تبشيره الذي يزعم أنه الحق ، بينما هناك مزعجون يرفضون هذا التبشير . 

ويرى المحققون أن الحواريين ما كانوا يعرفون شيئًا عن صلب المسيح ، بدليل خلو رسائلهم الموجودة في العهد الجديد من الحديث عن المسيح المصلوب . 

ويذكر فوتيوس بطريرك القسطنطينية في النصف الثاني من القرن التاسع في كتابه " ببليوتيكا " تقريرًا عن 280 كتاباً مختلفاً قرأها ، ومن بينها كتاب «تجوال الرسل» (رحلة الرسل)، وحكم عليه بأنه «غاصٌّ بالحماقات والمتناقضات ، وتعليمه هرطوقي ، وبخاصة أنه يعلم بأن المسيح لم يصبح مطلقاً إنساناً حقيقياً ، وأن المسيح لم يصلب بل صلب إنسان آخـــر مكانه»([82]).

وتظهر المعارضة الصريحة لدعوى بولس صلب المسيح من الحواري « برنابا» في إنجيله الذي تتنكر له الكنيسة ، وقد ذكر في مقدمته سبب تأليفه لهذا الإنجيل فيقول: « الذين ضل في عدادهم أيضًا بولس ، الذي لا أتكلم عنه إلا مع الأسى ، وهو السبب الذي لأجله أسطر ذلك الحق ، الذي رأيتهُ وسمعتهُ أثناء معاشرتي ليسوع لكي تخلصوا ، ولا يضلكم الشيطان فتهلكوا في دينونة الله ، وعليه ، فاحذروا كل أحد يبشركم بتعليم جديد مضاد لما أكتبه ، لتخلُصوا خلاصًا أبديًا » ( برنابا مقدمة : 7-9). 

وكانت الفرق المسيحية المنكرة للصلب صدى لإنكار الحواريين على بولس كما قد سبق تفصيله .

كما تكشف لنا الكشوف الأثرية عن كتاب يقص رؤيا اكتُشف حديثًا في نجع حمادي منسوبًا للحواري المقرب بطرس ، ينكر فيه صلب المسيح ، ويقول برفعه قبل إجراء الصلب . 

ويعترف النصارى من مفسري الأناجيل بحدة الخلاف لبولس وتلاميذه ، في مسألة صلب المسيح ، وأن هذا الخلاف دعا الإنجيليين إلى التأكيد على أن المسيح قد صلب كما قال بولس الذي سبقت رسائله الأناجيل الأربعة في تاريخ كتابته .

فنقل أصحاب الأناجيل فيما بين سطور الأناجيل الإنكار على بولس وتكذيب صلب المسيح ، نقلوا ذلك حين كانوا يؤكدون على بعض التفصيلات والجزئيات التي قد يلج منها منكرو صلب المسيح ، يقول مرقس : « ثم خرجوا به ليصلبوه ، فسخروا رجلًا مجتازًا كان آتيًا من الحقل ، هو سمعان القيرواني أبو الكسندروس وروفس ليحمل صليبه » ( مرقس 15: 20-23 ) .

يقول المفسر دنيس نينهام في تفسيره لمرقس ( ص : 422 ) : « يبدو أن الغرض من هذه الفقرة هو ضمان صحة القصة ؛ التي تقول بأن سمعان قد حمل الصليب ، وما من شك في أن أحد الأسباب في الحفاظ على هذه التفاصيل الشخصية في الإنجيل ؛ كان الغرض منه تذكير القراء بأن لديهم مصدرًا للمعلومات عن الصلب ، جديرًا بالثقة .. ولعل السبب في حذف هذه الرواية والخاصة بحمل سمعان القيرواني للصليب من إنجيل يوحنا ، هو الادعاء : بأن سمعان قد حل محل يسوع ، وصُلب بدلًا منه ، ولا يزال ساريًا في الدوائر الغنوسطية ، التي كانت لها الشهرة فيما بعد » .

وهكذا نفهم سبب مخالفة يوحنا للأناجيل الثلاثة في مسألة ( من حمل الصليب) فيقرر أنه المسيح حمل صليبه بنفسه فيقول : « فأخذوا يسوع ، ومضوا به فخرج وهو حامل صليبه إلى الموضع الذي يقال له موضع الجمجمة .. حيث صلبوه» (يوحنا 19: 16-18 ) .

وينبه جون فنتون شارح إنجيل متى ( ص : 440 ) إلى وقوع مثل هذا الفعل من متى ، عندما عدَّل ألفاظ مرقس وهو ينقل عنه في أحداث اللحظة التي بعد اقتسام الثياب والاقتراع عليها ، حيث يقول مرقس : « وكانت الساعة الثالثة فصلبوه »( مرقس 15: 25 )، لكن متى يغير ، فيقول بعدها : « ثم جلسوا يحرسونه هناك » ( متى 27: 36 ) ، فتكلم متى عن حراسة يسوع أثناء الصلب وبعده .

 ويكمل فنتون بالقول أن ذلك « إنما يرجع إلى وجود أناس قالوا بأن يسوع قد أنزل من على الصليب ، قبل أن يموت . كذلك فإن إحدى الطوائف الغنوسطية التي عاشت في القرن الثاني قالت بأن سمعان القيرواني قد صُلب بدلًا من يسوع . فلعل متّى كان يرد على هذه الأقوال » ([83]) .

 

 

قصة الصلب عند الأمم الوثنية
وبولس عندما ادعى صلب المسيح فداء للخطيئة لم يكن يتحدث من تأليفه وإبداعه ، فإنه إنما يستنسخ عقيدة قديمة ، تناقلتها الوثنيات قبل المسيح بزمن طويل .

وقد نسج الإنجيليون أحداث صلب المسيح ، على نحو ما قرره بولس ، وعلى صورة ما ورد عن الأمم الوثنية ، حتى أضحت قصتهم للصلب قصة منحولة من قصص وأساطير الأمم الوثنية .

ولعل أوضحها شبهًا بقصة المسيح أسطورة إله بابل ( بعل ) فقد اكتشف مؤخرًا لوحتان أثريتان تعودان للقرن التاسع قبل الميلاد ، وفيهما قصة تشابه تمامًا ما قاله النصارى في صلب المسيح ومحاكمته ، وعقد ( آرثر فندلاي ) في كتابه ( الكون المنشور) ([84]) ، المقارنة بين ما قيل عن بعل قبل المسيحية وما قيل عن المسيح في المسيحية . ويوضح ذلك الجدول التالي : 

محاكمة بعل
محاكمة عيسى ÷
1- أخذ بعل أسيرًا .
1- أخذ عيسى أسيرًا .
2- حوكم بعل علنًا .
2- وكذلك حوكم عيسى .
3- جرح بعل بعد المحاكمة .
3- اعتُدي على عيسى بعد المحاكمة .
4- اقتيد بعل لتنفيذ الحكم على الجبل .
4- اقتيد عيسى لصلبه على الجبل .
5- كان مع بعل مذنب حكم عليه بالإعدام وجرت العادة أن يعفى كل عام عن شخص حكم عليه بالموت . وقد طلب الشعب إعدام بعل ، والعفو عن المذنب الآخر .
5- وكان مع عيسى ÷ قاتل اسمه : ( باراباس ) محكوم عليه بالإعدام ، ورَشح بيلاطس عيسى ليعفو عنه كالعادة كل عام . ولكن اليهود طلبوا العفو عن ( باراباس ) وإعدام عيسى .
6- بعد تنفيذ الحكم على بعل عم الظلام وانطلق الرعد ، واضطرب الناس .
6- عقب تنفيذ الحكم على عيسى زلزلت الأرض وغامت السماء .
7- حُرس بعل في قبره حتى لا يسرق أتباعه جثمانه
7- وحرس الجنود مقبرة عيسى حتى لا يسرق حواريوه جثمانه .
8- الأمهات جلست حول مقبرة بعل يبكينه .
8- مريم المجدلية ، ومريم أخرى جلستا عند مقبرة عيسى تنتحبان عليه .
9- قام بعل من الموت وعاد للحياة مع مطلع الربيع وصعد إلى السماء .
9- قام عيسى من مقبرته في يوم أحد ، وفي مطلع الربيع أيضًا ، وصعد إلى السماء .
ويبدو أن هذه الأسطورة البابلية قد انتقلت عن طريق الأسرى اليهود الذين عادوا من بابل . 

وتتشابه كثير من تفاصيل قصة الصلب مع تفاصيل واردة في قصص وثنية مشابهة ، فقد ذكر متى أحداثًا غريبة عدة ، صاحبت موت المسيح حيث يقول : « وفي الساعة السادسة كانت ظلمة على كل الأرض ، إلى الساعة التاسعة .. وإذا حجاب الهيكل قد انشق إلى اثنين من فوق إلى أسفل ، والأرض تزلزلت ، والصخور تشققت، والقبور تفتحت .. » ( متى 27: 45-53 ) . 

وهذا نقله النصارى من الوثنيات القديمة ، فقد نقل العلامة التنير عن عدد من المؤرخين إجماعهم على انتشار هذه الغرائب حال موت المخلصين لهذه الأمم . 

من ذلك : أن الهنود يقولون : « لما مات ( كرشنا ) مخلصهم على الصليب ، حدثت في الكون مصائب جمّة ، وعلامات متنوعة ، وأحاطت بالقمر دائرة سوداء ، وأظلمت الشمس عند منتصف النهار ، وأمطرت السماء نارًا ورمادًا ... . » . 

ويقول عباد بروسيوس « إنه لما صلب على جبل قوقاس ، اهتزت الكائنات ، وزلزلت الأرض » . والاعتقاد بحدوث أحداث سماوية عظيمة عند موت أحد العظماء أو ولادته ، معروف عند الرومان واليونان .

كما ينقل المؤرخ ( فرار ) في كتابه  ( حياة المسيح ) ، وينقل جيبون في تاريخه أن عددًا من الشعراء والمؤرخين الوثنيين كان يقول  : « لما قتل المخلص اسكولا بيوس، أظلمت الشمس ، واختبأت الطيور في أوكارها .. لأن شافي أمراضهم وأوجاعهم فارق هذه الدنيا » .

والقول بظلمة الشمس عند موت أحد المخلصين قيل أيضًا عند مقتل هيركلوس وبيوس وكوتز لكوتل وكيبير ينوس إله الرومان ، وعليه فحصول الغرائب والعجائب عند موت العظماء أسطورة قديمة تداولتها الأمم ، ونقلها أصحاب الأناجيل من تلك الوثنيات ([85]) .

وقد كان عباد الشمس يقدمون الضحايا لها ، خاصة عند حلول الكسوف ، فإذا زال الكسوف اعتقدوا أنه بسبب فداء أحد زعمائهم ، حيث خلصهم وحمل عنهم العذاب ، لذا حرص متى على القول : « ومن الساعة السادسة ، كانت ظلمة على الأرض إلى الساعة التاسعة » ( متى 27: 45 ) ([86])  .

ومن أوجه الشبه بين الوثنيات القديمة والنصرانية القول بقيامة الآلهة من الأموات، فقد أجمعت الأناجيل على قيامة عيسى من الموت ، ولكن هذا قد سبقهم إليه الهنود، حيث قالوا في كرشنا : « هوذا كرشنا صاعد إلى وطنه في السماوات » .

وكذا يقول عُبّاد بوذا بأنه حزن عليه بعد موته أهل السماوات والأرض « حتى إن مهاويو ( الإله العظيم ) حزن ونادى : قم أيها المحب المقدس ، فقام كام ( أي بوذا ) حيًا ، وبُدِّلت الأحزان والأتراح بالأفراح ، وهاجت السماء ، ونادت فرِحة : عاد الإله الذي ظُن أنه مات وفُقد .. » ، ومثله يعتقده الصينيون في إلههم ( لأوكيون ) ، والمجوس في ( زرادشت) . 

ويقول عابدو ( سكولا بيوس ) في القصيدة التي حكت عن حياته : « أيها الطفل القادر على شفاء الأمم في السنين القادمة حينما يهب مَن في القبور ... وأنت من المسكن المظلم ستقوم ظافرًا وتصير إلهًا » .

 وعن تموز يقول البابليون : « ثقوا أيها القديسون برجوع إلهكم ، واتكلوا على ربكم الذي قام من الأموات » . 

ومثل هذا الاعتقاد ، سرى في كثير من الوثنيات قبل المسيحية ، فقد قيل بقيام أوزوريس ، وحورس ،  وباخوس ، وهرقل ، وكوتز لكوتل ، ويلدور ، وغيرهم ، فكل هؤلاء قال عُبّادهم بقيامتهم من الموت . 

ولعل أهم هؤلاء أوزوريس معبود المصريين القريب من مهد المسيحية ، وقد انتشرت أسطورته في القرن الثالث قبل الميلاد . يقول المؤرخ مهامي : « إن محور التعليم الديني عند الوثنيين في مصر في القرون الخالية هو الإيمان بقيام الإله  » ([87])  .

لقد وقع النصارى فيما حذرهم الله منه ﴿ وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَاء قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيراً وَضَلُّواْ عَن سَوَاء السَّبِيلِ ﴾  [ المائدة : 77 ] ، لكنهم أعرضوا واتبعوا أهواء الأمم الكافرة وضلالاتها ، فكان معتقدهم في المسيح مشابهًا لمعتقدات الوثنيين في آلهتهم المزعومة ، كما قال الله ﻷ : ﴿ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ﴾ [ التوبة : 30 ] .

 

 

وثيقة تبرئة اليهود من دم المسيح
انعقد مجمع الفاتيكان عام 1963م لبحث موضوعات عديدة ، تدور حول تقوية الوحدة المسيحية .

وفي الدورة الثانية منه وبناء على طلب البابا قدّم الألماني الكاردينال بيّا وثيقة تعتبر الصورة التمهيدية للوثيقة التي صدرت فيما بعد ، وتبرئ اليهود من دم المسيح . 

وتنادي الوثيقة التمهيدية باعتبار الشعب اليهودي جزءًا من الأمل المسيحي ، وأنه لا يجوز أن ننسب إلى يهودِ عصرِنا ما ارتُكب من أعمال أيام المسيح ، واحتج الكاردينال لكلامه بأن كثيرين من الشعب لم يكونوا يعرفون شيئًا عما حدث ، ولم يوافق بعض قادة الشعب على فعل سائر الكهنة . 

وقد عورضت الوثيقة داخل المجمع ، لما فيها من اعتبارات سياسية ، وطلب المطران الهندي ( كوتنهو ) حذفَها ، وإضافة فصول عن الديانة الهندية والإسلامية ، وكذلك عارض الوثيقةَ بعضُ كرادلة الشرق ، كما عارضها الشبابُ الكاثوليك بالقدس، وأوضحوا أن ذلك ليس حقًا للمجمع ولا غيره ، وطالبوا بتطبيق ما جاء في سِفر الخروج : « أنا الرب إلهك ، إله غيور ، أفتقد ذنوب الآباء في الأبناء » ( الخروج 20: 15 ) .

واستشهد القس إبراهيم سعيد ـ رئيس طائفة الأقباط الإنجيليين ـ بنصوص الإنجيل ، التي تقرر أن اليهود طلبوا صلبه ، ورفضوا إطلاق المسيح ، وطلبوا إطلاق باراباس ، وتولى رئيس الكهنة قيافا بعض الوِزر في ذلك . ثم إنهم قالوا : « دمه علينا وعلى أولادنا » ( متى 27: 25 ) .

وقد قال بطرس لثلاثة آلاف من اليهود : « يسوع هذا الذي صلبتموه أنتم » ( أعمال 2: 36 ) . 

وتم تشكيل لجنة لتعديل الوثيقة ، وعدّلت ، وفي أكتوبر 1965م صدرت وثيقة تبرئة اليهود . 

ويقول الكاردينال بيّا عن هذه الوثيقة : « ليست هذه الوثيقة ثمرة يوم أو ليلة ، إنها خلاصة دراسة » ، وقد وقع البابا يوحنا الثالث والعشرون عليها قبل وفاته بخمسة أشهر ، لتصبح وثيقة دينية معتبرة ، ومعتمدة من أهم المراجع النصرانية ([88]) .

وقد أراد بيا من وثيقته التمهيدية تبرئة العنصر اليهودي من صلب المسيح .

ولكن الوثيقة النهائية الرسمية أقرت بدور اليهود وبراءة الرومان ، وبرأت الأجيال اليهودية اللاحقة من تولي وزر هذه الجريمة ، كما أنها حاولت حصر الجريمة في أقل عدد ممكن من الكهنة ورؤساء الشعب اليهودي ، « فإن ما ارتكب أثناء آلامه ، لا يمكن أن يعزى إلى جميع اليهود الذين كانوا عائشين إذ ذاك ، ولا إلى يهود أيامنا » .

وتعود الوثيقة للحديث عن آلام المسيح المصلوب ، فتقول : « ما حصل للمسيح من عذابه لا يمكن أن يعزى لجميع الشعب اليهودي .. فإن الكنيسة كانت ولا تزال تعتقد بأن المسيح قد مر بعذابه وقتله بحربة بسبب ذنوب جميع البشر ، ونتيجة حُبٍ لا حدَّ له » .

ونلحظ في هذه الوثيقة تعارضًا صريحًا مع النصوص الإنجيلية ، المصرحة بدور اليهود بقتل المسيح على الصليب ، ومنها قول بولس : « اليهود الذين قتلوا الرب يسوع ، وأنبياءهم ، واضطهدونا نحن » ( 1 تسالونيكي 2: 15 ) .

 وقد ذكرت الأناجيل دورهم الخسيس في هذه الجريمة ، فهم الذين تآمر رؤساء كهنتهم ، وهم الذين قدموا الرشوة ليهوذا ، وأصروا وأصرت جموعهم على صلب المسيح رغم براءته التي ظهرت لبيلاطس ؛ الذي قبل نصيحة زوجته ، فتبرأ من دم هذا البار .

 كيف يبرأ اليهود من دمه ؛ ويوحنا يقول على لسان قيافا رئيس الكهنة : « أنتم لستم تعرفون شيئًا ، ولا تنكرون أنه خير لنا أن يموت إنسان واحد عن الشعب ، ولا تهلك الأمة كلها .. فمن ذلك اليوم تشاوروا ليقتلوه » ( يوحنا 11: 47-53 ) .

واليهود هم الذين أتوا بشهود الزور . ولما وجد بيلاطس أن لا جرم عليه ، قال: « إني بريء من دم هذا البار . أبصروا أنتم ، فأجاب جميع الشعب وقالوا : دمه علينا وعلى أولادنا » ( متى 27: 24-25 ) . 

ثم كيف للكنيسة أن تبرئ اليهود وذراريهم من دم المسيح ، وهم قد قالوا لبيلاطس : « دمه علينا وعلى أولادنا » ( متى 27: 25 ) ، والمفروض أن النصارى يؤمنون بوراثة الذنب ولو تبرأ منه الورثة ، فما بالنا بالذنب الذي أعلن أصحابه مسئوليتهم وأبناءهم عنه ، ومن الممكن تصور وراثة ذنب اليهود دون ذنب آدم ، أما العكس فلا ، وألف لا . 

وعندما نسجل هذا الاعتراض على النصرانية ، فإنا نعلم براءة يهود زماننا من جرائم أسلافهم ، بل وبراءة يهود القرن الأول من دم المسيح ، فقد أنجاه الله منهم ، ولكن ذلك لا يبرئهم من أصل الجريمة ، ألا وهي سعيهم لقتل المسيح ، فقد خططوا لصلبه ، وتآمروا عليه ، ومضوا في التنفيذ ، فأخذوا مَن ظنوه المسيح ، وصلبوه ، وقتلوه، وهي في كل القوانين جريمة ، والخطأ في شخص المجني عليه لا يغير من بشاعة جريمتهم كثيرًا ، من حيث نيتهم وما أرادوا فعله .


 

عقيدة المسلمين في الخطيئة والخلاص
أثبتنا فيما سبق نجاة المسيح من الصلب ، وهو أمر مبطل لكل ما يقوله النصارى عن عقيدة الفداء والخلاص .

والحديث النصراني عن المسيح المصلوب لا يلزم منه أن صلبه كان فداء للخطيئة ، لكن نجاة المسيح بلا شك هدم لأساس هذا المعتقد .

وما انتهينا إليه قبلُ لن يمنعنا من الاسترسال في نقد عقائد النصرانية الملحقة والمبنية على هذا الباطل ، وأهمها الفداء ووراثة الذنب الأول . 

وقبل أن نشرع في بيان بطلان عقيدة الفداء والخلاص نتوقف لتبيان معتقد المسلمين بشأن ذنب آدم وذنوب سائر البشر .

تحدثت النصوص القرآنية عن آدم وتكريم الله له ، فهو خليفة عن الله في أرضه ﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً ﴾ [ البقرة : 30 ] .

وذكرت الآيات تكريم الله له ولذريته من بعده ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ﴾ [الإسراء : 70 ] .

ولعل أبرز مظاهر تكريم لآدم أن الله أسجد له ملائكته الكرام ﴿ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ ﴾ [ الأعراف : 11 ] .

لكن هذا التكريم والاصطفاء لا يعني خروج آدم عن طبيعته البشرية إلى حالة ملائكية ، فقد أخطأ ÷ ، ووقع في إغواء الشيطان له ، لكنه سرعان ما تخلص من ذنبه بتوبته التي قبلها الله غافر الذنب وقابل التوب ﴿ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى ﴾  [ طه : 121-122 ] .

وتوبة آدم قبلها الله كما يقبل توبة سائر من عصاه ، ولو عظم ذنبه ، فعفو الله أعظم من آثامنا وذنوبنا ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ [ الزمر : 53 ] .

إن ذنبًا واحدًا لا يغفره الله ، ما لم يتب منه العبد ، وهو الشرك بالله الواحد الأحد ﴿ إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً ﴾ [ النساء : 116 ] .

وأنزل الله آدم من جنته ، وجعله في الأرض التي خلقه منها ولها ، وطلب منه وذريته عمارتها ، وأعطاهم قدرة تامة وإرادة كاملة على فعل الخير والشر طالما امتدت به الحياة ، ثم يرد كل واحد منا إلى ربه فيجازى عما قدم وأسلف ﴿ قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ  وَالَّذِينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُولَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾  [ البقرة : 38-39 ] .

وأكدت النصوص القرآنية مسئولية الإنسان عن عمله وكسبه ﴿ فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي إِنَّ السَّاعَةَ ءاَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى ﴾  [ طه : 14-15 ]  ، وقال : ﴿ وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنشُوراً  اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً ﴾ [ الإسراء : 13-14 ] .

وهكذا فإن كل ما يصنعه الإنسان في حياته الدنيا مسجل محفوظ ، ولسوف يراه المرء في يوم لا تخفى على الله منه خافية ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ  وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ﴾  [ الزلزلة : 7-8 ] .

وهذه المسئولية للإنسان عن عمله لا تمنع رحمة الله ﴿ إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا ﴾  [ طه : 73 ] .

وأما مسألة وراثة الذنب فهي مرفوضة عند المسلمين نقلًا وعقلًا ، والقرآن بصراحة ووضوح يبين بطلان هذا المبدأ الظالم الذي تتابعت الرسالات السابقة على إنكاره والتأكيد على ضده ﴿ أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى  وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى  أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى  وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى  وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاء الْأَوْفَى ﴾  [ النجم : 36-41 ] .

وقد أعلم الله موسى ÷ في توراته التي أنزلها عليه بهذا المبدأ العادل ، فقال : ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى ﴾  [ الأعلى : 16-19] .

وأخيرًا : ﴿ لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً ﴾   [ النساء : 123] .

وهذه النصوص القرآنية قبس من آيات عظيمة في كتاب الله تكاثرت على ذكر هذه المعاني بجلاء ووضوح ، ذكرناها كمدخل لنقض عقيدة الفداء ، والتي لن نحتج في إبطالها بهذه النصوص الكريمة من كلام الله ، وذلك مضيًا على النهج الذي انتهجناه في هذه السلسلة ، وهو نقض مسائل النصرانية من خلال العقل والنظر الصحيح إضافة إلى النصوص المقدسة عند النصارى .

 

 

عقيدة الخلاص عند الفرق النصرانية
تعتبر عقيدة الفداء والخلاص مفتاح جميع العقائد النصرانية ، فهي أهم ما يبشر به النصارى ، ولتحقيقها وضع النصارى المسيح ـ الذي أنجاه الله ـ على الصليب .

وليتحقق الفداء على صورة ترضي الإله العظيم جعلوا المصلوب إلهًا ، حتى يساوي الفادي المثمن العظيم ، وهو نجاة البشرية وخلاصها من الخطيئة والدينونة ، وهو ما عبر عنه العهد الجديد على لسان بطرس بقوله : « عالمين أنكم افتديتم لا بأشياء تفنى : بفضة أو ذهب ، من سيرتكم الباطلة التي تقلدتموها من الآباء ، بل بدم كريم كما من حَمَلٍ بِلاَ عيْب ، ولا دنس ، دم المسيح » ( 1 بطرس 1: 18-19) ، يقول البابا شنودة: «الفداء يتطلب كفارة غير محدودة تكفي لمغفرة خطايا غير محدودة ، لجميع الناس في جميع العصور، ولم يكن هناك حل سوى تجسد الله الكلمة، ليجعل بلاهوته الكفارة غير محدودة» ([89]).

وقبل أن نلج لنقض هذا المعتقد نتعرف على النصوص المقدسة عند النصارى التي قررت معتقدات الفرق النصرانية المختلفة في هذه القضية الهامة ، لنعرف مقصدهم في الخلاص ، ولمن يبذلونه ، وعمن يمنعونه ، إلى غير ذلك من المسائل المتعلقة بهذه القضية ، والتي يتوقف على إثباتها مصير آلاف الملايين من البشر في عصرنا وسائر العصور .

وأول ما نلحظه اختلاف النصوص الكتابية في تحديد ما يُغفر بدم المسيح ، فبعضها يتحدث عن ذنب آدم فقط ، وبعضها يشمل جميع الذنوب التي سبقت صلب المسيح؟ بل يمتد بعضها ليعمم الخلاص على جميع الذنوب التي يرتكبها العبد حاضرًا ومستقبلًا .

 لتوضيح هذا التخبط نعرض نماذج لهذه النصوص ، يقول الكاتب المجهول لرسالة العبرانيين عن المسيح : « هو وسيط عهد جديد لكي يكون المدعوون ـ إذ صار موت لفداء التعديات التي في العهد الأول ـ ينالون وعد الميراث الأبدي » ( عبرانيين 9: 15 ) ، فجعل الكاتب الخلاص بالمسيح متعلقًا بذنب آدم فقط .

ولكن بولس يجعل الخلاص أوسع من ذلك ، فيقول : « المسيح الذي قدمه الله كفارة بالإيمان بدمه ، لإظهار بره من أجل الصفح عن الخطايا السالفة بإمهال الله ، لإظهار بره في الزمن الحاضر ليكون بارًا ، ويبرر من هو من الإيمان بيسوع »  رومية 3: 24-25 ) ، فقد جعل الخلاص خاصًا بالخطايا التي سبقت المسيح ، وشرطه بالإيمان بالمسيح .

 ومثله ما جاء في مرقس : « من آمن واعتمد خلص ، ومن لم يؤمن يدن » ( مرقس 16: 16 ).

لكن النصوص ـ وفي مواضع أخرى ـ تخبر بهلاك بعض النصارى الذين تمكنوا من صنع المعجزات باسم المسيح ، الذي يتبرأ منهم ويقول : « ليس كل من يقول لي: يا رب يا رب ، يدخل ملكوت السموات . بل الذي يفعل إرادة أبي الذي في السموات ، كثيرون سيقولون لي في ذلك اليوم : يا رب يا رب ، أليس باسمك تنبأنا ، وباسمك أخرجنا شياطين ، وباسمك صنعنا قوات كثيرة ، فحينئذ أصرّح لهم : إني لم أعرفكم قط . اذهبوا عني يا فاعلي الإثم » ( متى 7: 20-21 ) .

وفي موضع آخر يجعل بولس الخلاص للجميع ، لجميع البشر ، فيقول عن المسيح : « بذله لأجلنا أجمعين » ( رومية 8: 32 ) ، ويوضحه قول يوحنا : « يسوع المسيح البار ، وهو كفارة لخطايانا ، ليس لخطايانا فقط ، بل لخطايا كل العالم أيضًا » (1 يوحنا 2: 2 ) ، ويؤكده قوله : « نشهد أن الآب قد أرسل الابن مخلصًا للعالم » ( يوحنا 4: 14 ) ، فجعل الخلاص عامًا لكل الخطايا ، ولكل البشر ، مخالفًا قول بطرس : «كل من يؤمن به ينال باسمه غفران الخطايا» ( أعمال 10: 43 ) ، إذ بطرس قيد الخلاص بالمؤمنين بالمسيح .

وفي موضع آخر جعل بولس الخلاص على درجات يتفاوت فيها حتى المؤمنون به، يقول : « قوة الله للخلاص لكل من يؤمن ، لليهودي أولًا ، ثم لليوناني » ( رومية 1: 16).

ويشترط بولس للخلاص الإيمان بأبوة الله للمسيح ، ويضيف شرطًا آخر هو الاعتراف القلبي بقيامة المسيح من الأموات فيقول : « إن اعترفت بفمك بالرب يسوع، وآمنت بقلبك أن الله أقامه من الأموات خلصت » ( رومية 10: 9 ) .

وهذا الاختلاف الذي رأيناه في النصوص الكتابية انعكس على الفرق النصرانية، فاختلفت في حدود الخلاص الذي حصل بدم المسيح ، فمنهم من جعله عامًا لكل البشر ، ومنهم من خصه بالمؤمنين بقيامة المسيح ، أو بالمؤمنين بأن المسيح ابن الله ؟ 


الخلاص عند الكاثوليك والأرثوذكس :

يعتقد الكاثوليك([90]) والأرثوذكس أن الخلاص خاص بالمؤمنين المتعمدين فحسب، فقد كان الآباء (أغناطيوس، إيريناوس، أكليمندس السكندري، أغسطين) يصرخون: (لا خلاص خارج الكنيسة)، ولا يشمل الخلاص بالمسيح جميع الذنوب ، إنما يخص الخطيئة الأصلية وكذلك خطايا ما قبل التعميد ، وكما يقول القديس أوغسطينوس في كتابه ( The Enchiridion ) : بعد الفداء عادت للبشرية حريتها وإرادتها التي سلبتها بذنب آدم ، فإذا ما أتى المتعمِّد ذنبًا بعد معموديته ، فسيعود مستحقًا للعذاب الدائم إن كان الذنب كبيرًا، ويُحله منها التوبة والاعتراف الكنسي . 

أما إن كان الذنب صغيرًا فإن الكاثوليك يحكمون بعذاب صاحبه في ( المطْهَر ) الذي يعذب به المؤمنون ردحًا من الزمن حتى يخلصوا من القصاصات التي عليهم([91]).

يشرح كتاب التعليم المسيحي لطلبة المدارس الصادر عن المرسلين اليسوعيين عذاب المطهر ، فيقول : « المطهر هو محلُّ عذاب تتمم فيه نفوس الأبرار فرض الإيفاء عن خطاياها قبل الدخول إلى السماء .. الذين يذهبون إلى المطهر هم الذين يموتون بحال النعمة ، إلا أنهم لا يخلون من الخطيئة العرضية ، أو هم الذين لم يوفوا بالتمام للعدل الإلهي .. إن عذاب المطهر لأشد من كل عذاب في هذه الدنيا .. إن النفوس تبقى في المطهر إلى أن تُوفي بالتمام للعدل الإلهي » ([92]) .

ودليل الكاثوليك في تقرير هذه العقيدة ما جاء في مرقس : « كل واحد يملح بالنار ، وكل ذبيحة تملح بالملح » ( مرقس 9: 49 ) فهو عذاب يشمل كل مؤمن عليه قصاصات .

وأيضًا استدلوا بقول بولس : « فعمل كل واحد سيصير ظاهرًا ، لأن اليوم سيبيّنه ، لأنه بنار يستعلن ، وستمتحن النار عمل كل واحد ما هو ، إن بقي عمل أحد قد بناه عليه فسيأخذ أجرة ، إن احترق عمل أحد فسيخسر ، وأما هو فسيخلص ، ولكن كما بنار » (1 كورنثوس 3: 13-15) . 

إذًا فالفداء عند الكاثوليك والأرثوذكس يتلخص بقول هنري أبو خاطر : « هو تجسد الإله لتخليص البشرية من شوائب الخطيئة الأولى » .

ولولا فداء المسيح للجنس الإنساني لهلك الجميع كما هلك السابقون للمسيح الذين سبقوا مجيء الفادي ، وفي مقدمة الهالكين ـ وفق الفكر النصراني ـ الأنبياء ، الذين يقول عنهم بولس سلامة في كتابه ( مع المسيح ) : « كانوا في أليمبس ـ أي جهنم ـ مقر لأرواح الصالحين الأبرار الذين أوصدت في وجههم أبواب السماء ، بسبب خطيئة آدم الأولى ، فلبثوا حتى مجيء آدم الثاني ، أي : المسيح » .

ويقول عوض سمعان عن موسى ÷ : « ومهما كانت عظمة موسى ، فإنه لولا نعمة المسيح له ، لكان قد هلك واستحق عقابًا أبديًا على خطيئته  » ([93]) .

فهؤلاء الأنبياء الأطهار ـ بحسب معتقد القديس بولس ـ مستحقون للعذاب ، لا بسبب تعديات شخصية لهم ، بل بسبب وراثتهم لذنب أبيهم آدم « قد ملك الموت من آدم إلى موسى ، وذلك على الذين لم يخطئوا على شبه تعدي آدم .. كما بخطية واحدة صار الحكم إلى جميع الناس للدينونة .. بمعصية الإنسان الواحد جعل الكثيرون خطاة » ( رومية 5: 14-18 ) .

صكوك الغفران للخلاص من القصاصات :

وكوسيلة للخلاص من عذاب المطهر ظهر عند الكاثوليك مبدأ الاعتراف الكنسي بين يدي الكاهن والتبرير بصكوك الغفران التي أقرت في المجمع الثاني عشر المنعقد في روما سنة 1215م ، وقرر فيه المجتمعون أن « الكنيسة البابوية تملك الغفران وتمنحه لمن تشاء » . 

وقد استندت الكنيسة في هذا المعتقد إلى عدد من النصوص التي رأوها تمنحهم هذا السلطان ، منها أن المسيح خاطب بطرس قائلًا : « أنت بطرس ، وعلى هذه الصخرة ابني كنيستي ، وأبواب الجحيم لن تقوى عليها ، وأعطيك مفاتيح ملكوت السماوات ، فكل ما تربطه على الأرض يكون مربوطًا في السماوات ، وكل ما تحله على الأرض يكون محلولًا في السماوات » ( متى 16: 18-19) ، ولما كانت الكنيسة تعتبر نفسها وارثة لبطرس ورثت أيضًا هذا السلطان عنه . 

وأيضًا يقول يوحنا بأن المسيح قال لتلاميذه : « من غفرتم للناس خطاياه تغفر له، ومن أمسكتم خطاياه أمسكت » ( يوحنا 20: 23 ) . 

فقد ورثت الكنيسة ورجالها دور المسيح الوسيط الذي وصفه بولس : « يوجد إله واحد ، ووسيط واحد بين الله والناس : الإنسان يسوع المسيح » ( 1 تيموثاوس 2: 5 ).

وقد ووجه قرار المجمع باحتجاجات طويلة من الذين رفضوا أن يكون قرار الغفران بيد رجال الكهنة الخاطئين . كيف لهؤلاء أن يمنحوا الخلاص والغفران ؟ 

وفي عام 1869م صدر قرار يفيد عصمة البابا خروجًا من هذه الاحتجاجات وغيرها ، وقد ظهر بعد انتشار صكوك الغفران ما أسمته الكنيسة بالتعويض السري ، ويشرحه ( معجم اللاهوت الكاثوليكي ) فيقول : « الإنسان يخضع لهذه المراحل التطهيرية، إذ يموت مبررًا بالنعمة ، بمقدار ما تكون حالة العقاب ( المستحق ) لا تزال موجودة فيه ، ولم تزل بزوال الخطايا بالغفران يوم التبرير ، وبمقدار ما بالإمكان أن تزيل هذه الحالة عقوبات تعويضية .. فإذا لم نتم التعويض السري بعد أن نكون قد أكدنا إرادتنا كليًا للتعويض يظل السر صحيحًا ، إنما يجب أن نقوم بذلك التعويض محتملين نتائج الحقيقة الأليمة » .

ويجدر أن ننبه إلى أن بدعة الاعتراف الكنسي ومهزلة صكوك الغفران التي بقيت الكنائس تصدرها ردحًا طويلًا من الزمن كوسيلة لتحصيل الخلاص كانتا أهم أسباب وجود فرقة البروتستانت وانشقاقهم عن الكنيسة الكاثوليكية .

وهما في الحقيقة نوع وصورة من صور وثنية النصارى ، فالغفران الذي يمنحه القسيس للمعترف أو لدافع رسوم صكوك الغفران فتح لأبواب الجنة وتحديد لمصير البشر ، وعليه فإن هؤلاء الذين يملكونها غدوا في الحقيقة آلهة أخرى تضاف إلى التثليث الذي يقولون به . 

وحين يتأمل العقل المجرد في صورتي الحصول على الغفران التي اعتمدتها الكنيسة فإنه يستقبحها ويمجها ، حيث يجلس التائب أو التائبة في خلوة بين يدي رجال الكهنوت المتبتلين والممنوعين من الزواج ، فتقص الفاجرة قصة فجورها بين يديه ، طالبة منه الغفران والصفح ، ولا يخفى ما يسببه هذا الاعتراف من الفتنة والفساد والبغاء .

وأما الصيغة الأخرى للحصول على الغفران والمتمثلة بدفع المال لرجال الكهنوت فهي نوع من الامبريالية في الدين ، إذ الذي لا يجد من المال ما يشتري به صك غفران ، فليس عليه إلا أن يهيئ نفسه لدخول النار ، وبئس القرار ، لأن الجنة ـ بمقتضى هذا المنطق المعكوس ، والفهم المنكوس ـ ستكون مخصصة للأغنياء فقط.

وقد كان لهذه الصكوك أثر سلبي في نشر الرذيلة، فقد كان المذنبون يجأرون بالقول: «لست أبالي كم أرتكب من الذنوب أمام الله، لأن من السهل علي أن أتخلص من كل ذنوبي ومما يترتب عليها من العقاب، بالمغفرة، وصكوك الغفران التي يمنحنى إياها البابا .. نظير أربعة بنسات أو ست ، كأني أكسبها في لعبة تنس مع من يمنحنى الغفران»، ويمضي ولديورانت ليصف بعض فصول هذه المأساة، حيث إن بائعي الصكوك كانوا يبيعون المغفرة « نظير بنسين تارة، وجرعة من الخمر تارة .. بل إنهم يعطونها نظير استئجار عاهر، أو نظير الحب الدنس»([94]).


الخلاص عند البروتستانت :

أما البروتستانت فإنهم يترددون بين شرط الإيمان للخلاص، وبين إسقاط هذا الشرط، ففي حين حين يشترطه المحافظون منهم ؛ فإن الليبراليين منهم يشملون بالخلاص بدم المسيح كل الخطايا ، وكل الناس ، مؤمنهم وكافرهم، ويستدلون بقول بطرس: « بل في كل أمة الذي يتقيه ويصنع البر مقبول عنده » (أعمال 10: 35) .  

يقول الدكتور جورج فورد في كتابه ( نور العالم ) : « هو صادق بقوله: «أنا هو نور العالم».. يتحتم أن يكون نور المسلمين أيضاً. وهذا القول حيوي لعلاقته بخلاصهم الأبدي، لأن العاقل يعلم أن شروط الخلاص والهلاك أجلُّ وأعدل من أن تكون مذهبية ، أو تتنوع باختلاف الشعوب والنحل»([95]).

ويقول أنيس شروش في مناظرته لديدات : « يسوع الناصري ، هو الذي حقق هذه النبوءة ، وذلك بالموت نيابة عن الخطاة ، كل الخطاة ، وليس فقط آدم وحواء »، ويقول أيضًا : « الخلاص ليس للمسلمين ، ولا لليهود ، ولا للآخرين ، إنه لنا جميعًا ، إن الله يحبنا، لقد أصبح الله ابنًا ، وأصبح الابن إنسانًا ، وهكذا أصبحنا نحن كبشر أبناء الله » .

ويقول العالم البروتستانتي ترثون : نحن نجتاز نحو مبدأ الكفارة ، تلك هي أن المسيح قد أصبح إلى حد ما بمعنى الفداء عن الخطيئة ، ومن ثم فقد صالح الله الأب الإنسان الخاطئ ، « لأنه إن كنا ونحن أعداء ، فقد صولحنا مع الله بموت ابنه » ( رومية 5: 10 ) ([96]) .


خطيئة آدم والذنب الموروث 

تبدأ قصة الخطيئة ثم الخلاص والفداء عندما خلق الله آدم في جنته ، ونهاه عن الأكل من أحد أشجارها ، فأغواه إبليس ، فوقع الأبوان في شراك كيده ، وأكلا من الشجرة المحرمة ، فعاقبهما الله بما يستحقا ، وأنزلهما إلى الأرض .

فمدخل عقيدة الخلاص والفداء هي تلكم القصة التي حصلت في فجر البشرية، فلنرَ ماذا يقول الكتاب المقدس عن تلك القصة ، ولنبدأ باستعراض قصة ذنب آدم كما جاءت في سفر التكوين .

قصة خطيئة آدم في سفر التكوين :

يقول سفر التكوين : « وأخذ الرب الإله آدم ، ووضعه في جنة عدن ليعملها ويحفظها ، وأوصى الرب الإله آدم قائلًا : من جميع شجر الجنة تأكل أكلًا . وأما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل أكلًا . وأما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها ، لأنك يوم تأكل منها موتًا تموت ..

 وكانت الحية أحيَل جميع حيوانات البرية التي عملها الرب الإله ؟ ، فقالت للمرأة : أحقًا قال الله : لا تأكلا من كل شجر الجنة ؟ فقالت المرأة للحية : من ثمر شجر الجنة نأكل ، وأما ثمر الشجرة التي في وسط الجنة فقال الله : لا تأكلا منه ، ولا تمساه لئلا تموتا .

 فقالت الحية للمرأة : لن تموتا ، بل الله عالم أنه يوم تأكلان منه تنفتح أعينكما وتكونان كالله عارفين الخير والشر ، فرأت المرأة أن الشجرة جيدة للأكل ، وأنها بهجة للعيون ، وأن الشجرة شهية للنظر ، فأخذت من ثمرها ، وأكلت ، وأعطت رجلها أيضًا معها ، فأكل فانفتحت أعينهما ، وعلما أنهما عريانان . فخاطا أوراق تين ، وصنعا لأنفسهما مآزر . 

وسمعا صوت الرب الإله ماشيًا في الجنة عند هبوب ريح النهار ، فاختبأ آدم وامرأته من وجه الرب الإله في وسط شجر الجنة .

فنادى الرب الإله آدم ، وقال له : أين أنت ؟ فقال : سمعت صوتك في الجنة ، فخشيت لأني عريان ، فاختبأت .

 فقال : من أعلمك أنك عريان ؟ هل أكلت من الشجرة التي أوصيتك أن لا تأكل منها ؟ فقال آدم : المرأة التي جعلتها معي هي أعطتني من الشجرة فأكلت . 

فقال الرب الإله للمرأة : ما هذا الذي فعلت ؟ فقالت المرأة : الحية غرّتني فأكلتُ. 

فقال الرب الإله للحية : لأنك فعلت هذا ملعونة أنت من جميع البهائم . ومن جميع وحوش البرية على بطنك تسعين ، وترابًا تأكلين كل أيام حياتك ، وأضع عداوة بينكِ وبين المرأة وبين نسلك ونسلها ، هو يسحق رأسك ، وأنت تسحقين عقبه . 

وقال للمرأة : تكثيرًا أكثر أتعاب حبلك ، بالوجع تلدين أولادًا ، وإلى رجلك يكون اشتياقك ، وهو يسود عليك . 

وقال لآدم : لأنك سمعت لقول امرأتك ، وأكلت من الشجرة التي أوصيتك قائلًا : لا تأكل منها . ملعونة الأرض بسببك ، بالتعب تأكل منها كل أيام حياتك ، وشوكًا وحسكًا تنبت لك ، وتأكل عشب الحقل ، بعرق وجهك تأكل خبزًا حتى تعود إلى الأرض التي أخذت منها ، لأنك تراب ، وإلى تراب تعود .. 

وقال الرب الإله : هو ذا الإنسان قد صار كواحد منا عارفًا الخير والشر ، والآن لعله يمد يده ، ويأخذ من شجرة الحياة أيضًا ، ويأكل ويحيا إلى الأبد ، فأخرجه الرب الإله من جنة عدن ليعمل الأرض التي أخذ منها ، فطرد الإنسان ، وأقام شرقي جنة عدن الكروبيم ، ولهيب سيف متقلب لحراسة طريق شجرة الحياة » ( التكوين 2: 15-3: 24) .

نقد القصة التوراتية للخطيئة الأولى :

إن التأمل في القصة التوراتية يثير عددًا كبيرًا من الأسئلة ، ويشكك في مصداقية الرواية التي بنى عليها النصارى أحد أكبر أوهامهم . 

وأول ما نلاحظه أن الرواية التوراتية تتحدث عن الذات الإلهية بما لا يليق وشمولية علم الله وتنزهه عن النقائص ، ومنه نسبة الجهل إليه جل وعلا ، إذ يقول السفر : « وسمعا صوت الرب الإله ماشيًا في الجنة عند هبوب النهار ، فاختبأ آدم وامرأته في وجه الرب الإله في وسط شجر الجنة ، فنادى الرب الإله آدم ، وقال له : أين أنت؟ » ، فسؤاله ليس سؤالًا تقريريًا ، وليس تأنيبيًا ، بل هو استفهامي ، صدر عن عاجز عن الوصول إلى من توارى عنه حين سمع وقع أقدامه . 

كما نسبت الرواية التوراتية الإغواء إلى الحية ، فلئن كانت الحية حقيقية كما يذهب إليه مفسرو أهل الكتاب ، فالسؤال : هل الحيوان يكلف ويعاقب ، وهل أرسل له رسل من جنسه ، وأين أشار العهد القديم إلى مثل هذا التكليف الغريب ؟

ورغم تفسير الكتاب للحية بأنها رمز للشيطان ( انظر الرؤيا 20: 2 ) ، فإن سفر التكوين كان يتحدث عن حية حقيقية ، وليس عن معنى رمزي ، فقد وصف الحية بأنها من البهائم « الحية أحيل جميع حيوانات البرية » ، وقال عنها : « ملعونة أنت من جميع البهائم ومن جميع وحوش البرية ، على بطنك تسعين » ، فالحديث عن حية حقيقية نراها إلى يومنا هذا وهي تسعى على بطنها ، عقوبة للعصيان ، كما جاء في السفر التوراتي .

كما يجعل السفر التوراتي سبب إخراج آدم من الجنة الخوف من تسلط آدم على شجرة الحياة « والآن لعله يمد يده ، ويأخذ من شجرة الحياة ، ويأكل ويحيا إلى الأبد ، فأخرجه الرب الإله من جنة عدن » .

هذه الإشكالات المنطقية في القصة جعلت بعض المسيحيين يتهرب من إقرارها كواقع تاريخي، ويستجرها إلى فناء الرمزية الذي يريحه من تلكم الأسئلة، يقول القس وهيب جورجي: «هذا الاتجاه في التفسير هو الذي دفع بالبعض إلى القول بأن حادثة شجرة معرفة الخير والشر الواردة في الكتاب المقدس لم تكن غير أسطورة قديمة سجلها كاتب سفر التكوين ضمن مجموعة من الأساطير ... الله جل جلاله أرفع وأكبر من أن يربط مصائر البشر بشجرة مادية أو أكلة تافهة، وهذا بدوره أدى بأكثر من واحد من رجال الكنيسة إلى القول برمزية شجرة المعرفة، دون ان تكون هنالك شجرة مادية حقيقية»([97]).

ويبدو أن هذا التفسير قد تعزز في الكنيسة، ولم يعد مجرد رؤية شاذة لبعض القسس، فهذا ما قرره الاب الكاثوليكي عزير الحلاق بقوله: «من المتفق عليه اليوم أن قصة آدم وحواء هي قصة رمزية، أي أنها لا تشير إلى حقيقة تاريخية .. آدم وحواء ليسا حقيقة مجردة بعيدة عنا، إنهما موجودان في كل منا»([98]).

ويبقى السؤال الأهم : ما هي معصية آدم ؟ وتأتي الإجابة التوراتية واضحة ، لقد أكل من الشجرة المحرمة ، شجرة معرفة الخير والشر ، لقد عرف الخير والشر . فماذا ترتب على هذه المعرفة من ثمرة مشينة ؟ لا يذكر النص التوراتي لهذه الفعلة أثرًا سوى أن آدم وحواء عرفا بأنهما عريانان ، إذ انكشفت لهما الأمور بمعرفتهما للخير والشر . 

لكن المعرفة سلم للوصول إلى الحقيقة، فهل كان بحث آدم عنها وتشوقه إليها جريمة ! أليس ذلك تحقيقًا للمشيئة الإلهية في إقامة الجنس البشري .

ثم من الظلم أن يعاقب آدم ـ حسب النص ـ على ذنب ما كان له أن يدرك قبحه ، إذ لم يعرف بعدُ الخير من الشر ، بل ونتساءل : كيف وقع آدم في الإثم وهو غير ميال للشر والخطيئة التي دخلت للإنسان بعده كما يزعم النصارى .

أما الإسلام فيعترف بالجبلة البشرية التي خلق الله الإنسان عليها فهو مستعد للخير والشر ، مدرك لهما ، ولذا فهو مكلف بفعل الخير وبالامتناع عن الشر ، ومحاسب على ذلك . 

وثمة مسألة أخرى هامة من الذي يتحمل وزر الذنب آدم أم حواء ؟

 يذكر النص التوارتي ما يفهم منه براءة آدم من غواية الحية وإدانة حواء بها ، ففيه أن حواء التي أغوتها الحية فأكلت « وأعطت رجلها أيضًا معها ، فأكل » .

ولما سئل عن فعلته قال آدم : « المرأة التي جعلتها معي هي أعطتني من الشجرة، فأكلت » ، وبراءة آدم من غواية إبليس صرح به بولس ، فقال : « وآدم لم يغو، لكن المرأة أغويت ، فحصلت في التعدي » (1 تيموثاوس 2: 14 ) ، لأنه « كأنما بإنسان واحد دخلت الخطية إلى العالم » ( رومية 5: 12 ) . 

ولا ريب أن لهذا كبير علاقة مع النظرة اليهودية للمرأة حيث تزري بها شرائع اليهودية ، وهي في هذا النص تعتبرها سببًا للخطيئة ، وقد قال ابن سيراخ في سفره : « من المرأة نشأت الخطيئة ، وبسببها نموت أجمعون » ( ابن سيراخ 25: 24 ) . 

والقرآن الكريم عندما تحدث عن خطيئة آدم حمّل آدم ـ وهو الرجل ، رب الأسرة وصاحب القرار الأول فيها ـ المسئولية الأولى ﴿ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ﴾ [ طه : 121 ] .

كما تحدث النص التوراتي عن عقوبات ثلاث، طالت آدم وحواء والحية . 

أما الحية فكانت عقوبتها أنها « ملعونة أنت من جميع البهائم ، ومن جميع وحوش البرية على بطنك تسعين ، وترابًا تأكلين كل أيام حياتك ، وأضع عداوة بينك وبين المرأة ، وبين نسلك ونسلها ، هو يسحق رأسك ، وأنت تسحقين عقبه » . 

وأما عقوبة حواء « تكثيرًا أكثر أتعاب حبلك ، بالوجع تلدين أولادًا ، وإلى رجلك يكون اشتياقك ، وهو يسود عليك » . 

وأما عقوبة آدم « ملعونة الأرض بسببك ، وبالتعب تأكل منها كل أيام حياتك ، وشوكًا وحسكًا تنبت لك ، وتأكل عشب الحقل ، بعرق وجهك تأكل خبزًا » .

ولنا أن نتساءل : هل كانت الحية قبلُ مستوية القامة حسناء لا تأكل التراب ، بل تبلع الحيوان ، وهل تأكل الحيات اليوم التراب أم أن هذه العقوبة رفعت عنها بعد صلب المسيح ؟! 

وأما المرأة فعوقبت بأمرين : أحدهما : جسماني ، وهو أتعاب الحمل والولادة، وثانيهما : معنوي نفسي ، وهو دوام اشتياقها للرجل ، وأنه يسود عليها .

وهذه العقوبات كافية في تحقيق الخلاص لها ولجنس النساء بعدها « المرأة أغويت ، فحصلت في التعدي ، ولكنها ستخلص بولادة الأولاد ، إن ثبتن في الإيمان والمحبة والقداسة مع التعقل » (1 تيموثاوس 2: 14) . 

 ونلحظ أن هذه العقوبة وعقوبة آدم تختلفان عن العقوبة التي هدد فيها من يأكل من الشجرة « وأما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها ، لأنك يوم تأكل منها موتًا تموت » ، ولم يمت آدم وحواء يومذاك ، بل عاشا قرونًا متطاولة .

ولا يمكن أن يقال بأن الموت المقصود موت معنوي لأنه لا يفهم من السياق ، ولقول بولس : « كأنما بإنسان واحد دخلت الخطية إلى العالم ، وبالخطية الموت ، وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس ، إذ أخطأ الجميع » ( رومية 5: 23 ) . 

ومما يصرف الموت عن المجاز إلى الحقيقة أن النص يقول : « لأنك يوم تأكل منها موتًا تموت » فكما الأكل حقيقي ، الموت حقيقي ، وأيضًا التأكيد في قوله : « موتًا تموت » يمنع المجاز . 

والحق أن آدم حين أكل من الشجرة ـ وفقًا للنص التوراتي ـ قد اكتسب حياة روحية سامية ، فقد حاز معرفة فريدة كمعرفة الله العليم الخبير « وتكونان كالله عارفين الخير والشر .. قال الرب الإله : هو ذا الإنسان قد صار كواحد منا عارفًا الخير والشر » ( التكوين 3: 5 ، 22 ) ، وإن عاقلًا في الدنيا لا ينكر أهمية هذه المعرفة للإنسانية التي ترتع بالشرور وقد عرفتها ، فكيف يكون حالها لو لم تعرفها ، ولم تميز بينها وبين الخير ؟

ومما يؤسف له أن النص التوراتي يجعل الحية أصدق مقالًا من الله ، لقد قال لآدم: « فلا تأكل منها ، لأنك يوم تأكل منها موتًا تموت » ، ولم يمت حين آكل منها ، فيما صدقت الحية حين قالت مكذبة الله : « لن تموتا ، بل الله عالم أنه يوم تأكلان منه تنفتح أعينكما وتكونان كالله عارفين الخير والشر » ، وكان كما أخبرت ، فهل يليق ورود مثل هذا في كتاب ينسب إلى الله العليم القدير ؟ !

 
فلسفة النصارى لمسألة الخطيئة والكفارة
قرأنا النص التوراتي ورأينا في الملاحظات السابقة ما يجعل العاقل يجزم بركاكة القصة التي تحدثت عن خطيئة آدم ، لكنا نتجاوز ونغض الطرف عما ورد فيها من طوام، ليصل بنا الحديث إلى أبعاد خطيئة آدم على الجنس البشري ، فما هو معتقد النصارى في خطيئة آدم وعقوبتها وأبعادها ؟ 

يعتبر (القديس) أوغسطينوس (430م) في كتابه ( The Enchiridion ) في مقدمة النصارى الذين قدموا تفسيرًا متكاملًا لهذه المسألة ، ويعتبره العثماني في كتابه : 
(ما هي النصرانية ) الوحيد الذي استوعب قضية الكفارة .

 وخلاصة رأيه كما نقله العثماني : 

أن الله خلق الإنسان وترك فيه قوة الإرادة في حرية كاملة ، وأنعم عليه ، وحرم عليه تناول القمح . 

لكن آدم وضع قوته الإرادية في غير موضعها عندما تناول ما حرم عليه ، ولم يكن صعبًا عليه تحاشي المعصية ، إذ لم يكن يعرف يومذاك عواطف الهوس والشهوة. 

ذنب آدم ذنب عظيم لأنه يتضمن ذنوبًا عديدة :

أولها : الكفر ، إذ اختار آدم أن يعيش محكومًا بسلطته ، بدل أن يعيش في ظل الحكم الإلهي . 

وثانيها : كفر وإساءة أدب مع الله ، لأن الإنسان لم يتيقن في الله . 

وثالثها : قتل نفسه ، إذ جعل حكمها الموت . 

ورابعها : الزنا المعنوي ، لأن إخلاص الروح الإنسانية قد ضاع من أجل التصديق بقول الحية المعسول . 

وخامسها : السرقة ، إذ نال ما لا يحل له . 

وسادسها : الطمع . 

وهكذا كانت هذه الخطيئة أمًّا لكل الأخطاء البشرية « والحق أنك مهما أمعنت في حقيقة أي إثم ، فستجد له انعكاسًا في هذه الخطيئة الواحدة » . 

جزاء هذه الخطيئة الشنيعة الموت الدائم ، أو العذاب الدائم « لأنك يوم تأكل منها موتًا تموت » ، كما سلب آدم بعدها الحرية الإرادية بعد أن هزمه الذنب ، فأصبح حرًا في إتيان الإثم ، وغير حرٍ في صنع المعروف ، فالعقاب المعقول للذنب هو الذنب بعده ، بعد تخلي رحمة الله عنه ، وهكذا أصبحت الخطيئة مركبة من طبيعة الأبوين ، وانتقلت منهما وراثة إلى سائر أبنائهما ([99]) .

ونلحظ في طرح أوغسطينوس التضخيم الكبير لمعصية آدم ، والغاية منه كما هو واضح إغلاق طريق الرجعة وسدّ بابه بالتوبة ، تمهيدًا لإشاعة عقيدة المخلص يسوع ÷ ، والذي بآلامه فقط يمكن الخلاص من هذه الموبقات ، وما ذكره أوغسطينوس في ذنب آدم من تهويل من الممكن أن نقوله عن سائر الذنوب ، فالحقيقة أن ذنب آدم كسائر الذنوب دون عفو الله ومغفرته .

ولو توقف النصارى عند هذا الحد لكانت القضية شخصية متعلقة بآدم وزوجه فقط ، لكن أوغسطينوس وغيره من النصارى يصرون على أن هذا الذنب لابد له من عقوبة قاسية ، كما يرتبون على هذا الذنب مسألة خطيرة ، وهي وراثة البشرية جمعاء لذنب أبويهم واستحقاقهم لتلك العقوبة القاسية . 

ويؤكد أوغسطينوس على وراثة البشرية لذنب الأبوين ، إذ أصبحت الخطيئة كامنة في طبيعتهما ، وانتقلت وراثة إلى سائر الأبناء ، فيولد الطفل وهو مذنب ، لأن وباء الخطيئة كما يقول جان كالوين قد سرى إلى هذا الطفل وراثة ، ويصوره القديس والراهب الدومنيكي توماس الأكويني (1274م) بالذنب تذنبه الروح ، لكنه ينتقل إلى أعضاء وجوارح الإنسان . 

وهكذا أصبح البشر جميعًا خطاة ، وكما يقول عوض سمعان في كتابه ( فلسفة الغفران في المسيحية ) : وبما أن آدم الذي ولد منه البشر جميعًا كان قد فقد بعصيانه حياة الاستقامة التي خلقه الله عليها ، وأصبح خاطئًا قبل أن ينجب نسلًا ، إذن كان أمرًا بدهيًا أن يولد أبناؤه جميعًا خطاة بطبيعتهم نظيره ، لأننا مهما جُلنا بأبصارنا في الكون لا نجد لسنة الله تبديلًا أو تحويلًا ، ولذلك قال الوحي : « بإنسان واحد دخلت الخطيئة إلى العالم » ( رومية 5: 12-21 ) ([100]) .

ويشبه كالوني ( أحد علماء البروتستانت ) انتقال الخطيئة من آدم إلى بنيه بانتقال الوباء ، فيقول : « حينما يقال : إننا استحققنا العذاب الإلهي من أجل خطيئة آدم ، فليس يعني ذلك أننا بدورنا كنا معصومين أبرياء ، وقد حملنا ظلمًا ذنب آدم .. الحقيقة أننا لم نتوارث من آدم العقاب فقط ، بل الحق أن وباء الخطيئة مستقر في أعماقنا، على سبيل الإنصاف الكامل ، وكذلك الطفل الرضيع تضعه أمه مستحقًا للعقاب ، وهذا العقاب يرجع إلى ذنبه هو ، وليس من ذنب أحد غيره » ([101]) .

وشعر علماء النصرانية بما تحويه عقيدة وراثة الخطيئة من ظلم للإنسانية ، فعلموا على تبريرها وتحسين صورتها ، لتقبلها العقول وعقوبتها من دون اعتراض ولا إحساس بالظلم ، فيقول ندرة اليازجي : « آدم هو مثال الإنسان ، الإنسان الذي وجد في حالة النعمة وسقط ، إذن سقوط آدم من النعمة هو سقوط كل إنسان ، إذن خطيئة آدم هي خطيئة كل إنسان ، فليس المقصود أن الخطيئة تنتقل بالتوارث والتسلسل لأنها ليست تركة أو ميراثًا . 

إنما المقصود أن آدم الإنسان قد أخطأ ، فأخطأ آدم الجميع إذن ، كل واحد قد أخطأ ، وذلك لأنه إنسان » ([102]) .

نقض فلسفة وراثة الخطيئة الأصلية :
وهذه التبريرات المتهافتة والتشبيهات المتكلفة ما كان لها أن تقنع أحدًا ممن يرى في وراثة الذنب ظلمًا يتنزه الله عنه .

فتشبيههم لوراثة الذنب بعدوى المرض باطل ، لأن المرض شيء غير اختياري، فلا يقاس الذنب عليه ، كما أن المرض لا يعاقب عليه الإنسان .

وفصلُ توماس الأكويني بين الروح والجسد ، وقوله بأن الخطيئة تسري من الروح للجوارح خطأ ، لأن الخطأ عندما يقع فيه الإنسان ، فإنما يقع فيه بروحه وجسده، فالإنسان مركب منهما ، ويمارس حياته من خلالهما معًا . أما آدم فهو غير مركب من آدم وأبنائه ([103]) .

لذا نصر على اعتبار وراثة الذنب نوعًا من الظلم لا يليق نسبته إلى الله ﻷ . 

وهذا المعتقد الممجوج عقلًا لا دليل عليه في التوراة ، بل الدليل قام على خلافه ، إذ جاءت النصوص تنفي وراثة الذنب ، وتؤكد على مسئولية كل إنسان عن عمله ، ومنها :

« النفس التي تخطيء هي تموت ، الابن لا يحمل من إثم الأب ، والأب لا يحمل من إثم الابن ، بر البار عليه يكون ، وشر الشرير عليه يكون » ( حزقيال 18: 20-21 ) .

« لا يقتل الآباء عن الأولاد ، ولا يقتل الأولاد عن الآباء ، كل إنسان بخطيئته يقتل » ( التثنية 24: 16 ) .

« بل كل واحد يموت بذنبه ، كل إنسان يأكل الحصرم تضرس أسنانه » 
( إرمياء 31: 30 ) .

« الذي عيناك مفتوحتان على كل طرق بني آدم لتعطي كل واحد حسب طرقه ، وحسب ثمرة أعماله » ( إرميا 32: 19 ) .

« لا تموت الآباء لأجل البنين ، ولا البنون يموتون لأجل الآباء ، بل كل واحد يموت لأجل خطيته » (2 أخبار 25: 4 ) .

« فإنه لا يموت بإثم أبيه » ( حزقيال 18: 17 ) .

« أفتهلك البار مع الأثيم ، عسى أن يكون خمسون بارًا في المدينة ، أفتهلك المكان ولا تصفح عنه من أجل الخمسين بارًا الذين فيه ، حاشا لك أن تفعل مثل هذا الأمر : أن تميت البار مع الأثيم ، فيكون البار كالأثيم . حاشا لك ، أديان كل الأرض لا يصنع عدلًا » ( التكوين 18: 23-25) .

كما نقض المسيح ÷ الخطيئة الأصلية بقوله : « لو لم آت وأكلمهم ، لم تكن لهم خطيئة ، وأما الآن فليس لهم حجة في خطيئتهم .. لو لم أعمل بينهم أعمالًا لم يعملها آخر ، لما كانت لهم خطيئة ، أما الآن فقد رأوا وأبغضوني » ( يوحنا 15: 22-24 ) ، فالمسيح لا علم له بالخطيئة الأصلية الموروثة ، لذا فهو يوبخهم على خطيئتهم تجاهه ، يقرّعهم على عدم الإيمان به ، مع تأكيده على أنهم « لم تكن لهم خطيئة » لو لم يأت إليهم بما آتاه الله من حجج وبراهين .

بطلان وراثة الخطيئة بإثبات براءة الكثيرين من الخطيئة الأصلية :

تشهد الكتب المقدسة عند النصارى لكثيرين بالخيرية ، وتثني عليهم ، ولو كانوا مسربلين بالخطيئة الأصلية لما استحقوا هذا الثناء ، ومن هؤلاء الأطفال الذين قال فيهم المسيح في إحدى وصاياه : « الحق أقول لكم ، إن لم ترجعوا وتصيروا مثل الأولاد فلن تدخلوا ملكوت السماوات ، فمن وضع نفسه مثل هذا الولد ، فهو الأعظم في ملكوت السماوات » ( متى 18: 3-4 ) ، (وانظر مرقس 10: 13: 16 ) .

 وعندها نهر تلاميذه أطفالًا قال : « دعوا الأولاد يأتون إليّ ولا تمنعوهم ، لأن لمثل هؤلاء ملكوت السماوات » ( متى 19: 13-14 ) فيفهم من هذين النصين طهرة الأطفال من الخطيئة الأصلية ، لذلك جعلهم مثلًا للأبرار الذين يدخلون الجنة .

لكن القديس أوغسطينوس كان يحكم بالهلاك على جميع الأطفال غير المعمدين، وكان يفتي بأنهم يحرقون في نار جهنم ، ولن يتمتعوا برؤية ملكوت الرب ([104]).

والأبرار أيضًا لم يحملوا هذه الخطيئة ، فهؤلاء الأبرار ذكرتهم نصوص التوراة وأثنت عليهم ولم تتحدث عن هلاكهم أو تأثرهم بالخطيئة الموروثة « كان كلام الرب إليّ قائلًا : ما لكم أنتم تضربون هذا المثل على أرض إسرائيل قائلين : الآباء أكلوا الحصرم ، وأسنان الأبناء ضرست ، حي يقول السيد الرب .. الإنسان الذي كان بارًا وفعل حقًا وعدلًا ، لم يأكل على الجبال ، ولم يرفع عينيه إلى أصنام بيت إسرائيل ، ولم ينجس امرأة قريبه ، ولم يقرب طامثًا ، ولم يظلم إنسانًا .. فهو بار ، حياة يحيا يقول السيد الرب » ( حزقيال 18: 19-23) ، فكل من يعمل الصالحات يكون بارًا ، ولا تؤثر فيه خطية آدم أو غيره .

ومن هؤلاء الأبرار الذين لم تكبلهم الخطيئة ، وأثنت عليهم التوراة ، الأنبياء ، ولو كانوا حاملين للخطيئة لما كانوا أهلًا لهداية الناس ، فإن قيل عفي عنهم ، فلم تراه لم يُعفَ عن بقية العالمين ـ من غير دم ـ كما عفي عن الأنبياء الذين اختار الله منهم كليمًا وخليلًا .

ومن الأنبياء الذين أثنت عليهم التوراة أخنوخ « وسار أخنوخ مع الله ، ولم يوجد لأن الله أخذه » ( التكوين 5: 24 ) ، وقد قال عنه بولس : « بالإيمان نقل أخنوخ لكي لا يرى الموت ، ولم يوجد لأن الله نقله ، إذ قبل نقله شهد له بأنه قد أرضى الله » ( عبرانيين 11: 5 ) .

وأيضًا نوح ÷ تقول عنه التوراة : « وكان نوح رجلًا بارًا كاملًا في أجياله ، وسار نوح مع الله » ( التكوين 6: 9 ) .

وأيضًا إبراهيم فقد قيل له : « لا تخف يا إبرام أنا ترس لك ، أجرك كثير جدًا » ( التكوين 15: 1) ، وقيل عنه : « بارك الرب إبراهيم في كل شيء » ( التكوين 24: 1 ).

ومن هؤلاء الأبرار أيوب ، وقد أخبر عن نفسه أنه بريء من كل ذنب وإثم ، وأنه كان بارًا مطيعًا لأقوال الله : « قد قلتَ في مسامعي ، وصوت أقوالك سمعتُ . قلت : أنا بريء بلا ذنب ، زكي أنا ولا إثم لي » ( أيوب 33: 8-9 ) .

ورغم هذه المزايا الفريدة لأيوب، فإن يوحنا المعمدان أعظم منه، كما قال المسيح: «الحق أقول لكم : لم يقم بين المولودين من النساء أعظم من يوحنا المعمدان » ( متى 11: 11 ) ، ويقول عنه لوقا : « لأنه يكون عظيمًا أمام الرب ، وخمرًا ومسكرًا لا يشرب » (لوقا 1: 15) ، فهؤلاء جميعًا لم يرثوا الخطيئة ، ولم تؤثر فيهم مع أنهم من ذرية آدم ، والكتاب يعلن صلاحهم وعدم احتياجهم إلى الخلاص بدم المسيح أو غيره ..

كما أثنت التوراة على أشخاص من غير الأنبياء ووصفتهم بالصلاح والبر ، فدل ذلك على عدم حملهم للخطيئة الأصلية . 

منهم هابيل بن آدم الذي تقبل الله منه ذبيحته لصلاحه ، ولم يقبلها من أخيه ، فلم تمنعه خطيئة أبيه من أن يكون عند الله مقبولًا ( انظر التكوين 4: 4 ) ، وقد قال عنه الكاتب المجهول لرسالة العبرانيين : « بالإيمان قدم هابيل للّه ذبيحة أفضل من قايين ، فبه شهد له أنه بار ، إذ شهد الله لقرابينه » ( عبرانيين 11: 4 ) .

وكذلك الناجون مع نوح كانوا جميعًا أبرارًا ، فأنجاهم الله من الطوفان « ورأى الله الأرض ، فإذا هي فسدت ، إذ كان كل بشر قد أفسد طريقه على الأرض فقال الله لنوح : نهاية كل بشـر أتت أمامي .. وتبقى نوح والذين معه في الفلك فقط » ( التكوين 6: 12-7: 23 ) . ولو كانت الخطيئة موروثة لكان الجميع خاطئين ، ولما كان ثمة مبرر لهذا التفريق بين الناجين والمغرقين . 

ومن الأبرار أيضًا لاوي بن يعقوب ، والذي اختص وسبطه بالكهانة ، حيث قال الله عنه : « عهدي معه للحياة والسلام ، وأعطيته إياهما للتقوى ، فاتقاني ، ومن اسمي ارتاع هو ، شريعة الحق كانت في فِيه ، وإثم لم يوجد في شفتيه ، سلك معي في السلام والاستقامة ، وأرجع كثيرين عن الإثم ، لأن شفتي الكاهن تحفظان معرفة ، ومن فمه يطلبون الشريعة ، لأنه رسول رب الجنود » ( ملاخي 2: 5-7 ) .

 كذا خاطب الرب أورشليم محدثًا إياها عن البقية المؤمنة في بني إسرائيل ، فقال : « وأبقي في وسطكِ شعبًا بائسًا ومسكينًا ، فيتوكلون على اسم الرب ، بقيةُ إسرائيل لا يفعلون إثمًا ، ولا يتكلمون بالكذب ، ولا يوجد في أفواههم لسان غش ، لأنهم يرعون ويربضون » ( صفنيا 3: 12-13) ، فهؤلاء اليهود الباقون في أورشليم منزهون عن الإثم والخطية .

وأيضًا شهد المسيح بنجاة لعازر ، وقد مات قبل الصلب المزعوم للمسيح « فمات المسكين وحملته الملائكة إلى حضن إبراهيم ، ومات الفتى أيضًا ، ودفن ، فرفع عينيه في الهاوية وهو في العذاب ورأى إبراهيم من بعيد ولعازر في حضنه ، فنادى وقال : يا أبي إبراهيم ، ارحمني ... » ( لوقا 16: 21-24 ) ، فلعازر نجا وقد مات قبل الصلب المزعوم للمسيح .

ويجزم المسيح بخلاص العشار زكا الذي أنفق نصف ماله في سبيل الله من غير أن يحتاج لدم يخلصه أو فادٍ يصلب عنه « فوقف زكا وقال للرب : ها أنا يا رب أعطي نصف أموالي للمساكين ، وإن كنت قد وشيت بأحد أرد أربعة أضعاف . فقال له يسوع : اليوم حصل خلاص لهذا البيت ، إذ هو أيضًا ابن إبراهيم » (لوقا 19: 8-9 ) ، لقد نال الخلاص بالبر والعمل الصالح .


إبطال نظرية الذنب الموروث بشهادات النصارى :

ومما يبطل نظرية وراثة الخطيئة الأصلية الإنكار الذي صدر عن النصارى قديمًا وحديثًا ، فعبروا عن رفضهم لهذا الظلم وعن تحمل تبعات خطيئة لم يرتكبوها ولم يستشاروا فيها ، بل ولم يشهدوها ، ومن ذلك  : 

أن مخطوطات نجع حمادي المكتشفة بعد الحرب العالمية الثانية خلت من الحديث عن الخطيئة والغفران الذي يتحدث عنه آباء الكنيسة .

كما أن ثمة منكرون لهذه العقيدة في النصارى، ومنهم الراهبان الإنجليزيان في مطلع القرن الخامس: بيلاجوس([105]) وصديقه الراهب سليتوس وأصحابهما، فقد أنكروا سريان الخطيئة الأصلية إلى ذرية آدم، واعتبروه مما يمنع السعادة الأبدية، وقالوا بأن الإنسان موكول بأعماله، فالراهب بيلاجيوس يؤمن «بحرية الإرادة عند الإنسان في قضايا الخير والشر، وبأن ليست هناك ثمة عوائق تتدخل في حرية الاختيار للبشر، وعلى هذا فإن في مقدور الإنسان القوي الإرادة أن يعيش حياة تصل إلى مرتبة الكمال.. الطبيعة البشرية لكل مخلوق فرد تشبه طبيعة آدم البكر النقية وقت الخلق ، أي قبل السقوط، وهذا يعني أنها لم ترث أوزار الإثم الأول»([106]).

 وهذه الآراء الجريئة لم ترق للكنيسة فحكمت عليه باللعنة في مجمع قرطاجنة السادس عشر المنعقد سنة 418م، والذي قرر في القانون الثاني حرمان من ينكر الخطيئة الاصلية: «من قال إنَّ الأطفال المولودين حديثاً لا يحتاجون إلى المعمودية، وإنَّهم يتعمَّدون لمغفرة الخطايا ، ولكن ليس هُناك خطية أصلية موروثة من آدم تُغسل في جُرْن المعمودية, وإنَّ صيغة العِماد التي تنُصّ على مغفرة الخطايا تُستعمل في حالتهم بمعنى وهمي، لا بمعنى حقيقي, فليكُن محروماً»([107]).

ومن المنكرين أيضًا لهذه العقيدة اللاهوتي الشهير يوحنا فم الذهب ([108]) وكوائيليس شيس الذي نقلت عنه دائرة المعارف البريطانية أنه قال : « ذنب آدم لم يضر إلا آدم ، ولم يكن له أي تأثير على بني النوع البشري ، والأطفال الرضعاء حين تضعهم أمهاتهم يكونون كما كان آدم قبل الذنب » . 

ويقول الميجور جيمس براون عن فكرة وراثة الذنب الأول : « فكرة فاحشة مستقذرة ، لا توجد قبيلة اعتقدت سخافة كهذه  » ([109]) .

ويقول الدكتور نظمي لوقا حيث تحدث عن الآثار السلبية التي تتركها هذه العقيدة فيقول : « الحق أنه لا يمكن أن يقدر قيمة عقيدة خالية من أعباء الخطيئة الأولى الموروثة إلا من نشأ في ظل تلك الفكرة القاتمة التي تصبغ بصبغة الخجل والتأثم كل أفعال الفرد ، فيمضي حياته مضي المريب المتردد ، ولا يقبل عليها إقبال الواثق بسبب ما أنقض ظهره من الوزر الموروث . 

إن تلك الفكرة القاسية تسمم ينابيع الحياة كلها ، ورفعها عن كاهل الإنسان منّة عظمى ، بمثابة نفخ نسمة حياة جديدة فيه ، بل هو ولادة جديدة حقًا .. » . 

ويقول : « وإن أنسى لا أنسى ما ركبني صغيرًا من الفزع والهول من جراء تلك الخطيئة الأولى ، وما سيقت فيه من سياق مروع يقترن بوصف جهنم .. جزاء وفاقًا على خطيئة آدم بإيعاز من حواء .. وإن أنسى لا أنسى القلق الذي ساورني وشغل خاطري على ملايين البشر قبل المسيح أين هم ، وما ذنبهم حتى يهلكوا بغير فرصة للنجاة » ([110]) .

وهكذا بطل القول بسريان الخطيئة إلى ذرية آدم ، من خلال النصوص الصريحة في الكتب المقدسة وبشهادة العقلاء من أبناء النصرانية . 

 
مبررات صلب المسيح عند النصارى
ويقول النصارى في محاولة لتبرير صلب المسيح وربطه بخطيئة آدم : إن الله أراد برحمته أن يخلص الأرض من اللعنة التي أصابتها بسبب معصية آدم ، لكن عدله يأبى إلا أن يعاقب أصحاب الذنب ، فكيف المخرج للتوفيق بين العدل والرحمة ؟ فلا يجدون إجابة إلا صلب المسيح البريء نيابة عن البشرية وارثة الخطيئة والأرض الملعونة بسبب آدم !

قال أوريجانوس: «اللّه عادل، والعادل لا يبرر الخطاة إلا إذا وفيت مطالب عدالته. وبما أنه لا يمكن أن يقوم بهذه المهمة سواه، لأنه هو وحده الذي يعرف مطالب عدالته. لذلك رضي أن يحل في المسيح ليقوم بالمهمة المذكورة، حتى يبرر كل خاطئ يؤمن به إيماناً حقيقياً»([111]) . 

ويلخص أوغسطينوس المسألة في كتابه : ( The Enchiridion ) بأن الله رحيم، ولا يريد أن يغير قوانين المحكمة ، وفيها أن الموت عقوبة عادلة لهذه الخطيئة الأصلية ، فاتخذ حيلة ينجي بها عباده ، فيموتون ثم يحيون من جديد ، فتعود إليهم حريتهم بعد حياتهم الجديدة . 

ولما كانت إماتة الناس جميعًا تتعارض مع قانون الطبيعة وسنن الكون ، فكان لابد من شخص معصوم من الذنب الأصلي يعاقبه الله بموته ، ثم يبعثه ، فيكون موته بمثابة موت البشرية وعقوبتها ، وقد اختار الله ابنه لهذه المهمة .

ويقول القس لبيب ميخائيل : « إن الله الرحيم هو أيضًا إله عادل ، وإن الله المحب هو أيضًا إله قدوس يكره الخطيئة ، وإذا تركزت هذه الصورة في أذهاننا .. سندرك على الفور أن صفات الله الأدبية الكاملة لا يمكن أن تسمح بغفران الخطية دون أن تنال قصاصها .. فإن الصليب يبدو أمامنا ضرورة حتمية للتوفيق بين عدل الله ورحمته » . 

ويقول جوش مدويل: «لم يكن ممكنًا أن يغفر الله لنا خطايانا ما لم يُدفع ثمنها كاملاً، وإلا لكان متواطئًا مع كل خرق وانتهاك لشريعته المقدسة وحاميًا لها، ولم يكن ممكنًا إيجاد كفارة كافية عن خطايا الجنس البشري إلا بأن يصير الله إنسانًا، وهذا ما فعله الله بالمسيح»([112]).

ويؤكد هذه المعاني عوض سمعان بقوله : « لو كان في الجائز أن تقل عدالة الله وقداسته عن رحمته ومحبته اللتين لا حد لهما ، فإن من مستلزمات الكمال الذي يتصف به، أن لا يتساهل في شيء من مطالب عدالته وقداسته ، وبما أنه لا يستطيع سواه إيفاء مطالب هذه وتلك ، إذن لا سبيل للخلاص من الخطيئة ونتائجها إلا بقيامه بافتدائنا بنفسه »([113]) . 

إذًا فالمسيح المتأنس غير مولود من الخطيئة ، ومسارٍ لقيمة جميع الناس ، فكان هو الفدية التي اصطلح فيها الله مع الإنسانية ، ووفق فيها بين عدله ورحمته .

ويقول حبيب جرجس في كتابه ( خلاصة الأصول الإيمانية ) : « ولما فسد الجنس البشري ، وصار الناس مستعبدين للخطيئة ، وأبناء للمعصية والغضب لم يتركهم الله يهلكون بانغماسهم فيها ، بل شاء بمجرد رحمته أن ينقذنا من الهلاك بواسطة فادٍ يفدينا من حكم الموت ، وهذا الفادي ليس إنسانًا ولا ملاكًا ولا خليقة أخرى ، بل هو مخلصنا وفادينا ابن الله الوحيد ، ربنا يسوع المسيح الذي له المجد إلى أبد الآبدين » ([114]) .

ويؤكد القس جولد ساك على أهمية القصاص فيقول : « لابد أن يكون واضحًا وضوح الشمس في ضحاها لأي إنسان بأن الله لا يمكنه أن ينقض ناموسه ، لأنه إذا فعل ذلك من الذي يدعوه عادلًا ومنصفًا » ([115]) .

إذًا لابد من العقوبة حتى تحصل المغفرة . وفي ذلك يقول مؤلف رسالة العبرانيين : « وكل شيء تقريبًا يتطهر حسب الناموس بالدم ، وبدون سفك دم لا تحصل مغفرة » ( عبرانيين 9: 22 ) . 

ويقول بولس : « لأنكم قد اشتريتم بثمن ، فمجدوا الله في أجسادكم ، وفي أرواحكم التي هي لله » ( 1 كورنثوس 6: 20 ) ، ويقول : « أجرة الخطية هي موت » ( رومية 6: 23 ) . 

ويقول : « لأنه وإن كنا ونحن أعداء فقد صولحنا مع الله بموت ابنه » ( رومية 5: 10 ). 

ويقول بطرس : « عالمين أنكم افتديتم لا بأشياء تفنى : بفضة أو ذهب ، من سيرتكم الباطلة التي تقلدتموها من الآباء ، بل بدم كريم كما من حَمَلٍ بِلاَ عيْب ، ولا دنس دم : المسيح » ( 1 بطرس 1: 18-19) .

ويعتبر النصارى فداء المسيح للبشرية العمل الحقيقي للمسيح والذي من أجله تجسد وتأنس ، يقول الأنبا أثناسيوس : « فالمسيح هو الله غير المنظور ، وقد صار منظورًا ، ولماذا صار منظورًا ، لينجز مهمة الفداء والخلاص ، التي ما كان يمكن لغير الله أن يقوم بها ، فالله قد تجسد في المسيح من أجل الفداء والخلاص ، فالفداء كان هو الغاية ، والتجسد كان هو الوسيلة » ([116]) .

نقد مبررات النصارى لضرورة الصلب التكفيري :
ويرى المسلمون في هذا الفكر النصراني انحرافًا وتجافيًا عن المعقول والمنقول، فإن فيه إساءة أدب مع الله وكفرًا به ، كان ينبغي أن ينزهه النصارى عنه ، إذ كيف يقبل عقلًا ودينًا القول بتناقض العدل الإلهي مع الرحمة الإلهية قرونًا متطاولة ، من غير أن يهتدي الرب ـ تعالى عن ذلك ـ إلى سبيل للتوفيق بين صفاته المتناقضة ، وأخيرًا جاء الحل الدموي بصلب المسيح البريء رحمة من الرب بالعالمين . 

وتُظهر العقيدة النصرانية الله ﻷ عاجزًا عن العفو عن آدم وذنبه ، حائرًا في الطريقة التي ينبغي أن يعاقبه بها بعد أن قرر عقوبته .

 ويظهر قرار العقوبة وكأنه قرار متسرع يبحث له عن مخرج ، وقد امتد البحث عن هذا المخرج قرونًا عديدة ، ثم اهتدى إليه بعدُ ، فكان المخرج الوحيد هو ظلم المسيح وتعذيبه على الصليب كفارة عن ذنب لم يرتكبه .

 ويشبه النصارى إلههم وقتذاك بصورة مستقذرة ، بصورة المرابي وهو يريد عوضًا على كل شيء ، ونسي هؤلاء أن الله حين يعاقب لا يعاقب للمعاوضة أو لإرضاء نفسه أو للانتقام ، بل لكبح الشر وتطهير النفس من درن الذنب .

وقد فات الفكر النصراني وجود بدائل كثيرة مقبولة ومتوافقة مع سنن الله الماضية في البشر ، وهي جميعًا أولى من اللجوء إلى صلب المسيح تكفيرًا للخطيئة ووفاءً بسنتي الانتقام والعدل بالمفهوم النصراني .

 ومن هذه البدائل : التوبة ، والمغفرة والعفو ، ومنها العفو بصك غفران لا يزيد سعره على بضع دولارات ، ومنها الاكتفاء بعقوبة الأبوين على جريمتهما ، وكل ذلك ـ عدا المغفرة بالدولارات ـ من سنن الله التي يقرها الكتاب المقدس في مغفرة ذنوب الخاطئين .

التوبة من الذنب كفارة له :

فلئن كان ثمة تنازع بين الرحمة والعدل ـ كما يزعم النصارى ـ فإن من أهم مخارج المسألة التوبة التي ذكر الله في القرآن أن آدم صنعها ، وهي باب عظيم من أبواب فضل الله ، جعله للخاطئين . 

والتوبة تغسل الذنب وتنقي القلب ، فيكون الخاطئ التائب حبيبًا إلى الله ، فلم لا يقول النصارى بأن آدم تاب وقبلت توبته ، لم يصرون على القصاص ، ولم يصر الكاتب المجهول لرسالة العبرانيين على أنه « بدون سفك دم لا تحصل مغفرة » (عبرانيين 9: 22 ) .

 لقد تحدثت نصوص التوراة والإنجيل بإسهاب عن التوبة وقصصها قبول الله لها . 

فها هو المسيح يجلس مع العشارين والخطاة ، فيتذمر الفريسيون والكتبة لذلك قائلين : « هذا يقبل خطاة ويأكل معهم » ( لوقا 15: 2 ) فأراهم المسيح حرصه على التوبة وفرحة الله بالتائب « وكلمهم بهذا المثل قائلًا : أي إنسان منكم له مائة خروف وأضاع واحدًا منها ، ألا يترك التسعة والتسعين في البرية ويذهب لأجل الضال ، حتى يجده ، وإذا وجده يضعه على منكبيه فرحًا ويأتي إلى بيته ، ويدعو الأصدقاء والجيران قائلًا لهم : افرحوا معي ، لأني وجدت خروفي الضال . 

أقول لكم : إنه هكذا يكون فرح في السماء بخاطئ واحد يتوب .. » 
( لوقا 15: 3-7 ) ، وعليه فالتوبة مقبولة عند الله كوسيلة للخلاص من الذنب ، ولا تتناقض مع قدر الله القاضي بالقصاص من العاصي .

كما ضرب للتوبة وأهلها ومنزلتها مثلين آخرين ، فقد شبّه الفرح بالتائب بفرح الأب بعودة ابنه الضال وبعثور صاحب الدرهم الضائع على درهمه . ( انظر لوقا 15: 8-32 ) .

ولقد وعد الله التائبين بالقبول ففي سفر حزقيال : « فإذا رجع الشرير عن جميع خطاياه التي فعلها ، وحفظ كل فرائضي ، وفعل حقًا وعدلًا ، فحياة يحيا ، لا يموت ، كل معاصيه التي فعلها لا تذكر عليه ، بره الذي عمل يحيا ، هل مسرة أُسرُّ بموت الشرير » (حزقيال 18: 21-23 ) .

وفي إشعيا يؤكد الوعد فيقول : « ليترك الشرير طريقه ، ورجل الإثم أفكاره ، وليتب إلى الرب فيرحمه ، وإلى إلهنا لأنه يكثر الغفران » ( إشعيا 55: 7 ) ، فالرب الحليم الرحيم يعد عباده العاصين بالرحمة حال توبتهم ، من غير أن يتناقض عدله مع رحمته ، إذ هو يفعل ما يريد .

ويقول يوحنا المعمدان مخاطبًا اليهود مذكرًا إياهم بأهمية التوبة : « يا أولاد الأفاعي من أراكم أن تهربوا من الغضب الآتي ، فاصنعوا أثمارًا تليق بالتوبة ، ولا تفتكروا أن تقولوا في أنفسكم لنا إبراهيم أبًا » (متى 3: 7-9) ، فالتوبة هي الطريق ، وليس النسب كما ليس الفداء .

تقول التوراة : « فإذا تواضع شعبي الذين دعي اسمي عليهم ، وصلّوا وطلبوا وجهي ، ورجعوا عن طرقهم الردية ، فإنني أسمع من السماء » (2 أخبار 7: 14 ) .

ولكن ورغم هذا كله يقول عوض سمعان : « فالتوبة مهما كان شأنها ليست بكافية للصفح عما مضى من خطايانا » ([117]) .

إذًا لماذا أكدت النبوات عليها وعلى فضلها ومحبة الله لها ، ولم أغلق هذا الباب في وجه آدم ، وهو أولى الناس به لمعرفته بالله العظيم وجزائه ورحمته ، إضافة إلى شعوره بالذنب وأثره الجمّ عليه ، وهذا الذي ذكره الله عنه ﴿ فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى ﴾ [ طه : 121-122 ] .

لكن بولس يصر على أن « أجرة الخطية هي موت » ( رومية 6: 23 ) ، وعليه فهذا الحكم لا نكول عنه ، لأن الله لا يكذب ، وهو يحب أن يرحم عباده ، فلا سبيل للجمع بين إرادتيه إلا بالكفارة ، لأن الله رحيم ، وهو أيضًا لا يكذب في وعيده .

وهذا المبدأ غريب في تصوره الضعيف والسقيم لله ، وحديثه عن الله المشوب باتهام الرب العظيم بقلة الحيلة أو الخوف على سمعته ومنزلته عند مخلوقاته ، وهو بكل حال متناقض مع النصوص التي أكدت أن أجرة الخطية موت ، وأن الله يرفعه بالتوبة ، من غير أن يتناقض عدله مع رحمته .

 إذ يقول سفر حزقيال : « وإذا قلت للشرير : موتًا تموت . فإن رجع عن خطيته وعمل بالعدل والحق ، إن رد الشرير الرهن ، وعوّض عن المغتصَب ، وسلك في فرائض الحياة بلا عمل إثم ، فإنه حياة يحيا . لا يموت . كل خطيته التي أخطأ بها لا تذكر عليه ، عمل بالعدل والحق ، فيحيا حياة » ( حزقيال 33: 14-16) ، فالموت الذي هو جزاء الخطية يرفع بالتوبة والعمل الصالح من غير حاجة إلى سفك دم .

وهو ما يعلمنا إياه التلميذ يعقوب بقوله  : « صلاة الإيمان تشفي المريض ، والرب يقيمه ، وإن كان قد فعل خطية تغفر له » ( يعقوب 5: 15 ) فالصلاة تغفر الخطايا ، ولا مبرر للدم والكفارة .

ومثلها الصدقة على الفقراء والمساكين « الصدقة تنجي من الموت ، وهي تطهر من كل خطيئة ، الذين يتصدقون يشبعون من الحياة » ( طوبيا 12: 9 ) .

عفو الله وغفرانه للمذنبين :

ثم إنه ثمة مخرج آخر للجمع بين سنة الله في عقاب الظالمين وعفوه عنهم ، ألا وهو سنته في العفو عنهم ، فهو لا يتناقض مع العدل ، إذ لن يسأل أحد ربه لماذا عفا عمن عفا عنه من المسيئين ؟ 

وقبل أن نتحدث عن العفو نلاحظ أن لمصطلح العدل عند النصارى مفهوم خاطئ ، فالعدل هو عدم نقص شيء من أجر المحسنين ، وعدم الزيادة في عقاب المسيء عما يستحق ، فهو توفية الناس حقهم بلا نقص في الأجر ، ولا زيادة في العقاب . 

وعليه فإخلاف الوعيد لا يتعارض مع العدل ، بل هو كرم الله الذي قد يمنحه للمسيئين ، عفوًا منه ومغفرة جل وعلا ، فهو العفو الرحيم . 

والعفو من الصفات الإلهية التي اتصف بها الرب ، وطلب من عباده أن يتصفوا بها ، وهو أولى بها لما فيها من كمال وحُسن ، وقد عفا عن بني إسرائيل من غير كفارة ولا مصلوب « رضيت يا رب على أرضك ، أرجعت سبي يعقوب ، غفرت إثم شعبك، سترت كل خطيتهم ، سلاه ، حجزت كل رجزك ، رجعت عن حمو غضبك » ( المزمور 85: 1-3 ) .

ويقول بولس : « طوبى للذين غفرت آثامهم وسترت خطاياهم ، طوبى للرجل الذي لا يحسب له الرب خطية » ( رومية 4: 7-8 ) ، فثمة أناس عفا الله عن خطاياهم وذنوبهم ، وسترها عليهم ، من غير دم يسفك عنهم ، ولا تناقض بين عدل الله ورحمته بشأنهم .

وقد علّم المسيح تلاميذه خلق العفو ، وضرب لهم مثلًا قصة العبد المديون والمدين . ( انظر متى 18: 23-34 ) ، وكان بطرس قد سأل المسيح : « يا رب كم مرة يخطئ إليّ أخي وأنا أغفر له ؟ هل إلى سبع مرات ؟ قال له يسوع : بل إلى سبعين مرة » ( متى 18: 21-22 ) .

ومرة أخرى قال لهم : « أما أنا فأقول لكم : أحبوا أعداءكم وباركوا لاعنيكم ، أحسنوا إلى مبغضيكم ، وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم ، لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السماوات ، فإنه تشرق شمسه على الأشرار والصالحين ، ويمطر على الأبرار والظالمين » ( متى 5: 44-45 ) .

فالعفو عن الخاطئين صفة مدح ، اللهُ أولى بها من عباده ، وهو أقدر منهم وأغنى جل وعز .  ولم لا يكون العفو بصك غفران يمنحه الله لآدم ، ويجنب المسيح ويلات الصلب وآلامه ، أو لم لا يجعل للمسيح فدية عن الصلب ، كما جعل لإبراهيم فدية فدى بها ابنه إسماعيل .

وكذا فإن إصرار النصارى على أنه لا تكون مغفرة إلا بسفك دم ( انظر عبرانيين 9: 22 ) ([118]) ، ترده نصوص أخرى أخبرت أن الله قد يرفض الذبائح ولا يرتضيها وسيلة للخلاص ، منها ما جاء في متى : « إني أريد رحمة لا ذبيحة ، لأني لم آت لأدعو أبرارًا ، بل خطاة إلى التوبة » ( متى 9: 13 ) .

وفي التوراة أن الله قال لبني إسرائيل : « بغضتُ ، كرهتُ أعيادكم ، ولست ألتذُّ باعتكافاتكم ، إني إذا قدمتم لي محرقاتكم وتقدماتكم لا أرتضي ، وذبائح السلامة من مسمناتكم لا ألتفت إليها » ( عاموس 5: 21-22 ) ، فالذي يريده الله منهم هو العمل الصالح ، لا الذبيحة فقط .

وفي سفر المزامير « يا رب افتح شفتيّ ، فيخبر فمي بتسبيحك ، لأنك لا تسرّ بذبيحة ، وإلا فكنت أقدمها ، بمحرقة لا ترضى ، ذبائح الله هي روح منكسرة ، القلب المنكسر والمنسحق » ( المزمور 51: 15-17 ) . 

ويؤكد الكاتب المجهول لرسالة العبرانيين هذا المعنى الجديد للذبيحة المقبولة ، فيوصي بالتسبيح وفعل الخير : « فلنقدم به في كل حين للّه ذبيحة التسبيح ، أي ثمر شفاه معترفة باسمه ، ولكن لا تنسوا فعل الخير والتوزيع ، لأنه بذبائح مثل هذه يسرّ الله » ( عبرانيين 13: 15-16 ) .

وفي سفر إشعيا النبي يخاطب الرب بني إسرائيل : « اسمعوا كلام الرب يا قضاة سدوم ، أصغوا إلى شريعة إلهنا يا شعب عمورة ، لماذا لي كثرة ذبائحكم يقول الرب ، اتخمت من محرقات كباش وشحم مسمنات ، وبدم عجول وخرفان وتيوس ما أسر .. اغتسلوا ، تنقوا ، اعزلوا شر أفعالكم من أمام عينيّ ، كفوا عن فعل الشر ، تعلموا فعل الخير ، اطلبوا الحق ، أنصفوا المظلوم ، اقضوا لليتيم ، حاموا عن الأرملة ، هلم نتحاجج يقول الرب ، إن كانت خطاياكم كالقرمز تبيض كالثلج ، إن كانت حمراء كالدودي تصير كالصوف » ( إشعيا 1: 10-18 ) . 

وهكذا فليست الذبيحة الوسيلة الأقرب لرضوان الله ، بل أفضل منها العمل الصالح ، والقلب المنكسر المتذلل لله العظيم .

الاكتفاء بالعقوبة التي نالها الأبوان :

لكن النصارى يمنعون أن يعفو الله عن آدم وأبنائه ، ويصرون أن لابد من العقوبة المستحقة لهم ، لكنهم قد نالوها بالفعل ، فما بال الخطيئة تتوارث وعقوبتها في أبنائهم ، أفليس تكرار العقوبة للعاصي صورة من صور الظلم الذي يتنزه عنه الله !

ذكر سفر التكوين أن الله توعد آدم بالموت إن هو أكل من الشجرة .

لكنه بدلًا عن أن يموت وزوجه جزاء خطيئتهما وتنطفىء الفتنة والفساد والشر في المهد ، بدلًا من ذلك كثّر نسلهما ، فكان ذلك حياة لهما لا موتًا ، وكان سببًا في زيادة الشر والفساد على الأرض .

ثم إضافة للموت الذي لم يتحقق عاقبه بقوله : « ملعونة الأرض بسببك ، بالتعب تأكل منها كل أيام حياتك ، وشوكًا وحسكًا تنبت لك ، وتأكل عشب الحقل بعرق وجهك تأكل خبزًا ، حتى تعود إلى الأرض التي أخذت منها ، لأنك تراب وإلى تراب تعود » ( التكوين 3: 17-19) ، فطرد آدم من الجنة ليعيش في الأرض ويكد فيها، فتلك عقوبته .

 وكذلك فإن زوجه حواء عوقبت « تكثيرًا أكثر أتعاب حبلك ، بالوجع تلدين أولادًا ، وإلى رجلك يكون اشتياقك ، وهو يسود عليك » ( التكوين 3: 16 ) .

لقد عوقب آدم وحواء إذًا ، ونلحظ في العقوبة شدة متمثلة في لعن الأرض كلها والأتعاب الطويلة للرجال والنساء ، ونلحظ أن ليس ثمة تناسبًا بين الذنب والعقوبة ، فقد كان يكفيهم الإخراج من الجنة . 

وقد بقيت هذه القصاصات من لدن آدم حتى جاء المسيح الفادي ، ثم ماذا ؟ هل رفعت هذه العقوبات بموت المسيح ؟ هل رفعت عن المؤمنين فقط أم أن شيئًا لم يتغير ؟

وهذا هو الصحيح ، فما زال الناس يموتون من لدن المسيح ، يموت أبرارهم وفجارهم ، فلم يبطل حكم الموت فيهم ـ كما ذكر بولس ـ : « مخلصنا يسوع الذي أبطل الموت ، وأنار الحياة والخلود » (2 تيموثاوس 1: 10 ) ، وقوله : « بإنسان واحد دخلت الخطية إلى العالم ، وبالخطية الموت ، وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس، إذ أخطأ الجميع » ( رومية 5: 12 ) . 

فالمسيح لم يبطل بصلبه ولا بدعوته أي موت ، لا الموت الحقيقي ولا الموت المجازي ، إذ مازال الناس في الخطيئة يتسربلون ، ثم بعد ذلك يموتون . 

وأما الموت الحقيقي فليس في باب العقوبة في شيء ، بل هو أمر قد كتب على بني آدم ، بَرهم وفاجرهم على السواء ، قبل المسيح وبعده ، وإلى قيام الساعة ، كما كتب الموت على الحيوان والنبات ، فما بالهم يموتون ؟ وهل موتهم لخطأ جدهم وأصلهم الأول أم ماذا ؟!

ثم إن هناك من لا يملك النصارى دليلًا على موتهم ، فنجوا من الموت من غير فداء المسيح ، وذلك متمثل في أخنوخ وإيليا اللذين رفعا إلى السماء وهما حيين كما في الأسفار المقدسة ( انظر التكوين 5: 24 ، و2 ملوك 2: 11 ، وعبرانيين 11: 5 ) .

 وعليه نستطيع القول بأن ليس ثمة علاقة بين الموت وخطيئة آدم .

وكذلك فإن القصاصات الأخرى ما تزال قائمة ، فما زال الرجال يكدون ويتعبون ، وما تزال النساء تتوجع في الولادة .. ويستوي في ذلك النصارى المفديون ـ حسب العهد الجديد ـ بدم المسيح وغيرهم .

والعجب من إصرار النصارى بعد وقوع هذه العقوبات على أن الذنب ما زال مستمرًا ، وأنه لابد من فادٍ بعد هذه العقوبات الشديدة التي نالها أصحابها .

ولابد أن ننوه هنا إلى أن النص التوراتي يحمل القدر الكثير من معاني الظلم لآدم وحواء؛ إذ يجعل وقوعهما في المعصية وهما غير مؤهلين للتمييز بين الخير والشر، فقد أُعطيا هذه القدرة بعد أكلهما من شجرة معرفة الخير من الشر ، فقد أذنبا وهما جاهلين حتى بعريهما «فأكل فانفتحت أعينهما، وعلما أنهما عريانان، فخاطا أوراق تين، وصنعا لأنفسهما مآزر»، ومن جهل مثل هذا الأمر البسيط لا يمكنه – بالضرورة - التمييز فيما هو أكبر وأعمق، كمعرفة عاقبة إطاعة الحية التي غرَّته بقولها:  «يوم تأكلان منه تنفتح أعينكما وتكونان كالله عارفين الخير والشر».

وفي هذا الصدد نسأل سؤالًا لا يجوز إغفاله أو الحيدة عن إجابته : كيف جهل الأنبياء ذلك المعتقد الهام ، فلم يذكروه في كتبهم كما لم يذكره المسيح ولم يعرفه تلاميذه من بعده ، حتى جاء به بولس وآباء الكنيسة ، فكشفوا ما غاب عن الأنبياء والمرسلين .

مسئولية الإنسان عن عمله :

ومما يبطل نظرية وراثة الذنب أيضًا النصوص التي تحمل كل إنسان مسئولية عمله.

 وقد تعاقَب الأنبياء على التذكير بهذا المعتقد في نصوص كثيرة ذكرتها التوراة والأناجيل .

 ومنها ما جاء في التوراة « وكلم الرب موسى وهارون قائلًا : افترزا من بين هذه الجماعة ، فإني أفنيهم في لحظة ، فخرّا على وجهيهما وقالا : اللهمّ إله أرواح جميع البشر ، هل يخطئ رجل واحد فتسخط على كل الجماعة » ( العدد 26: 23 ) ، واستجاب الله لهما فعذب بني قورح فقط دون بقية إسرائيل .

وجاء في سفر المزامير : « الأخ لن يفدي الإنسان فداء ، ولا يعطي الله كفارة عنه» ( المزمور 49: 7 ) .

وأيضًا في التوراة : « لا تموت الآباء لأجل البنين ، ولا البنون يموتون لأجل الآباء، بل كل واحد يموت لأجل خطيته » (2 أخبار 25: 4 ) .

وأيضًا يقول المسيح : « فإن ابن الإنسان سوف يأتي في مجد أبيه مع ملائكته ، وحينئذ يجازي كل واحد حسب عمله » ( متى 16: 27 ) .

وهو عين كلام المسيح : « كل كلمة بطالة يتكلم بها الناس سوف يعطون عنها حسابًا يوم الدين ، لأنك بكلامك تبرر ، وبكلامك تدان » ( متى 12: 36 ) .

والعجب أنه قد ورد إثبات مسئولية الإنسان عن عمله في كلام بولس الذي ابتدع معتقد وراثة الذنب ، ومنها قوله عن الله : « الذي سيجازي كل واحد حسب أعماله » ( رومية 2: 6 ) .

 

 

 


من الفادي ؟
ورغم هذه العقوبات والمخارج فإن النصارى يقولون بلزوم الفداء والقصاص، فلم لا يكون القصاص في آدم وحواء ، فيحييهما الله ويصلبهما ، أو يصلب بدلًا منهما شيطانًا أو سوى ذلك ، فإن ذلك أعدل من صلب المسيح البريء .

يجيب النصارى بأنه لابد في الكفارة أن تكون شيئًا يعدل البشر جميعًا ، من غير أن يحمل خطيئتهم الموروثة ، وهذه الشروط لا تتوافر في آدم وغيره ، بل هي لا تتوفر إلا في المسيح الذي تجسد وتأنس من أجل هذه المهمة العظيمة ، فكان أداة خلاصنا ورحمة الله بنا كما قال يوحنا : « لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد ، كي لا يهلك كل من يؤمن ، بل تكون له الحياة الأبدية ، ولأنه لم يرسل الله ابنه إلى العالم ليدين العالم ، بل ليخلص » ( يوحنا 3: 16-17 ) ([119]) .

فالمسيح يتميز عن سائر البشر بأنه ولد طاهرًا من إصر الخطيئة ، ولم يصنعها طوال حياته ، فهو وحده الذي يمكن أن يصير فاديًا وأن يقبل به الفداء ، وكما يقول بطرس : « عالمين أنكم افتديتم لا بأشياء تفنى : بفضة أو ذهب ، من سيرتكم الباطلة التي تقلدتموها من الآباء ، بل بدم كريم كما من حَملٍ بِلاَ عيْب ولا دنس ، دم المسيح » ( 1 بطرس 1: 18-19) ، ويقول مؤلف رسالة العبرانيين المجهول : « يسوع ابن الله فلنتمسك بالإقرار .. بل مجرب في كل شيء مثلنا ، بلا خطية » ( عبرانيين 4: 14-15) .

يقول الأب متى المسكين : « عملية الفداء تحتم أن المولود يكون قدوسًا بلا أدنى عيب أو خطية ، وإلا يُحسب موته عن استحقاق له ، وليس باستحقاق آخرين ، كما يتطلبه معنى الفداء » ([120])  .

لكن المسيح لا يمتاز في هذا الباب عن كثيرين من الأبرار والمؤمنين الذين لم يفعلوا خطيئة ولا ذنبًا ، « كل من يثبت فيه لا يخطئ ، كل من يخطئ لم يبصره ولا 
عرفه .. من يفعل الخطية فهو من إبليس .. كل من هو مولود من الله لا يفعل خطية » ( 1 يوحنا 3: 6-9 ) فـ « كل من ولد من الله لا يخطئ ، بل المولود من الله يحفظ نفسه، والشرير لا يمسه » ( 1 يوحنا 5: 18 ) .

ولا يخفى أن كل المؤمنين مولودون من الله « وأما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطانًا أن يصيروا  : أولاد الله ، أي المؤمنين باسمه » ( يوحنا 1: 12 ) . أمَا كان صلب أحد هؤلاء الأبرار كفارة عن خطايانا أولى من صلب الإله ؟

لكنا نرى أن شرط النصارى في براءة الفادي من الذنب لم يتحقق حتى بالمسيح، رغم أن الشرط وضع وفق مواصفات النصارى له ، فالمسيح عندهم جسد أرضي ويكتنفه حلول إلهي ، وهم حين يقولون بالصلب فإن أحدًا منهم لا يقول بصلب الإله ، لكن بصلب الناسوت ، والتوراة تقول : « ليس إنسان لا يخطئ » ( 1 ملوك 8: 46 ) ، فالمصلوب هو الناسوت ، وليس من إنسان إلا ويخطئ .

 كما أن ناسوت المسيح جاءه من مريم التي هي أيضًا حاملة للخطيئة ، فالمسيح بجسده الفادي الحامل للخطيئة وراثة لا يصلح أن يكون فاديًا !

ولدفع هذا لم يجد الأرثوذكس والكاثوليك بُدًا من القول بعصمة والدة المسيح ، فقال الأرثوذكس بخلوص مريم من وصمة الخطيئة الأصلية بحلول الروح القدس عليها([121])، وأما الكنيسة الكاثوليكية فإنها تعتقد بأنه « ليس مريم وحدها التي حبلت بيسوع بطريقة معصومة من وصمة الخطية الأصلية ، بل هي ( مريم ) أيضًا حُبل بها بنفس الطريقة ، ولقد أصبحت هذه العقيدة قاعدة من قواعد الإيمان الكاثوليكي بعد أن أصدر البابا بيوس التاسع في 8/ 12/ 1854 منشوره الخاص بالعصمة البابوية ، فهذا المنشور يقرر بأن مريم نجت من وصمة الخطية الأصلية عن طريق نعمة خاصة .. فيجب أن تكون هي معصومة من الخطية الأصلية ومن اللعنة التي لحقت بآدم وبكل نسله ، وإلا لوصلت ليسوع عن طريق أمومتها نفس اللعنة ونفس الوصمة » ([122]) .

وعلى كلٍ فالمصلوب ـ حسب معتقد الكاثوليك والبروتستانت القائلين بالطبيعتين ـ هو الطبيعة الإنسانية المتمثلة بابن الإنسان ، وليس ابن الله ، أي الناسوت لا اللاهوت، وقد قال القديس أغناطيوس (ت 108م): « نحن نؤمن أن المسيح مات عوضاً عنا من جهة الناسوت، لكنه لم يمت من جهة اللاهوت، لأن اللاهوت غير قابل للموت » ([123])، فالثمن دون الغرض الذي يدفع له ، كيف لإنسان أن يعدل البشرية كلها بدمه ؟ 

وأما الأرثوذكس المؤمنون بالطبيع الواحدة، فيؤكدون أن «موت الطبيعة البشرية وحدها لا يكفي للفداء، ولذلك نرى القديس بولس يقول: «لأنهم لو عرفوا لما صلبوا رب المجد» (1 كو 2: 8) .. لأن الذي صلب هو رب المجد، طبعاً صلب بالجسد، ولكن الجسد كان متحدًا باللاهوت في طبيعة واحدة، وهنا الأمر الأساسي اللازم للخلاص»([124]).

وقد صدق الأنبا غريغوريوس وهو يرد على الكاثوليك والبروتستانت : « إذا كان للسيد المسيح طبيعتان بعد الاتحاد ، فمن المنطقي أن عمل الفداء قام به جسد السيد المسيح ، لأنه هو الذي وقع عليه الصلب ، وعلى ذلك ففداء المسيح ليست له أي قوة على خلاص الجنس البشري ، إذ يكون الذي مات من أجل العالم هو إنسان فقط » ([125]) .

والمتأمل في نصوص العهد الجديد يراها تنسب إلى المسيح ـ وحاشاه عليه الصلاة والسلام ـ العديد من الذنوب والآثام التي تجعله أحد الخاطئين ، فلا يصلح حينئذ لتحقيق الخلاص ، لحاجته هو إلى من يخلصه .

 فالأسفار الإنجيلية تنسب إلى المسيح العظيم العديد من الرزايا والبلايا ، إذ تذكر أنه كان حريصًا على إضلال قومه ، محبًا لهلاكهم ، كما تذكر أنه كان سبّابًا وشريب خمر ، وهو بذلك مستوجب لدخول جهنم ، ومحروم من دخول الملكوت ، وحاشاه عليه الصلاة والسلام .

فقد اتهمه متى بشرب الخمر « جاء ابن الإنسان يأكل ويشرب . فيقولون : هوذا إنسان أكول وشريب خمر . محب للعشارين والخطاة » ( متى 11: 19 ) .

فيما نسبت إليه الأناجيل الكثير من السباب والشتائم لليهود والتلاميذ ، كما في قوله لتلميذيه : « أيها الغبيان والبطيئا القلوب في الإيمان بجميع ما تكلم به الأنبياء » ( لوقا 24: 25 ) ، وقوله لبطرس  : « اذهب عني يا شيطان » ( متى 16: 23 ) .

وكذا شتم الأنبياء وشبههم باللصوص في قوله : « قال لهم يسوع أيضًا : الحق الحق أقول لكم : إني أنا باب الخراف . جميع الذين أتوا قبلي هم سراق ولصوص » ( يوحنا 10: 7-8 ) .

وهذا السباب وغيره يستحق فاعله ، بل فاعل ما هو أقل منه نار جهنم ، وذلك حسب العهد الجديد ، يقول متى : « ومن قال : يا أحمق يكون مستوجب نار جهنم » ( متى 5: 22 ) ، وقال بولس متوعدًا الذين يشتمون والذين يشربون الخمر بالحرمان من دخول الجنة : « ولا سكيرون ولا شتامون ولا خاطفون يرثون ملكوت الله » ( 1 كورنثوس 6: 10 ) ، فمن استحق النار ـ وحاشاه عليه الصلاة والسلام ـ هل يصلح ليفدي البشرية كلها ؟!

كما يؤكد المسلمون أن صلب المسيح البريء نيابة عن المذنب آدم وأبنائه حاملي الإثم ووارثيه نوع من الظلم لا تقره الشرائع على اختلاف مصادرها ، ولو عرضت قضية المسيح على أي محكمة بشرية لصدر حكم ببراءته في دقيقتين فقط . فكيف قبِل النصارى أن ينسبوا إلى الله عز وجل الرضا عن مثل هذا الظلم ، هل يرضى الرب العادل أن يؤخذ البريء بذنب المذنب ، وهو ـ عز وجل ـ قادر على العفو والمغفرة .

ويجيب النصارى بأن ليس في الأمر ظلم ، وذلك أن المسيح تطوع بالقيام بهذه المهمة ، بل إن نزول لاهوته من السماء وتأنسه كان لتحقيق هذه المهمة العظيمة المتمثلة بخلاص الناس من الإثم والخطيئة .

وثمة من يتجه اتجاهًا آخر فيرى أن لا ظلم في صلب المسيح ، إذ أن المسيح بتجسده الإنساني قد أصبح خاطئًا متقمصًا شخصية الإنسان المجرم الخاطئ، وعليه فقد استحق قول التوراة : « النفس التي تخطئ هي تموت » ( حزقيال 18: 4)([126]).

 والقول بتبرع المسيح البريء بالصلب عن الخطاة مردود من وجوه عدة : 

منها، أن المسيح لا يحق له أن يرضى عن مثل هذا الصنيع ، فهذا من الانتحار لا الفداء . فقاطع يده أو قاتل نفسه مذنب ، مع أن ذلك برضاه ووفق إرادته . 

ومنها، أن المسيح صدرت منه تصرفات كثيرة تدل على هروبه من اليهود وكراهيته للموت على أيديهم ، ولو كان قد جاء لهذه المهمة ، فلم هرب منها مرارًا ، وصدر عنه ما يشعر بجهله بهذه المهمة . 

فقد هرب المسيح من طالبيه مرارًا ، وحرص على النجاة من مكائدهم . 
( انظر يوحنا 8: 59 ، 10: 39 ، 11: 53) .

 ولما رأى إصرارهم على قتله لم يسلم نفسه ، بل خرج من أورشليم ، وقال : « بل ينبغي أن أسير اليوم وما يليه ، لأنه لا يمكن أن يهلك بني خارجًا عن أورشليم » ( لوقا 13: 33 ) .

لذا اختار الجليل ملاذًا له من مؤامرة اليهود « وكان يسوع يتردد بعد هذا في الجليل، لأنه لم يرد أن يتردد في اليهودية ، لأن اليهود كانوا يطلبون أن يقتلوه » ( يوحنا 7: 1 ) .

وصار المسيح يتخفى حين تجبره الظروف على الظهور « فمن ذلك اليوم تشاوروا ليقتلوه ، فلم يكن يسوع يمشي بين اليهود علانية » ( يوحنا 11: 54 ) .

 ولما أحس بالمؤامرة أمر تلاميذه بشـراء سيوف ليدفعوا بها عنه . 
( انظر لوقا 22: 36-38 ) .

ثم هرب إلى البستان ، وصلى طويلًا وحزن واكتئب وتصبب عرقه وهو يطلب من الله « إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس » ( متى 26: 39 ) ، لقد طلب من الله أن يصرف عنه كأس الموت .

ثم لما وضع على الصليب ـ كما زعموا ـ صرخ : « إيلي إيلي ، لم شبقتني » ، أي: إلهي إلهي ، لماذا تركتني ؟ ( متى 27: 46 ) ، فلم يكن راضيًا عن صلبه ، ولا عالمًا بالمهمة التي زعموا أنه جاء لأجلها .

وصراخ المصلوب اليائس على الصليب اعتبرته دراسة صموئيل ريماروس ( ت 1778م ) حجة أساس في نتائجه التي توصل إليها بعد دراسته الموسعة ، فاعتبره دالًا على أن المسيح لم يخطر بباله أنه سيصلب ، خلافًا لما تقوله الأناجيل ([127]) .

ومنها : أن المسيح لم يخبر عن هذه المهمة أحدًا من تلاميذه ، وأن أحدًا منهم لم يعرف شيئًا عن ذلك ، كما لم تخبر به النبوات على جلالة الحدث وأهميته .

ثم إنه قال قبيل الصلب والفداء المفترض : « أنا مجدتك على الأرض ، العمل الذي أعطيتني لأعمل ، قد أكملته » ( يوحنا 17: 5 ) ، فقد أكمل عمله على الأرض قبل الصلب ، فكيف يقال : إنه جاء ليصلب ، وقد أكمل عمله الذي لأجله جاء ، ولما يصلب بعد .

وأخيرًا : هل تقبل محكمة عادلة متحضرة أن تأخذ البريء المتطوع لحمل وزر الخطيئة بذنب المجرم الخاطئ ؟ إن أحدًا من البشر لا يصنع مثل هذا الخَرق ، ومن باب أولى أن يتنزه الله الحكيم عنه .

لم أُرسل المسيح ؟ 

يحصر النصارى مهمة المسيح المتجسد بالصلب ليتحقق الحب الإلهي للبشر، والمتمثل بالفداء والخلاص من خطيئة أبينا آدم والخطية الموروثة لذريته ، كما قال يوحنا : « هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد ، لكي لا يهلك كل من يؤمن به ، بل تكون له الحياة الأبدية » ( يوحنا 3: 16 ) . 

وهو « الذي لم يشفق على ابنه ، بل بذله لأجلنا أجمعين » ( رومية 8: 32 ) . 

ونص يوحنا قول مهم في بيان مهمة المسيح ، لكن أحدًا لم يذكره غير كاتب يوحنا المجهول ، فإما أن يكون القول من عنده كذبًا وزورًا ، وإما أن نقول بأن الإنجيليين الثلاثة فرطوا أيما تفريط في ذكر أهم مقتضيات إرسال المسيح .

ويكذب هذا النص المهمات التي أطبقت على ذكرها الأناجيل ، فإن آدم والخطيئة الأصلية لم يردا على لسان المسيح أبدًا ، فضلًا عن الزعم بأنه جاء من أجل تكفير هذه الخطيئة ، يقول فيلسيان شالي : « ومن الغريب أن هذه الفكرة لا توجد ، لا في أعمال الأنبياء ، ولا في الأناشيد ، ولا في الأناجيل ، ولا يشير إليها يسوع بأي إشارة، والقديس بولس هو الذي يؤكد أن الخطيئة قد دخلت العالم بسبب آدم ، ثم إن القديس أوغسطين هو الذي أعطى هذا التصور أهمية من الطراز الأول » ([128]) .

ولقد قصر عيسى ÷ مهمته التي جاء من أجلها بتذكير الناس بالقيامة والحساب وبعثة النبي الخاتم « قد تم الزمان واقترب ملكوت الله ، فتوبوا وآمنوا بالإنجيل » ( مرقس 1: 14 ) .

واستمر في دعوته قائلًا : « إنه ينبغي لي أن أُبشر المدن الأخر أيضًا بملكوت الله، لأني لهذا قد أُرسلت » ( لوقا 4: 43 ) . 

ومن مهماته إتمام الناموس ، لذا تجده يقول : « لا تظنوا أني أتيت لأنقض الناموس ، أو الأنبياء ، ما جئت لأنقض ، بل لأكمل » ( متى 5: 17 ) .

 وأعظم مهماته ÷ الدعوة لتوحيد الله « وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ، ويسوع المسيح الذي أرسلته ، أنا مجدتك على الأرض ، العمل الذي أعطيتني لأعمل ، قد أكملته » ( يوحنا 17: 3-4 ) .

ونص يوحنا السالف ( يوحنا 3: 16 ) معارض أيضًا بسؤال المسيح الله أن يجيز عنه كأس الصلب ، فلو كانت تلك مهمته لما جاز سؤاله بإجازة الكأس عنه .

وأما قول بولس في ( رومية 8: 32 ) فهو لا يشعر برضا المسيح ، بل ناطق بظلم وقسوة لا يصح أن ينسبا إلى الله ، ويرِد عليه ما يرِد على نص يوحنا . 

وقد زعم يوحنا أن محبة الله للبشرية هي سبب صلب المسيح فداء عن العالمين. فماذا عن محبة الله للمسيح الذي لم يشفق عليه ، وأسلمه لأشنع قتلة وإهانة . فكان كما وصفه بولس : « لم يشفق على ابنه ، بل بذله لأجلنا أجمعين » ( رومية 8: 32 ) .

أفما كان له نصيب في هذا الحب ؟ ولم يصر النصارى على الحب الممزوج بالدماء ؟ هل أرسل الله خالق الكون العظيم ابنه الوحيد إلى هذه البشرية التي لا تساوي في مجموعها كوكبًا من الكواكب المتناهية في الصغر ، لكي يعاني موتًا وحشيًا قاسيًا على أعواد الصليب ، لترضية النقمة الإلهية ـ المزعومة ـ على البشر ، ولكي يستطيع أن يغفر للبشرية ذنبها ، على شرط أن تعلن البشرية اعترافها بهذا العمل الهمجي ؟ هل هذا ما يريد منا النصارى تصوره !

يقول ريتشارد هوكنز ( 1585م ) وهو يلاحظ ما يكتنف صلب البريء من القسوة والظلم ، فيقول : « فليحسبه البعض جهالة أو جنونًا أو ثورة غضب .. أو مهما كان فإنا نحسبه حكمة وتعزية » ([129]) .

ثم إن كان خطأ آدم قد احتاج لتجسد إله وصلبه من أجل أن يُغفر ، فكم تحتاج معاصي بنيه من آلهة تصلب ؟ إن جريمة قتل المسيح التي يدعيها النصارى أعظم وأكبر من معصية آدم ، وأعظم منها ما نسبه القوم إلى أنبيائهم من القبائح التي لا تصدر إلا عن حثالة البشر .

يقول فولتير : « إذا كانت المسيحية تعتبرنا خطاة حتى قبل أن نولد ، وتجعل من خطيئة آدم سجنًا للبريء والمذنب . فما ذنب المسيح كي يصلب أو يقتل ؟ وكيف يتم الخلاص من خطيئة بارتكاب خطيئة أكبر ؟ » ([130]) .

ولنا أن نتساءل : لم كان طريق الخلاص عبر إهلاك اليهود وتسليط الشيطان عليهم وإغراء العداوة بين اليهود والنصارى قرونًا طويلة . إن الحكمة تفرض أن يكون الفداء بأن يطلب المسيح من تلاميذه أن يقتلوه ، ويجنب اليهود معثرة الشيطان ، ويقع الفداء .

وهكذا أسئلة كثيرة تلح تبحث عن الإجابة ، وما من مجيب !

 

 


من الذي خلص بصلب المسيح 
حار المحققون في فهم نصوص الفداء المتناقضة ، كما حاروا في فهم ما يريده النصارى من الغفران ، هل الغفران خاص بالنصارى أم أنه عام لكل البشر ، وهل هو خاص بذنب آدم الموروث أم أنه عام في جميع الخطايا ؟ 

كما تبقى في ذمة النصارى أسئلة تحير الإجابة عنها ، إن كان من إجابة . 

منها : لماذا تأخر صلب المسيح طوال هذه القرون ؟ هل كان ثمة حيرة في البحث عن الحل فكان سببًا في التأخير . لماذا لم يصلب المسيح بعد ذنب آدم مباشرة؟ أو لماذا لم يتأخر الصلب إلى نهاية الدنيا بعد أن يذنب جميع الناس ليكون الصلب تكفيرًا لذنوب هؤلاء جميعًا .

ثم ما هو مصير أولئك الذين ماتوا قبل الصلب ، ماتوا وقد تسربلوا بالخطيئة ؟ أين كان مصيرهم إلى أن جاء المسيح فخلصهم ؟ لماذا تأخر خلاصهم ؟

والسؤال الأهم تحديد من الذين يشملهم الخلاص ؟ هل هو لكل الناس أم للمؤمنين فقط ؟ وهل هو خلاص من جميع الخطايا أم من خطيئة آدم فقط ؟ 

لعل الإجابة عن هذين السؤالين من أصعب النقاط التي تواجه الفكر المسيحي، فالكنيسة تقول : « آمنوا بأن المسيح صلب لخلاصكم فتخلصون ، لأن صلبه فداء لكل خطايا البشر وتكفير لها » .

ولنتأمل في إجابة النصارى عن هذه الأسئلة التي طرحناها .

تشترط الكنائس التقليدية الإيمان كمدخل للخلاص، فلا استحقاق لغير المؤمنين، ويضيفون إليه التعميد « من آمن واعتمد خلص، ومن لم يؤمن يدن » (مرقس 16: 16)، وهكذا «في المعمودية ننال استحقاقات دم المسيح للمغفرة، فتغفر لنا جميع الخطايا السابقة للمعمودية، سواء الخطية الأصلية الجدية أو الخطايا الفعلية السابقة للمعمودية. ومادامت الخطية الأصلية قد غفرت، فلا داعي لتكرار المعمودية إذن. أما الخطايا الفعلية التي يرتكب بعد المعمودية فتغفر بواسطة سر التوبة»([131]).

يقول أوغسطينوس بأن الإنسان وارث للخطيئة ، غير مفدي إلا إذا آمن بالمسيح، ودلالة الإيمان التعميد ، فمن عمد فدي ونجا ، ومن لم يُعمد لا ينجو ، ولو كان طفلًا، فإن الأطفال الذين ماتوا قبل التعميد يقول عنهم توماس الأكويني في كتابه : (The Summa Theologica ) : « سوف لا يتمتعون برؤية ملكوت الرب » . 

ويقول الأنبا ساويرس ابن المقفع: «بسبب خطيئة آدم يموت كل من يموت من جميع ذريته ، ينزل إلى الجحيم، حتى الأطفال الذين لم يخطئوا أ»([132]).

ولا ندري كيف يبرر أوغسطينوس والأكويني وسائر النصارى تعذيب هؤلاء الأطفال وحرمانهم من الملكوت ، لا بذنب أذنبوه ، بل بخطيئة أورثوها من غير حول لهم ولا قوة ، ثم قصر آباؤهم فلم يعمدوهم . 

وأما الذين ماتوا قبل المسيح فإن أوغسطينوس يرى في كتابه ( On Original Sin ) بأنهم أيضًا لا ينجون إلا بالإيمان بالمسيح ([133]) .

ولم يبين أوغسطينوس كيف يتسنى لهؤلاء الإيمان بالمسيح وقد ماتوا ، ولعله أراد ما قاله بطرس عن أن المسيح « ذهب فكرز للأرواح التي في السجن ، إذ عصت قديمًا ، حين كانت أناة الله تنتظر مرة في أيام نوح .. » ( 1 بطرس 3: 19 ) ، ومراده ما يقوله النصارى بدخول المسيح إلى الجحيم وإخراجه أرواح الناجين منها، ومنهم الأنبياء والبررة الماضون، يقول الأنبا ساويرس ابن المقفع: « ألقى الشيطان الآباء الصديقين الذين لم يطيعوا شهواته؛ إبراهيم وإسحاق ويعقوب وغيرهم من الصديقين والأنبياء في الجحيم، ألقاهم من أجل مخالفة آدم أبيهم، غير أن النار لم تكن تحرقهم كما أحرقت الكلدانيين أ»([134]). 

هل لغير الإسرائيليين خلاص ؟ 

إن المتأمل في سيرة المسيح وأقواله يرى بوضوح أن دعوة المسيح كانت لبني إسرائيل ، وأنه خلال سني دعوته نهى تلاميذه عن دعوة غيرهم ، وعليه فالخلاص أيضًا يجب أن يكون خاصًا بهم ، وهو ما نقرأه جليًا في قصة المرأة الكنعانية التي قالت له: « ارحمني يا سيد يا ابن داود . ابنتي مجنونة جدًا ، فلم يجبها بكلمة واحدة ، فتقدم إليه تلاميذه ، وطلبوا إليه قائلين : اصرفها لأنها تصيح وراءنا ، فأجاب وقال : لم أرسل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة ، فأتت وسجدت له قائلة : يا سيد أعني ، فأجاب وقال : ليس حسنًا أن يؤخذ خبز البنين ويطرح للكلاب » ( متى 15: 22-26) ، فالمسيح لم يبادر إلى شفاء ابنة المرأة الكنعانية ، وهو قادر عليه ، وعلل سبب توقفه عن شفاء الابنة المريضة ، بأنها ليست من خراف بيت إسرائيل التي أرسل لها ، فامتنع أول مرة عن شفائها ، لأنها ليست من شعبه ، فمن كان هذا فعله فكيف يقال بأنه قدم روحه بالفداء عن البشرية جمعاء ؟ 

ويوضح عبد الأحد داود ـ في كتابه الإنجيل والصليب ـ هذا المعنى بقوله : « فها أنذا أقول لهؤلاء المسيحيين الذين يبلغ عددهم الملايين ، وهم ليسوا من الإسرائيليين : انظروا ، إن مسيحكم لم يعرفكم قطعًا ، ولم ينقل عنه أنه قال عنكم حرفًا واحدًا ، بل إنه سمى غير الإسرائيليين كلابًا .. أتعلمون ماذا أنتم حسب شريعة موسى ؟ إن الذين لم يختتنوا إنما يعدون ملوثين ( نجسًا ) » .

ويقول أيضًا في تعليقه على قصة المرأة الكنعانية : « المسيح لم يكن ليفدي أحدًا بحياته ، بل لم يكن يسمح بتقديم قلامة من أظفاره هدية للعالم ، فضلًا عن أنه لم يتعهد للروس والإنجليز والأمريكيين بالنجاة ، لأنه لم يعرفهم .. » ([135]) .

فكما كانت رسالته خاصة في بني إسرائيل ، فإن خلاصه خاص ببني إسرائيل ، بدليل اشتراطهم الإيمان به لحصول الخلاص ، وهو أمر لا دليل عليه ، حيث إن صلب المسيح وموته لا علاقة له بإيمان هؤلاء أو كفرهم ، فالصلب قد تم من أجل الخطايا برمتها ، كما ذكرت النصوص ذلك غير مرة . ( انظر يوحنا 3: 16-17 ، و1 يوحنا 2: 2).

والإصرار على نجاة المؤمنين فقط يجعل تجسد الإله وصلبه نوعًا من العبث ، فهو لم يؤد ما بعث من أجله ، إذ عدد المؤمنين بمسألة الفداء أقل بكثير من المنكرين له .

 ويرِد هنا سؤال يدل على ضبابية فكرة الخلاص وتأرجحها بين اليهود والأمميين : ما معنى قول بولس وهو يخاطب نصارى أهل كورنثوس فيقول : « إنه يتضايق لأجل خلاصهم » ( 2 كورنثوس 1: 6 ) ، فهل حرموا من النجاة لأنهم ليسوا يهودًا ، وإذا كان الخلاص غير خاص باليهود فمم يخاف بولس ويحذر ، والمفروض أن أهل كورنثوس قد خلصوا ونجوا ، فمم يخاف بولس عليهم ؟ .

 

 
نقض الناموس وإبطاله

إن أبرز ما يلحظه الدارس لعقيدة الفداء اقترانها ببولس منذ نشأتها ، وقد أراد بولس منها أن تكون ذريعة لإلغاء وإبطال الشريعة والناموس ، حيث جعل الخلاص بالإيمان فحسب ، من غير حاجة للعمل الصالح ، فأضحى الفداء ليس مجرد خلاص من الذنوب ، بل هو خلاص حتى من العمل الصالح .

وقد أكثر بولس ([136]) من التجريح للشريعة الموسوية التي كان المسيح ÷ يعظمها ويلتزم بأحكامها ، ومن ذلك قوله عن نظام الكهنوت التوراتي : « فإنه يصير إبطال الوصية السابقة من أجل ضعفها وعدم نفعها ، إذ الناموس لم يكمل شيئًا ، ولكن يصير إدخال رجاء أفضل به نقترب إلى الله » ( عبرانيين 7: 18-19 ) . 

ويواصل كاتب رسالة العبرانيين التجني على التوراة والناموس ، فيصف ناموس الكهنوت ـ الذي أتى عيسى ÷ لإكماله وغيره من شرائع التوراة ـ بالعتق والشيخوخة والتهافت ، فيقول : « وأما ما عتق وشاخ فهو قريب من الاضمحلال » ( عبرانيين 8: 13 ) .

ويقول عنه : « فإنه لو كان ذلك الأول بلا عيب ، لما طُلب موضعٌ لثانٍ » ( عبرانيين 8: 7 ) . 

ويتجنى بولس على شريعة الله فيعتبرها سببًا للخطيئة ، فيقول : « لم أعرف خطيئة إلا بالناموس ، فإني لم أعرف الشهوة لو لم يقل الناموس : لا تشته .. لأن بدون الناموس الخطيئة ميتة .. لما جاءت الوصية عاشت الخطيئة ، فمتُّ أنا » ( رومية 7: 7-9 ) .

ويسمي بولس الشريعة الإلهية المنزلة على الأنبياء لعنة فيقول : « المسيح افتدانا من لعنة الناموس » ( غلاطية 3: 13 ) . 

ويبرر تسميته أوامر الله وشريعته باللعنة ، بأنها سبب حلول اللعنة عند عدم الامتثال لأوامره تبارك وتعالى « لأن جميع الذين هم من أعمال الناموس هم تحت لعنة ، لأنه مكتوب : ملعون كل من لا يثبت في جميع ما هو مكتوب في الكتاب الناموس ليعمل به ، ولكن إن ليس أحد يتبرر بالناموس عند الله » ( غلاطية 3: 10-11 ) .

ويعلن عن عدم الحاجة إلى هذا الناموس بعد صلب المسيح : « قد كان الناموس مؤدبنا إلى المسيح لكي نتبرر بالإيمان ، ولكن بعد ما جاء الإيمان لسنا بعد تحت مؤدب » ( غلاطية 3: 24-25 ) .

ويؤكد إبطال الناموس فيقول : « سلامنا الذي جعل الاثنين واحد .. مبطلًا بجسده ناموس الوصايا » ( أفسس 2: 14-15 ) ، فقد بطل الناموس لأن « الإنسان لا يتبرر بأعمال الناموس ، بل بإيمان يسوع ، لأنه بأعمال الناموس لا يتبرر جسد ما » ( غلاطية 2: 16 ) .

يقول الأب متى المسكين : « فبموته ألغى الناموس ، وبإلغاء الناموس أُلغيت الخطية ، وبإلغاء الخطية أُلغي الموت ، وبإلغاء الموت أُلغيت الهاوية .. فلم يعد بعد موته خطية » ([137]) .

وأما أولئك الذين يصرون على العمل بالناموس والنجاة من خلال التزام أوامر الله ، فيرى بولس ـ الذي لم يتشرف برؤية المسيح ـ أنهم يسيئون للمسيح المخلص « قد تبطلتم عن المسيح أيها الذين تتبررون بالناموس » ( غلاطية 5: 4 ) ، لأنه « إن كان بالناموس بر ، فالمسيح إذا مات بلا سبب » (غلاطية 2: 21 ) ، « أبناموس الأعمال ، كلا ، بل بناموس الإيمان ، إذًا نحسب أن الإنسان يتبرر بالإيمان ، بدون أعمال الناموس » ( رومية 3: 27-28 ) .

وينعي بولس على اليهود الذين يطلبون البر عن طريق الإيمان ، من غير أن يدركوه كما أدركته الأمم التي آمنت ولم تعمل بأحكام الناموس « إن الأمم الذين لم يسعوا في أثر البر أدركوا البر ، البر الذي بالإيمان ، ولكن إسرائيل وهو يسعى في أثر ناموس البر ، لم يدرك ناموس البر ، لأنه فعل ذلك ليس بالإيمان ، بل كأنه بأعمال الناموس ، فإنهم اصطدموا بحجر الصدمة » ( رومية 9: 30-31 ) . 

ويقول أيضًا : « الذي خلصنا ودعانا دعوة مقدسة ، لا بمقتضى أعمالنا ، بل بمقتضى القصد والنعمة التي أعطيت لنا في المسيح يسوع ، الذي أبطل الموت ، وأنار الحياة والخلود » ( 2 تيموثاوس 1: 9-10 ) .

ويواصل : « ظهر لطف فخلصنا الله وإحسانه ، لا بأعمال في بر عملناها نحن ، بل بمقتضى رحمته خلصنا بغسل الميلاد الثاني وتجديد الروح القدس » ( تيطس 3: 4-5 ) .

ولذلك فإن بولس يرى أن لا حاجة إلى الشريعة والناموس ، ويعلن إباحته لكل المحرمات من الأطعمة مخالفًا التوراة وأحكامها ( انظر التثنية 14: 1-24) ، فيقول : « أنا عالم ومتيقن في الرب يسوع أن لا شيء نجس في حد ذاته ، ولكنه يكون نجسًا لمن يعتبره نجسًا » ( رومية 14: 14 ) ، ويقول : « كل شيء طاهر للأطهار ، وما من شيء طاهر للأنجاس » (تيطس 1:  15 ) ، « لأن كل خليقة الله جيدة ، ولا يرفض شيء إذا أخذ مع الشكر » ( 1 تيموثاوس 4: 4 ) ، وكذا فالمسيح بدمه المسفوح « محا الصك الذي علينا في الفرائض .. فلا يحكم عليكم أحد في أكل أو شرب أو من جهة عيد أو هلال أو سبت » ( كولوسي 2: 14-16 ) . 

وهكذا وفي نصوص كثيرة أكد بولس أن لا فائدة من العمل الصالح والشريعة في تحصيل النجاة ، وأن البر إنما يتحقق بالإيمان وحده .

وقد كان لهذه النصوص البولسية صدى كبير في النصرانية ونظرتها للشريعة . 

فيقول لوثر أحد مؤسسي المذهب البروتستانتي : « إن الإنجيل لا يطلب منا الأعمال لأجل تبريرنا ، بل بعكس ذلك ، إنه يرفض أعمالنا .. إنه لكي تظهر فينا قوة التبرير يلزم أن تعظم آثامنا جدًا ، وأن تكثر عددها » ، وهذا المعنى يستوحيه المصلح الإنجيلي الشهير من رسالة بولس إلى أهل رومية : « وأما الناموس فدخل لكي تكثر الخطية ، ولكن حيث كثرت الخطية ازدادت النعمة جدًا » ( رومية 5: 20 ) . 

ويقول في تعليقه على يوحنا 3: 16 : « أما أنا فأقول لكم إذا كان الطريق المؤدي إلى السماء ضيقًا وجب على من رام الدخول فيه أن يكون نحيلًا رقيقًا .. فإذا ما سرت فيه حاملًا أعدالًا مملوءة أعمالًا صالحة ، فدونك أن تلقيها عنك قبل دخولك فيه ، وإلا لامتنع عليك الدخول بالباب الضيق .. إن الذين نراهم حاملين الأعمال الصالحة هم أشبه بالسلاحف ، فإنهم أجانب عن الكتاب المقدس . وأصحاب القديس يعقوب الرسول (أعني بهم : الذين يتمسكون برسالته الآمرة بضرورة الأعمال الصالحة) ، فمثل هؤلاء لا يدخلون أبدًا » ([138]).

ويقول : « إن السيد المسيح كي يعتق الإنسان من حفظ الشريعة الإلهية قد تممها هو بنفسه باسمه ، ولا يبقى على الإنسان بعد ذلك إلا أن يتخذ لنفسه ، وينسب إلى ذاته تتميم هذه الشريعة بواسطة الإيمان ، ونتيجة هذا التعليم هو أن لا لزوم لحفظ الشريعة ، ولا للأعمال الصالحة » .

 ويقول الإصلاحي الشهير فيليب ملانكثون (ت 1560م) في كتابه ( الأماكن اللاهوتية ) : « إن كنت سارقًا أو زانيًا أو فاسقًا لا تهتم بذلك ، عليك فقط أن لا تنسى أن الله هو شيخ كثير الطيبة ، وأنه قد سبق وغفر لك خطاياك قبل أن تخطئ بزمن مديد» .

ويقول القس لبيب ميخائيل : « الأعمال الصالحة حينما تؤدى بقصد الخلاص من عقاب الخطيئة تعتبر إهانة كبرى لذات الله ، إذ أنها دليل على اعتقاد من يقوم بها ، بأن في قدرته إزالة الإساءة التي أحدثتها الخطيئة في قلب الله عن طريق عمل الصالحات .. وكأن قلب الله لا يتحرك بالحنان إلا بأعمال الإنسان ، وياله من فكر شرير ومهين  » ([139]) .

وهذا كله مستقى من بولس حين قال : « الإنسان لا يتبرر بأعمال الناموس .. لأنه بأعمال الناموس لا يتبرر جسد ما .. لأنه إن كان الناموس بر ، فالمسيح إذًا مات بلا سبب » ( غلاطية 2: 16-21 ) .

وهكذا كانت عقيدة الخلاص البولسية سبيلًا لإلغاء الشريعة والتحلل من التزاماتها .

الخلاص والأعمال عند المسيح وتلاميذه :

وإذا كان بولس ولوثر لا يريان للأعمال والناموس أثرًا في تبرير الإنسان وفدائه ؛ فإن نصوصًا كثيرة تشهد بغرابة هذه الفكرة عن المسيح وأتباعه ، إذ الأعمال حسب تعليمهم هي الطريق إلى ملكوت الله الأخروية . 

ومن ذلك أن المسيح أمر بالتزام الشريعة « خاطب يسوع الجموع وتلاميذه قائلًا : على كرسي موسى جلس الكتبة والفريسيون ، فكل ما قالوا لكم أن تحفظوه فاحفظوه وافعلوه ، ولكن حسب أعمالهم لا تعملوا ، لأنهم يقولون ولا يفعلون » ( متى 23: 1-3 ) .

وفي شأن الناموس وتعظيمه قال : « لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء ، ما جئت لأنقض ، بل لأكمّل ، فإني الحق أقول لكم : إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل » ( متى 5:  17-18 ) ، فهو مخالف لبولس الذي زعم أن المسيح أبطل الناموس بجسده المعلق على الصليب .

هذا ولم يذكر المسيح في نصائحه لأتباعه شيئًا عن الخلاص بغير عمل ، فقد جاءه رجل : « وقال له : أيها المعلم الصالح : أية صلاح أعمل لتكون لي الحياة الأبدية؟ 

فقال له : لماذا تدعوني صالحًا ، ليس أحد صالح إلا واحد ، وهو الله ، ولكن إن أردت أن تدخل الحياة فاحفظ الوصايا . قال له : أية الوصايا ؟ فقال يسوع : لا تقتل . لا تزن. لا تسرق . لا تشهد بالزور .. » ( متى 19: 16-20 ) ، فلم يطلب منه المسيح الإيمان فقط ، بل طالبه بالعمل بما جاء في وصايا موسى ÷ ( انظر الخروج 20: 1-7 ) .

وفي مرة أخرى قال المسيح لتلاميذه : « فإني أقول لكم : إن لم يزد بِركم على الكتبة والفريسيين ، فلن تدخلوا ملكوت السماوات » ( متى 5: 20 ) ، فلئن كان بطرس ويوحنا محجوبين عن الملكوت إلا بعمل صالح يشفع لهما ، فماذا عن مصير أولئك الذين تبعوا بولس وأبطلوا الناموس .

ويشرح العلامة ديدات النص ، فيقول : « أي لا جنة لكم حتى تكونوا أفضل من اليهود . وكيف تكونون أفضل من اليهود ، وأنتم لا تتبعون الناموس والوصايا ؟ » .

وفي موضع آخر يقول المسيح ، وهو ينبه إلى أهمية الكلام وخطر اللسان ، فيقول : « أقول لكم : إن كل كلمة بطالة يتكلم بها الناس سوف يعطون عنها حسابًا يوم الدين ، لأنك بكلامك تتبرر ، وبكلامك تدان » ( متى 13: 36-37 ) .

والذين يعملون الصالحات هم فقط الذين ينجون يوم القيامة من الدينونة ، فيما يحمل الذين عملوا السيئات إلى الجحيم ، من غير أن يكون لهم خلاص بالمسيح أو غيره ، « تأتي ساعة فيها يسمع جميع الذين في القبور صوته ، فيخرج الذين فعلوا الصالحات إلى قيامة الحياة ، والذين عملوا السيئات إلى قيامة الدينونة » ( يوحنا 5: 28-29 ) .

وأكد المسيح على أهمية العمل الصالح والبر ، فقال للتلاميذ : « ليس كل من يقول لي : يا رب يا رب ، يدخل ملكوت السموات . بل الذي يفعل إرادة أبي الذي في السموات ، كثيرون سيقولون لي في ذلك اليوم : يا رب يا رب ، أليس باسمك تنبأنا ، وباسمك أخرجنا شياطين ، وباسمك صنعنا قوات كثيرة ، فحينئذ أصرّح لهم : إني لم أعرفكم قط . اذهبوا عني يا فاعلي الإثم » ( متى 7: 20-21 ) ، فهؤلاء الذين يصنعون المعجزات والقوات باسم المسيح ، سيتنكر لهم ويتخلى عنهم يوم القيامة ، لما ارتكبوه من الموبقات ، أي لمخالفتهم ناموس الله وشريعته .

وأيضًا ، فإن المسيح طلب من تلاميذه ـ بعد القيامة ـ أن يكرزوا ويدعوا الناس للتوبة من ذنوبهم ليحصلوا على غفران الخطايا ، فقد أمر كل واحد منهم « أن يُكرز باسمه بالتوبة ومغفرة الخطايا لجميع الأمم » ( لوقا 24: 47 ) ، ولو كان الخلاص متحققًا بالإيمان لكانت الدعوة إلى التوبة ضربًا من ضروب العبث وإضاعة الأوقات والتنكر للهبات .

وقد ضرب المسيح ÷ لتلاميذه مثلًا ، بيّن فيه حال العامل بالناموس فقال لهم: « لماذا تدعونني : يا رب يا رب ، وأنتم لا تفعلون ما أقوله ؟ كل من يأتي إلي ، ويسمع كلامي ، ويعمل به ، أريكم من يشبه ؟ 

يشبه إنسانًا بنى بيتًا وحفر وعمق ، ووضع الأساس على الصخر ، فلما حدث سيل صدم النهر ذلك البيت ، فلم يقدر أن يزعزعه ، لأنه كان مؤسسًا على الصخر . 

وأما الذي يسمع ولا يعمل ، فيشبه إنسانًا بنى بيته على الأرض ، ومن دون أساس، فصدمه النهر حالًا ، وكان خراب ذلك البيت عظيمًا » ( لوقا 6: 46-49 ) . 

والمسيح ÷ لم يعلم شيئًا عن رفع الشريعة ونسخها بدمه كما زعم بولس ، لذا نراه وعبر أقواله وأفعاله يؤكد على العمل بالناموس في مستقبل الأيام ، فها هو يحذر تلاميذه مما سيصيبهم حين ظهور رجسة الخراب التي أخبر عنها دانيال ، ويشفق عليهم أن تكون في سبت أو شتاء ، حيث يصعب الهرب في الشتاء ، ويمتنع ديانة في السبت ، الذي كان يحترمه المسيح ، كما أمر بذلك ناموس موسى ، يقول : «فمتى نظرتم رجسة الخراب التي قال عنها دانيال النبي قائمة في المكان المقدس ، ليفهم القارئ ، فحينئذ ليهرب الذين في اليهودية إلى الجبال .. وصلّوا لكي لا يكون هربكم في شتاء ولا في سبت ، لأنه يكون حينئذ ضيق عظيم لم يكن مثله منذ ابتداء العالم إلى الآن» ( متى 24: 15-21 ) .

وكذا النسوة اللاتي تبعن جنازة المصلوب لم يعرفن شيئًا عن رفع الشريعة ونسخها بموت المسيح ، فقد استرحن في السبت معظمات للوصية التوراتية « فرجعن وأعددن حنوطًا وأطيابًا ، وفي السبت استرحن حسب الوصية » ( لوقا 23: 56 ) ، فما بال النصارى اليوم يعملون بالسبت ولا يحترمونه ، كما يصنع اليهود ! 

لقد أدرك المسيح والنسوة أن العمل يوم السبت خرق للشريعة الأبدية التي أمر الله بها في التوراة ، فقد جاء فيها « أما اليوم السابع ففيه سبت عطلة مقدّس للرب ، كل من صنع عملًا في يوم السبت يقتل قتلًا ، فيحفظ بنو إسرائيل السبت ، ليصنعوا السبت في أجيالهم عهدًا أبديًا ، هو بيني وبين بني إسرائيل علامة إلى الأبد » ( الخروج 31: 15-17).

وليس عهد السبت العهد الأبدي الوحيد الذي هجره النصارى مما ألزمتهم به شريعة الله ، بل الختان أيضًا ، فقد جاء في سفر التكوين « يختن ختانًا وليد بيتك والمبتاع بفضتك ، فيكون عهدي في لحمكم عهدًا أبديًا ، وأما الذكر الأغلف الذي لا يختن في لحم غرلته ، فتقطع تلك النفس من شعبها ، إنه قد نكث عهدي » ( التكوين 17: 13-14) ، ويشاركهم في هذه الشـريعة النازل في أرضهم ، المشارك في فصحهم من الأمم . ( انظر الخروج 12: 48 ) إن الذين لا يختتنون من نصارى اليوم قد نكثوا عهد الله الأبدي ، وتبطلوا عن شرعه وهديه .

أما يخشى هؤلاء المتبطلون عن ناموسه أن تصيبهم لعنة من الله ، فإنه « ملعون من لا يقيم كلمات هذا الناموس ، ليعمل بها » ( التثنية 27: 26 ) .

ولو تأملنا الحوار الذي جرى قبل وأثناء مجمع أورشليم الأول الذي اجتمع فيه التلاميذ للمباحثة حول إسقاط شريعة الختان وغيرها من الشرائع اليهودية ، لو تأملنا ذلك لعرفنا بأن إبطال الشرائع الموسوية كان اجتهادًا من المجمع لكسب الأمم إلى المسيحية ، ولم يكن بأمر المسيح ÷ ، فقد بقي قوم من المؤمنين يدعون إلى إقامة هذه الشرائع بعد رفع المسيح بزمن ، ولو كان قد بلغهم عنه إبطال الشريعة بدمه لاحتج به بعض المجتمعين في مجمع أورشليم ، الذي انعقد بسبب إصرار بعض التلاميذ على التزام الأممين بالشريعة الموسوية « وانحدر قوم من اليهودية ، وجعلوا يعلمون الإخوة أنه إن لم تختتنوا حسب عادة موسى لا يمكنكم أن تخلصوا .. ولكن قام أناس من الذين كانوا قد آمنوا من مذهب الفريسيين وقالوا : إنه ينبغي أن يختنوا ويوصَوا بأن يحفظوا ناموس موسى ، فاجتمع الرسل والمشايخ لينظروا في هذا الأمر » ( أعمال 15: 1-6 ) .

وهنا وقفة لابد منها ، إذ النصارى يزعمون أن شرائع الناموس مرفوعة عنهم ، وأنها خاصة ببني إسرائيل ، فهذا ما يقوله بولس ومن تابعه في مجمع أورشليم ، إنهم بذلك يخالفون المسيح مرة أخرى ، حيث يقول في نص التثليث الشهير : « فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم ، وعمدوهم باسم الآب والابن وروح القدس ، وعلموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به » ( متى 28:  18-20 ) ، فلئن كان المسيح أمرهم بتبشير الأمم وتنصيرهم ؛ فإنه أمرهم أن ينقلوا إليهم جميع الوصايا التي أوصى بها تلاميذه ، جميعها من غير أن يستثني منها وصية واحدة ، فبماذا أوصى تلاميذه ؟

لقد أوصاهم بحفظ الناموس والشريعة « على كرسي موسى جلس الكتبة والفريسيون ، فكل ما قالوا لكم أن تحفظوه ؛ فاحفظوه وافعلوه » ( متى 23: 1-3 ) ، لكنهم يثبتون مرة أخرى أنهم بولسيون وليسوا مسيحيين .

ويلاحظ أدولف هرنك أن رسائل التلاميذ خلت من معتقد الخلاص بالفداء ، بل إنها جعلت الخلاص بالأعمال كما جاء في رسالة يعقوب « ما المنفعة يا إخوتي إن قال أحد : إنّ له إيمانًا ، ولكن ليس له أعمال ، هل يقدر الإيمان أن يخلصه ؟ .. الإيمان أيضًا إن لم يكن له أعمال ميت في ذاته .. الإيمان بدون أعمال ميت » ( يعقوب 2: 14-20 ) ([140]) .

ويقول : « كونوا عاملين بالكلمة ، لا سامعين فقط ، خادعين نفوسكم » ( يعقوب 1: 22 ) ، ويقول : « الديانة الطاهرة النقية عند الله الآب هي هذه : افتقاد اليتامى والأرامل في ضيقتهم ، وحفظ الإنسان نفسه بلا دنس من العالم » 
( يعقوب 1: 27 ) .

ويقول بطرس كبير الحواريين : « بالحق أنا أجد أن الله لا يقبل الوجوه . بل في كل أمة ، الذي يتقيه ويصنع البر مقبول عنده » ( أعمال 10: 34 ) . 

وأما يوحنا فيقول : « كل من يفعل الخطية يفعل التعدي أيضًا ، والخطية هي التعدي، وتعلمون أن ذاك أُظهر لكي يرفع خطايانا ، وليس فيه خطية ، كل من يثبت فيه لا يخطئ ، كل من يخطئ لم يبصره ولا عرفه ، أيها الأولاد لا يضلّكم أحد ، من يفعل البر فهو بار ، كما أن ذاك بار ، من يفعل الخطية فهو من إبليس ، لأن إبليس من البدء يخطئ ، لأجل هذا أُظهر ابن الله ، لكي ينقض أعمال إبليس ، كل من هو مولود من الله لا يفعل خطية ، لأن زرعه يثبت فيه ، ولا يستطيع أن يخطئ لأنه مولود من الله ، بهذا أولاد الله ظاهرون ، وأولاد إبليس، كل من لا يفعل البر فليس من الله .. » ( 1 يوحنا 3: 4-10 ) .

ويقول : « لنا ثقة من نحو الله ، ومهما سألنا ؛ ننال منه ، لأننا نحفظ وصاياه ونعمل الأعمال المرضية أمامه ، وهذه هي وصيته أن نؤمن باسم ابنه يسوع المسيح ، ونحب بعضنا بعضا ، كما أعطانا وصية ، ومن يحفظ وصاياه يثبت فيه ، وهو فيه » ( 1 يوحنا 3: 21-42 ) ومثل هذا كثير في أقوال المسيح والحواريين . 

والعجب أن بولس نفسه الذي أعلن نقض الناموس وعدم فائدة الأعمال لتحقيق التبرير ، وأن الخلاص إنما يكون بالإيمان ، هو ذاته أكد على أهمية العمل الصالح في مناسبات أخرى ، ويعتبره سبب الخلاص وباب الحياة الأبدية ، منها قوله : « إن الذي يزرعه الإنسان ، إياه يحصد أيضًا .. فلا تفشل في عمل الخير لأننا سنحصده في وقته » ( غلاطية 6: 7) .

ويقول : « بل الذين يعملون بالناموس هم يبررون » ( رومية 2: 13 ) . 

وفي رسالته إلى تيموثاوس يقول بولس : « أوصي الأغنياء .. وأن يصنعوا صلاحًا، وأن يكونوا أغنياء في أعمال صالحة ، وأن يكونوا أسخياء في العطاء ، كرماء في التوزيع ، مدخرين لأنفسهم أساسًا حسنًا للمستقبل ، لكي يمسكوا بالحياة الأبدية » ( 1 تيموثاوس 6: 17-19) .

ويقول : « كل واحد سيأخذ أجرته حسب تعبه » ( 1 كورنثوس 3: 8 ) .

وأخيرًا ، فإن بولس بتنقصه السالف للناموس وإبطاله له مستحق للوعيد الشديد الذي جعله المسيح لمثل هذا الفعل وذلك في قوله : « لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء ، ما جئت لأنقض ، بل لأكمل ، فإني الحق أقول لكم : إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس ، حتى يكون الكل ، فمن نقض إحدى هذه الوصايا الصغرى ، وعلم الناس هكذا يدعى : أصغر في ملكوت السماوات » ( متى 5: 17-19 ) ، فلئن كان ناقض إحدى الوصايا الصغرى يدعى أصغر في ملكوت الله ، فماذا عساه يدعى من نقض وأبطل كل الناموس ؟ !

الدينونة دليل بطلان عقيدة الخلاص :

وتتحدث النصوص المقدسة عند النصارى عن الدينونة والجزاء الأخروي الذي يصير إليه العصاة والمذنبون من النصارى وغيرهم ، وهو مبطل لمعتقدات كافة الفرق النصرانية في الفداء ، وهو مبطل لما زعموه من نسخ الشريعة بصلب المسيح .

فالنصارى يتحدثون في أناجيلهم عن الدينونة التي يعطيها الله يومئذ للمسيح ، ففي يوحنا « وقد أعطاه السلطان لأن يدين ، لأنه ابن إنسان » ( يوحنا 5: 27 ) .

كما تتحدث النصوص ـ المقدسة عندهم ـ أيضًا عن وعيد في النار لبعض البشر ، فدل ذلك على أنهم غير ناجين خلافًا لقول الكثيرين من البروتستانت « متى جاء ابن الإنسان في مجده وجميع الملائكة والقديسين معه ، فحينئذ يجلس على كرسي مجده .. ثم يقول أيضًا للذين عن اليسار : اذهبوا عني يا ملاعين إلى النار الأبدية المعدة لإبليس وملائكته .. » ( متى 25: 31-42 ) .

ومثله قوله : « يرسل ابن الإنسان ملائكته ، فيجمعون في ملكوته جميع المعاثر ، وفاعلي الإثم ، ويطرحونهم في أتون النار » ( متى 13: 41-42 ) .

ومثله أيضًا قول متى : « وأما من قال على الروح القدس فلن يغفر له ، لا في هذا العالم ولا في الآتي » ( متى 12: 32 ) .

ومثله تهديد يوحنا المعمدان لبني إسرائيل من الاتكال على النسب من غير توبة وعمل صالح ، إذ يقول : « يا أولاد الأفاعي من أراكم أن تهربوا من الغضب الآتي ، فاصنعوا أثمارًا تليق بالتوبة ، ولا تفتكروا أن تقولوا في أنفسكم : لنا إبراهيم أبًا » ( متى 3: 7-9 ) .

ويقول المسيح لهم : « أيها الحيات أولاد الأفاعي كيف تهربون من دينونة جهنم » ( متى 23: 33 ) ، فلم يحدثهم عن الفداء البروتستنتي الذي سيخلصون به من الدينونة .

 بل توعدهم بجهنم فقال : « خير لك أن يهلك أحد أعضائك ، ولا يلقى جسدك كله في جهنم » ( متى 5: 29 ) . 

ومثله ما جاء في سفر حزقيال من وعيد الله للذين لا يتوبون من بني إسرائيل أو غيرهم فقال : « توبوا ، وارجعوا عن أصنامكم وعن كل رجاساتكم .. لأن كل إنسان من بيت إسرائيل أو من الغرباء .. إذا ارتد عني .. أجعل وجهي ضد ذلك الإنسان ، وأجعله آية ومثلًا واستأصله » ( حزقيال 14: 6-8 ) .

وقد خاطب المسيح تلاميذه : « فإني أقول لكم : إنكم إن لم يزد بِركم على الكتبة والفريسيين لن تدخلوا ملكوت السموات ، قد سمعتم أنه قيل للقدماء : لا تقتل. ومن قتل يكون مستوجب الحكم ، وأما أنا فأقول لكم : إن كل من يغضب على أخيه باطلًا ، يكون مستوجب الحكم ([141]) ، ومن قال لأخيه : رقا ، يكون مستوجب المجمع ، ومن قال : يا أحمق ، يكون مستوجب نار جهنم » ( متى 5: 20-23 ) .

وقال بولس متوعدًا الممتلئين من كل إثم وشرّ ، المشحونين حسدًا وقتلًا  : « الذين إذ عرفوا حكم الله ، إن الذين يعملون مثل هذه يستوجبون الموت » ( رومية 1: 32 ) ، إن القتل أو الرجم هو عقوبتهم التي استوجبوها بسبب ذنوبهم وشرورهم ، ولن يرفعها عنهم صلب المسيح ÷ .

ويضيف بولس مبشرًا هؤلاء العصاة بدينونة الله العادلة التي تتنظرهم جزاء فجورهم : « ونحن نعلم أن دينونة الله هي حسب الحق على الذين يفعلون مثل هذه ، أفتظن هذا أيها الإنسان الذي تدين الذين يفعلون مثل هذه ، وأنت تفعلها ، أنك تنجو من دينونة الله » ( رومية 2: 2-3 )، فلو كان الناس كلهم ينجون بالفداء كما قال البروتستانت ، لما كان لهذه النصوص معنى.

ثم إن كان الفداء عامًا لكل البشر ولكل الخطايا ، فإن هذا الفداء يشمل الإباحيين الذين يرتكبون الموبقات ويملؤون الأرض بالفساد ، وتكون عقيدة الفداء والخلاص سُلمًا للرذيلة ودعوة للتحلل والفساد باسم الدين . 

ثم القول بفداء الجميع يجعل ضمن الناجين أعداء الأنبياء كالفراعنة والجبابرة وعتاة المجرمين ، بل ويشمل اليهود الذي تآمروا على المسيح ، ويهوذا الأسخريوطي، التلميذ الخائن الذي كان حاله أفضل من حال كثيرين من الخطاة ـ اليوم ـ الذين يتوقعون الخلاص بدم المسيح رغم آثامهم وذنوبهم ، لقد مات يهوذا نادمًا تائبًا ، وعبَّر عن توبته بردِّ ثمن الخيانة ، وعن ندمه بقتل تلك النفس الخبيثة التي مارست الخطيئة .
وهنا نتساءل لماذا لا يقول أحد بخلاص يهوذا بدم المسيح المصلوب ، بل نعجب لماذا تركه المسيح ينتحر ؟ ولماذا لم يخبره بأن خلاصه قريب جدًا ، وأن لا داعي للانتحار ، بل لماذا قال عنه : « كان خيرًا لذلك الرجل لو لم يولد » ( مرقس 14: 12 ) أوليس له حظ في هذا الخلاص كغيره من المليارات المؤمنة بالمسيح ، والتي ما فتئت ترتكب الموبقات ، لكنها واثقة من الخلاص « لأنه هكذا أحب الله العالم ، حتى بذل ابنه الوحيد ، لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية» ( يوحنا 3: 16 ) .


مصادر عقيدة الفداء والخلاص
في مجمع نيقية المنعقد في سنة 325م تقررت عقيدة الفداء والخلاص ، حين صدر عنه الأمانة التي يؤمن بها سائر النصارى ، وفيها : « الذي من أجلنا نحن البشر ، ومن أجل خلاصنا نزل وتجسد وتألم ومات ، وقام أيضًا في اليوم الثالث » ، فمن أين استقى المجتمعون هذه العقيدة المهمة من عقائد النصرانية ؟

دور بولس في نشأة فكرة الفداء في النصرانية :

لعلنا لا نجاوز الحقيقة إذا قلنا بأن بولس هو الأب الحقيقي لقصة الفداء والخلاص في النصرانية ، حيث تظهر بجلاء ووضوح في كلماته كما قد بينا بعضه من قبل ، وأوضحها قوله : « ولكن الله بين محبته لنا ، لأنه ونحن بعد خطاة مات المسيح لأجلنا ، فبالأولى كثيرًا ، ونحن متبررون الآن بدمه ، نخلص به من الغضب ، لأنه ـ وإن كنا ونحن أعداء ـ قد صولحنا مع الله بموت ابنه .. من أجل ذلك كأنما بإنسان واحد دخلت الخطية إلى العالم ، وبالخطية الموت ، وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس إذ أخطأ الجميع .. لكن قد ملك الموت من آدم إلى موسى ، وذلك على الذين لم يخطئوا على شبه تعدي آدم ، الذي هو مثال الآتي .. لأنه إن كان بخطية واحد مات الكثيرون ، فبالأولى كثيرًا نعمة الله ، والعطية بالنعمة التي بالإنسان الواحد يسوع المسيح قد ازدادت للكثيرين .. » ( رومية 5: 8-15 ) .

وقد صرح بولس بأهمية فكرة الفداء عنده إذ قال : « لأني لم أعزم أن أعرف شيئًا بينكم إلا يسوع المسيح وإياه مصلوبًا » ( 1 كورنثوس 2: 2 ) .

ويقول في ذلك الأب بولس إلياس الخوري : « مما لا ريب فيه أن الفكرة الأساسية التي ملكت على بولس مشاعره ، فعبر عنها في رسائله بأساليب مختلفة هي فكرة رفق الله بالبشر ، وهذا الرفق بهم هو ما حمله على إقالتهم من عثارهم ، فأرسل إليهم ابنه الوحيد ، ليفتديهم على الصليب .. وهذه الفكرة عينها هي التي هيمنت على إنجيل لوقا » .

ويقول ارنست دي بوش في كتابه ( الإسلام : أي النصرانية الحقة ) : إن جميع ما يختص بمسائل الصلب والفداء هو من مبتكرات ومخترعات بولس ومن شابهه ، من الذين لم يروا المسيح ، لا من أصول النصرانية الأصلية » ([142]) .

ففكرة الفداء والخلاص بدعة بولسية لم يقلها المسيح ، ولم يعرفها الحواريون، فنصوص الأناجيل التي تحدثت عن الفداء نصوص لا يفهم منها خالي الذهن تلك العقيدة التي فهمها النصارى . 

وعقيدة بهذه الأهمية ما كان المسيح ليضِنّ على البشر ببيانها وتوضيحها ، إذ يزعمون أن مصير البشرية يتعلق بالإيمان بها ، فقد تعلق بها هلاك البشر ونجاتهم . 

ويحاول النصارى التأكيد على ورود هذا المعتقد على لسان المسيح وتلاميذه ، ويتعلقون ببعض نصوص الإنجيليين ، ومن هذه النصوص : قول متى : « فستلد ابنًا ، وتدعو اسمه يسوع ، لأنه يخلص شعبه من خطاياهم » ( متى 1: 21 ) ، ومثله : « إنه ولد لكم اليوم في مدينة داود مخلص هو المسيح الرب » ( لوقا 2: 11) ، ومثله « لأن عيني قد أبصرتا خلاصك الذي أعددته لجميع الشعوب » (لوقا 2: 30 ) ، و « كما أن ابن الإنسان لم يأت ليُخدم ، بل ليَخدم ، وليبذل نفسه فدية عن كثيرين » ( متى 20: 28 ) ، و« هذا هو دمي الذي للعهد الجديد الذي يسفك من أجل كثيرين لمغفرة الخطايا » (متى 26: 28 ) ، و « لأن ابن الإنسان قد جاء لكي يطلب ويخلص ما قد هلك » ( لوقا 19: 10 ) .

ولعل أوضح نصوص الأناجيل ما كتبه يوحنا : « لأنه هكذا أحب الله العالم ، حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به ، بل تكون له الحياة الأبدية ، لأنه لم يرسل ابنه إلى العالم ليدين العالم ، بل ليخلص به العالم » ( يوحنا 3: 16-17 ) . 

وأول ملاحظة نذكرها أن أغلب هذه النصوص هي من قول التلاميذ ، ولم ينسبوها إلى المسيح .

ثم هذه النصوص جميعًا قد كتبت بعد أن دوّن بولس رسائله ، فأول الإنجيليين تأليفًا هو مرقس ، وقد دوّن إنجيله بعد وفاة بولس سنة 67م .

ولا ريب أن في هذه النصوص ـ رغم عدم قطعية دلالتها على عقيدة النصارى ـ صدىً لما كان قد خطه بولس في رسائله .

وهذه النصوص خلت من الحديث عن الخطيئة الأولى الموروثة وخطايا العالم اللاحقة والماضية ، وأين فيها الحديث عن الحرية المسلوبة ، والإرادة .. وعليه فإن خالي الذهن لا يمكن أن يتوصل إلى معتقد النصارى من خلال هذه النصوص . 

وقد مال إلى تبسيط معاني تلك النصوص ـ التي يحتج بها النصارى على الفداء والكفارة ـ منكرو معتقد الكفارة والفداء من النصارى أنفسهم ـ كما ذكرت دائرة المعارف البريطانية ـ ، ومنهم الفرقة السوزينية ، والمؤرخ كوائليس تيسي ، وايبي لارد ([143]) .

فمثلًا قول المسيح : « ابن الإنسان قد جاء لكي يطلب ويخلص ما قد هلك » ( لوقا 19: 10 ) لم يكن في سياق الحديث عن الخلاص بدم المسيح المصلوب ، بل جاء في سياق الحديث عن الخلاص بالعمل الصالح الذي أمر به المسيح ، فقد ورد هذا القول في سياق قصة التلميذ زكا الذي أعطى نصف أمواله للفقراء ، فنجا بسبب ذلك « فقال له يسوع : اليوم حصل خلاص لهذا البيت ، إذ هو أيضًا ابن إبراهيم ، لأن ابن الإنسان قد جاء لكي يطلب ويخلّص ما قد هلك » ( لوقا 19: 10 ) .

وأما شهادة المعمدان بأن المسيح هو « حمل الله الذي يرفع خطية العالم » 
( يوحنا 1: 29 ) فهو قول مهم ، لكن لم يفهم منه قائله ( المعمدان ) ما تفهمه الكنيسة اليوم ، يقول القس سمعان كلهون : « ولعل يوحنا لم يفهم شهادته كما نقدر نحن الآن أن نفهمها بواسطة كل النور المندفع عليها من العهد الجديد ، وخصوصًا الرسالة على العبرانيين ولكنه رأى وأراد أن يرى الآخرون في المسيح الطريق المعينة من الله بحياته وموته للتكفير عن جميع معاصي كل تائب مؤمن » ([144]) .

ولئن كانت الفكرة تائهة عند الإنجيلين فهي كذلك عند بقية تلاميذ المسيح وحوارييه الذين لا تجد لديهم بقصة الفداء خبرًا ، فلم ترد عنهم نصوص تبيين علمهم بهذه المسألة ، وهذا لا ريب دال على كونها من صنع بولس وتأليفه ، وأن المسيح لم يخبر بها ، ولم يعلمها أصلًا . 

وفي ذلك يقول البرفسور شارل جنيبر : « إن موت عيسى في نظر الإثني عشر ليس بالتضحية التكفيرية » . 

والحواريون لم يعلموا أصلًا بأن المسيح سيصلب ، فضلًا عن أن يكونوا قد فهموا أنه سيصلب فداء لخطايا الناس ، وكما قال مرقس : « كان يعلم تلاميذه ، ويقول لهم : إن ابن الإنسان يسلم إلى أيدي الناس فيقتلونه ، وبعد أن يقتل يقوم في اليوم الثالث ، وأما هم فلم يفهموا القول ، وخافوا أن يسألوه » ( مرقس 9: 30-32 ). 

يقول الأب متى المسكين : « بالرغم من وضوح تنبؤ المسيح الدقيق عن كيفية موته .. والتلميح إلى محاكمة الأمم له ووصف جميعه آلامه ، ثم الصلب والموت والقيامة ، لكن لم يستطع التلاميذ على وجه الإطلاق أن يفهموا شيئًا من كل ذلك ، لأن كل آمالهم كانت في ملكه السعيد الآتي وكيف سيجلسون معه في عرشه » ([145]) .

ومن هؤلاء التلاميذ التلميذان المنطلقان إلى عمواس ، فقد جهلا مسألة الفداء والأبعاد التكفيرية لصلب المسيح ، وهذا بينه واضح لمن رأى جوابهما للمسيح الذي ظهر لهما متنكرًا وسألهما : « ما هذا الكلام الذي تتطارحان به وأنتما ماشيان عابسين ، فأخبره التلميذان بأنهما حزينان على المسيح الذي أسلمه رؤساء الكهنة وحكامنا لقضاء الموت وصلبوه ، ونحن كنا نرجو أنه هو المزمع أن يفدي إسرائيل ، ولكن مع هذا كله اليوم له ثلاثة أيام منذ حدث ذلك » ( لوقا 24: 17-21 ) . لقد جهل التلميذان موضوع الخلاص بموت المسيح ، فهما يبحثان عن خلاص آخر ، وهو الخلاص الذي يأتي به النبي الذي تنتظره بنو إسرائيل .

يقول القس الخضري : « وكلمة ( يفدي ) هنا لا تعني ما نفهمه نحن حاليًا : أي فداء الخاطئ من خطاياه ، بل تعني أن ينقذ أو يحرر »  ([146]) .

وأيضًا جهلت الجموع التي شهدت الصلب أن ذلك الصلب يكفر الخطيئة ويرفعها ، ولنتأمل ما ذكره لوقا في وصف الجموع وحزنهم على المسيح الذي ظنوه مصلوبًا « وكل الجموع الذين كانوا مجتمعين لهذا المنظر لما أبصروا ما كان ، رجعوا وهم يقرعون صدورهم ، وكان جميع معارفه ونساء كن قد تبعنه من الجليل واقفين من بعيد ينظرن ذلك » ( لوقا 23: 48-49 ) .

ولو كان ما يقوله النصارى في الفداء صحيحًا لكان ينبغي أن يحتفلوا بموت المسيح لخلاص البشرية وخلاصهم من الذنب الذي ناءت بحمله البشرية قرونًا مديدة.

الخلاص والفداء في الأسفار الكتابية :

كما ينبغي حمل النصوص المتحدثة عن المسيح المخلص على المعاني التي أطلقها الكتاب ، لا المعاني التي يقررها بولس والكنيسة في مجامعها ، فقد تحدث الكتاب المقدس عن عدد من الفادين والمخلصين ، وليس في شيء منها المعنى الذي زعمه بولس وأضرابه .

فقد سمت التوراة موسى فاديًا ، وهو لم يمت كفارة لأحد ، « هذا موسى الذي أنكروه قائلين : من أقامك رئيسًا وقاضيًا ، هذا أرسله الله رئيسًا وفاديًا بيد الملاك الذي ظهر له في العليقة ، هذا أخرجهم صانعًا عجائب وآيات في أرض مصر وفي البحر الأحمر، وفي البرية أربعين سنة » (أعمال 7: 35) ، فالمقصود الخلاص الدنيوي من يد فرعون وجنوده . 

وهذا المعنى من معاني الفداء والخلاص معروف في الأسفار التوراتية التي تحدثت عن الفادي من أهوال الدنيا وشدائدها ، وهي تذكر نجاة بني إسرائيل من المصائب « أخرجكم الرب بيد شديدة ، وفداكم من بيت العبودية من يد فرعون ملك مصر » ( التثنية 7: 8 ) ، ومثله في ( التثنية 13: 5 ) .

ومثله في قوله : « اغفر لشعبك إسرائيل الذي فديت يا رب ، ولا تجعل دم بري في وسط شعبك إسرائيل ، فيغفر لهم » ( التثنية 21: 8-9 ) .

وكذا في سفر المزامير سمى الربَ فاديًا « الرب فادي نفوس عبيده ، وكل من اتكل عليه لا يعاقب » ( المزامير 34: 22 ) .

وفي نص آخر يؤكد إشعيا هذا المعنى للفداء والخلاص ، فيقول : « هكذا قال الرب فادي إسرائيل : قدوسُه للمهان النفس ، لمكروه الأمة ، لعبد المتسلطين » ( إشعيا 49: 7 ) ، فأطلق على الله لقب الفادي والمخلص ، فالفداء أو الخلاص له معان أوسع من الذبيحة والمعاوضة التي يصر عليها بولس .

ومن هذا النوع من الخلاص ما قام به النبي سليمان من خلاص أرضي دنيوي: «لسليمان، اللهم أعطي أحكامك للملك، وبرك لابن الملك .. يقضي لمساكين الشعب، يخلّص بني البائسين، ويسحق الظالم .. يشفق على المسكين والبائس، ويخلص أنفس الفقراء ، من الظلم والخطف يفدي أنفسهم، ويكرم دمهم في عينيه » (المزمور 72: 1-14)، فخلاصه لقومه إحقاقه للعدل، وسحق الظالمين، ومعونة الفقراء والمعدمين.

ومثله المخلص أهود « وصرخ بنو إسرائيل إلى الرب ، فأقام لهم الرب مخلّصًا أهود بن جيرا البنياميني » ( القضاة 3: 15 ) .

وتعرض الملك السامري يهوآحاز إلى هزائم مريرة على يد الآراميين الذين كادوا أن يفنوهم، ثم «تضرع يهوآحاز إلى وجه الرب، فسمع له الرب .. وأعطى الرب إسرائيل مخلصًا، فخرجوا من تحت يد الآراميين » (2 ملوك 13: 4-5)، فهذا المخلص أنقذهم من يد الآراميين.

فهذه النصوص جميعًا تتحدث عن فداء وخلاص أرضي ، وهذا الخلاص رحمة من الله وفضل ، ولا يحتاج لدم يسفكه الفادي .

ومهمة الخلاص والفداء الذي سيقدمه المسيح لا تختلف عن هذا المعنى ، فقد حصر زكريا الكاهن مهمة الفداء المسيحي بالفداء والخلاص الأرضي ، فالمسيح القادم سيخلص شعبه من أعدائهم ، كما تتابع على البشارة بذلك الأنبياء ، ومثلهم زكريا الذي شكر الله على نعمة المسيّا المولود « قائلًا : مبارك الرب إله إسرائيل ، لأنه افتقد وصنع فداء لشعبه ، وأقام لنا قرن خلاص في بيت داود فتاه ، كما تكلم بفم أنبيائه القديسين الذين هم منذ الدهر ، خلاص من أعدائنا ومن أيدي جميع مبغضينا ، ليصنع رحمة مع آبائنا ويذكر عهده المقدس ، القسم الذي حلف لإبراهيم أبينا ، أن يعطينا أننا بلا خوف مُنقَذين من أيدي أعدائنا ، نعبده بقداسة وبر قدامه جميع أيام حياتنا » ( لوقا 1: 68-75 ) .

يقول الأب متى المسكين : « الخلاص الذي يتكلم عنه زكريا الكاهن ليس هو الخلاص الروحي ، بل الخلاص من الأعداء الظاهرين المستولين على البلاد ، كذلك الفداء .. فتصور الخلاص الذي رآه زكريا بأنه على مستوى القرن الضارب هو تصوير قديم يناسب ما قبل الصليب ، لذلك يبقى سر الخلاص إلى آخر لحظة في العهد القديم منحجبًا .. فالخلاص هو خلاص سياسي بمعنى التحرر من عبودية الرومان والوقوع تحت ظلم حكومتهم وعدائهم ، وهذا هو الذي كان يقصده زكريا من قوله السابق » ([147]) .

ومن قبله قال الأنبا ساويرس ابن المقفع: «فأما بنو إسرائيل فكانوا يظنون أنه يخلصهم من أعدائهم الفلسطينيين والكنعانيين .. ولم يكن عندهم علم عن إبليس وجنده أنهم الأعداء الحقيقيون .. فلما تغلب الرومان على بني إسرائيل ظنوا أنهم أعداؤهم الذين إذا جاء المسيح يخلصهم منهم كما وعد الله أ»([148]).

ويقول جوش مكدويل: «رأى اليهود في النبوءات القديمة مسيحًا منتصرًا، لا مسيحًا متألمًا، وكان تركيزهم ينصب على منقذ سياسي، لا روحي»([149]).

هكذا فزكريا يتنبأ عن المسيح الفادي الذي تكلم عنه الأنبياء القديسون منذ الدهر ، المسيح الذي يخلص شعبه من أعدائهم ، كما حلف الرب لإبراهيم ، ولم ينسب زكريا إلى الأنبياء معرفة الخلاص المسيحي ، فهم لا يعرفون عنه شيئًا .

وما قلناه في حق الأنبياء يقال أيضًا عن معاصري المسيح وتلاميذه، يقول الأنبا ساويرس ابن المقفع: «فأما الاثني عشر، الرسل فكانوا قد تحققوا أنه المسيح، وكانوا يظنون مثل ظن اليهود ، أنه يهلك الرومان، ويملِّكهم أرضهم ، ولم يكن عندهم علم عن إبليس وجنده أ»([150]). وكذلك قال القس سمعان كلهون عن معاصري المسيح من اليهود « فإنهم انتظروه مسيحًا ، لكنهم توقعوا منه خلاصًا زمنيًا فقط » ([151]) .

وهنا يحسن أن نتوقف مع الأب المسكين الذي رفض تصور زكريا للفداء ولوظيفة المسيا القادم ، وأشار إلى ضعف هذا التصور وقصوره وخطئه وسذاجته حين قال : « تصوير قديم يناسب ما قبل الصليب » ، وكأني بالأب المسكين لم يتنبه إلى أن هذا المفهوم الذي فهمه زكريا ونسبه إلى الأنبياء ، إنما يستمده من كلام الروح القدس ووحيه ، فالنص في مقدمته صريح في ذلك « وامتلأ زكريا أبوه من الروح القدس ، وتنبأ قائلًا : مبارك الرب إله إسرائيل .. » ( لوقا 1: 67 ) ، فهل كان المعنى المسيحي للفداء والخلاص محجوبًا عن الروح القدس كما هو محجوب عن الأنبياء؟

 ثم شرع زكريا بالحديث عن ابنه المعمدان مبينًا دوره في هداية قومه إلى طريق الخلاص ، فقال : « وأنت أيها الصبي ، نبيَّ العلي تدعى ، لأنك تتقدم أمام وجه الرب لتعدّ طرقه ، لتعطي شعبه معرفة الخلاص بمغفرة خطاياهم ، بأحشاء رحمة إلهنا التي بها افتقدنا المشرق من العلاء ، ليضيء على الجالسين في الظلمة وظلال الموت ، لكي يهدي أقدامنا في طريق السلام » ( لوقا 1: 76-79 ) ، فليس المقصود بالفداء والخلاص ما يذكره النصارى عن الخلاص من الدينونة بدم المسيح ، بل الفداء والتطهير والخلاص من مكر الأعداء وتسلطهم ، ويكون بالتوبة والعمل الصالح .

وعلى هذا النحو سمى التلميذان المسيحَ فاديًا ، فقالا : « كيف أسلمه رؤساء الكهنة وحكامنا لقضاء الموت وصلبوه . ونحن كنا نرجو أنه هو المزمع أن يفدي إسرائيل » ( لوقا 24: 20-21 ) ، أي كنا نرجو أن يكون خلاص بني إسرائيل من أعدائهم على يديه ، لكنهم صلبوه وقتلوه . 

ومن هذا الباب قول لوقا : « لأن ابن الإنسان قد جاء ، لكي يطلب ، ويخلص ما قد هلك» ( لوقا 19: 10 ) وهو قول يتعلق به النصارى القائلون بأن المسيح جاء ليخلصنا بدمه المسفوح على خشبات الصليب، لكن النص يتحدث عن خلاص وقع لزكا رئيس العشارين في أريحا حين تاب وتعهد بدفع نصف أمواله للمساكين ورد المظالم إلى أهلها «فقال له يسوع: اليوم حصل خلاص لهذا البيت؛ إذ هو أيضًا ابن إبراهيم، لأن ابن الإنسان قد جاء ، لكي يطلب ، ويخلص ما قد هلك »، فالمسيح خلَّص زكا حين أرشده إلى التوبة والإيمان والعمل الصالح ، وهو خلاص جاء به أنبياء الله أجمعين ، ولا يشير النص ـ من قريب أو بعيد ـ إلى الخلاص الذي يتحدث عنه النصارى بدم المسيح المذبوح .

عقيدة الفداء والوثنيات السابقة :
سؤال يطرح نفسه: من أين أتى بولس بهذه العقيدة ؟ هل هي من إبداعاته الذاتية أم أنه استقاها من مصادر قديمة ؟ وإن كان كذلك فما هي هذه المصادر ؟ وما مقدار استفادة بولس منها ؟

الإجابة عن هذه الأسئلة وغيرها سطرها الأستاذ محمد طاهر التنير في كتابه الماتع ( العقائد الوثنية في الديانة النصرانية ) ، وعنه ننقل الكثير من صور التشابه التي نذكرها .

وراثة الذنب :
مسألة وراثة الذنب مسألة معروفة في الفكر اليهودي قبل المسيحية بقرون عدة ، وقد وردت عدة نصوص تتحدث عنها وتؤكدها ، منها « صانع الإحسان لألوف ، ومجازي ذنب الآباء في حضن بنيهم بعدهم ، الإله العظيم الجبار رب الجنود اسمه » ( إرميا 32: 18 ) . 

ومثله ما جاء في سفر التثنية : « لا يدخل ابن زنى في جماعة الرب حتى الجيل العاشر » ( التثنية 23: 2 ) . 

وجاء في سفر العدد: « الرب طويل الروح كثير الإحسان يغفر الذنب والسيئة ، ولكنه لا يبرئ ، بل يجعل ذنب الآباء على الأبناء إلى الجيل الثالث والرابع » ( العدد 14: 18 - 19 ) . 

وفي سفر الخروج: « غافر الإثم والمعصية والخطيئة ، ولكنه لن يبرئ إبراء ، مفتقد إثم الآباء في الأبناء ، وفي أبناء الأبناء في الجيل الثالث والرابع » ( الخروج 34: 7 ) . 

ومثله ما نسبوه إلى دواد أنه قال : « هأنذا بالإثم صورت ، وبالخطيئة حبلت بي أمي » ( المزمور 51: 5 ) ([152]) .

وقد تحدث إرميا عن احتجاج بني إسرائيل على هذا الظلم ( انظر إرميا 16: 10-13)، ثم جاء النبي حزقيال ، فاحتج بنو إسرائيل في زمانه قائلين: «الآباء أكلوا الحصرم، وأسنان الأبناء ضرست » (حزقيال 18: 2)، وهو مثل معناه: «أن الخراب الذي نحن فيه سببه خطايا آبائنا، فما ذنبنا نحن؟ إذ لم نخطئ مثلهم، وهذا الكلام فيه اتهام مباشر لله بأنه ظالم»([153])، فاستجاب الله لهم، وأتاهم التخفيف من الله: « يقول السيد الرب: لا يكون لكم من بعد أن تضربوا هذا المثل في إسرائيل، ها كل النفوس هي لي، نفس الأب كنفس الابن، كلاهما لي، النفس التي تخطئ هي تموت» (حزقيال 18: 3-4)، وأكمل في الفقرة 20: « النفس التي تخطئ تموت ، الابن لا يحمل من إثم الأب ، والأب لا يحمل من إثم الابن ، بر البار عليه يكون ، وشر الشرير عليه يكون » (حزقيال 18: 20).

إذا فقبل حزقيال استقرت في الفكر اليهودي عقيدة وراثة الذنب والتضامن في الخطيئة ، غير أن أحدًا منها لم يكن يتحدث عن الخطيئة الأصلية لآدم ، والتي يتعلق النصارى بها ، لكن أصل الفكرة وارد في الفكر اليهودي الذي نشأ فيه بولس، ثم نقله للنصرانية وسطره في رسائله . 

فمن أين جاء اليهود بفكرة وراثة الذنب ؟ هل هو من صناعتهم ، أم أنه منقول عن غيرهم ؟ 

الصحيح : أن فكرة وراثة الذنب منقولة عن الأمم الوثنية التي جاورت اليهود وانتشر فيها هذا الفكر ، وهذا الذي عابه عليهم الكتاب المقدس « وصاروا باطلًا وراء الأمم الذين حولهم ، والذين أمرهم الرب أن لا يعملوا مثلهم .. فغضب الرب جدًا على إسرائيل ونحَّاهم من أمامه » ( 2 ملوك 17: 9-18 ) .

ومن أقدم القائلين بوراثة الذنب ، الهنود الوثنيون ، وقد نقل المؤرخ هورينور وليمس أن من تضـرعاتهم : « إني مذنب ، ومرتكب الخطيئة ، وطبيعتي شريرة ، وحملتني أمي بالإثم ، فخلصني يا ذا العين الحندقوقية ، يا مخلص الخاطئين ، يا مزيل الآثام والذنوب » ([154]) .

فكرة الفادي في الوثنيات القديمة :

سرى في كثير من الوثنيات السابقة على المسيحية فكرة الفادي والمخلص الذي يفدي شعبه أو قومه ، وكانت الأمم البدائية القديمة تضحي بطفل محبوب ، لاسترضاء السماء ، وفي تطور لاحق أضحى الفداء بواسطة مجرم حكم عليه بالموت، وعند البابليين كان الضحية يلبس أثوابًا ملكية ، لكي يمثل بها ابن الملك ، ثم يجلد ويشنق . 

وعند اليهود خصص يوم للكفارة يضع فيه كاهن اليهود يده على جدي حي ، ويعترف فوق رأسه بجميع ما ارتكب بنو إسرائيل من مظالم ، فإذا حمل الخطايا أطلقه في البرية .

 ومعلوم أيضًا ما يعطيه الفكر اليهودي للبكر من أهمية خاصة ، إذ تقول التوراة: « قدس لي كل بكر ، كل فاتح رحم من بني إسرائيل من الناس والبهائم إنه لي » ( الخروج 13: 2) ، والمسيح هو بكر الخلائق ، وأليقها بأن يكون البكر المذبوح ([155]) .

موت الإله الفادي :

وأما فكرة موت الإله فهي عقيدة وثنية يونانية ، حيث كان اليونانيون يقولون بموت بعض الآلهة ، لكن اليونان كانوا يحتفظون بآلهة أخرى تسيّر دفة الكون ، بينما النصارى حين قالوا بموت الإله لم يحتفظوا بهذا البديل ، ولم يخبرنا أولئك الذين يعتقدون بأن الله هو المسيح من الذي كان يسير الكون ويرعى شئونه خلال الأيام التي مات فيها الإله . أي الأيام الثلاثة التي قضاها في القبر .

والفداء عن طريق أحد الآلهة أو ابن الله أيضًا موجودة في الوثنيات القديمة ، وقد ذكر السير آرثر فندلاي في كتابه ( صخرة الحق ) أسماء ستة عشر شخصًا اعتبرتهم الأمم آلهة سعوا في خلاص هذه الأمم . منهم : أوزوريس في مصر 1700 ق.م ، وبعل في بابل 1200ق.م ، وأنيس في فرجيا 1170 ق.م ، وناموس في سوريا 1160 ق.م ، وديوس فيوس في اليونان 1100 ق.م ، وكرشنا في الهند 1000 ق.م ، وأندرا في التبت 725 ق.م ، وبوذا في الصين 560 ق.م ، وبرومثيوس في اليونان 547 ق.م ، ومترا (متراس) في فارس 400 ق.م ([156]) .

ولدى البحث والدراسة في معتقدات هذه الأمم الوثنية نجد تشابهًا كبيرًا مع ما يقوله النصارى في المسيح المخلص . 

فأما بوذا المخلص عند الهنود والصينيين فلعله أكثر الصور تطابقًا مع مخلص النصارى ، ولعل مرد هذا التشابه إلى تأخره التاريخي فكان تطوير النصارى لذلك المعتقد محدودًا . 

والبوذيون ـ كما نقل المؤرخون ـ يسمون بوذا المسيح المولود الوحيد ، ومخلص العالم ، ويقولون : إنه إنسان كامل وإله كامل تجسد بالناسوت ، وأنه قدم نفسه ذبيحة ليكفر ذنوب البشر ويخلصهم من ذنوبهم حتى لا يعاقبوا عليها . 

وجاء في أحد الترنيمات البوذية عن بوذا « عانيت الاضطهاد والامتهان والسجن والموت والقتل بصبر وحب عظيم لجلب السعادة للناس ، وسامحت المسيئين إليك» . 

ويذكر مكس مولر في كتابه ( تاريخ الآداب السنسكريتية ) أن « البوذيون يزعمون أن بوذا قال : دعوا الآثام التي ارتكبت في هذا العالم تقع عليّ ، كي يخلص العالم » . 

ويرى البوذيون أن الإنسان شرير بطبعه ، ولا حيلة في إصلاحه إلا بمخلص ومنقذ إلهي .

وكذلك فإن المصريين يعتبرون أوزوريس إلهًا ، ويقول المؤرخ بونويك في كتابه ( عقيدة المصريين ) : « يعد المصريون أوزوريس أحد مخلصي الناس ، وأنه بسبب جده لعمل الصلاح يلاقي اضطهادًا ، وبمقاومته للخطايا يقهر ويقتل » . 

ويوافقه العلامة دوان في كتابه ( خرافات التوراة والإنجيل وما يماثلها من الديانات الأخرى ) ([157]) .

كما تحدث المؤرخون عن قول المصريين بقيامة مخلصهم بعد الموت ، وأنه سيكون ديان الأموات يوم القيامة ، فإنهم يذكرون في أساطيرهم أن أوزوريس حكم بالعدل ، فاحتال عليه أخوه وقتله ، ووزع أجزاء جسمه على محافظات مصر ، فذهبت أرملته أيزيس فجمعت أوصاله من هنا وهناك ، وهي تملأ الدنيا نحيبًا وبكاءً ، فانبعث نور إلى السماء ، والتحمت أوصال الجسد الميت ، وقام إلى السماء يمسك بميزان العدل والرحمة ([158]) .

وكذلك اعتقد الهنود في معبودهم كرشنا أنه مخلص وفادي . يقول القس جورج كوكس : « يصفون كرشنا بالبطل الوديع المملوء لاهوتًا ، لأنه قدم شخصه ذبيحة » ، ويعتقدون أن عمله لا يقدر عليه أحد . 

ويقول المؤرخ دوان في كتابه ( خرافات التوراة والإنجيل ) : « يعتقد الهنود بأن كرشنا المولود البكر الذي هو نفس الإله فشنو ، والذي لا ابتداء ولا انتهاء له ـ وفق رأيهم ـ تحرك حنوًا كي يخلص الأرض من ثقل حملها ، فأتاها وخلص الإنسان بتقديم نفسه ذبيحة عنه » ، ومثله يقوله العلامة هوك . 

ويصف الهنود أشكالًا متعددة لموت كرشنا أهمها أنه مات معلقًا بشجرة سُمِّر بها بحربة . وتصوره كتبهم مصلوبًا ، وعلى رأسه إكليل من الذهب ، ويقول دوان : « إن تصور الخلاص بواسطة تقديم أحد الآلهة ذبيحة فداء عن الخطيئة قديم العهد جدًا عند الهنود والوثنيين .

وكذلك اعتقد أهل النيبال بمعبودهم أندرا ، ويصورونه وقد سفك دمه بالصلب ، وثقب بالمسامير ، كي يخلص البشر من ذنوبهم كما وصف ذلك المؤرخ هيجين في كتابه : ( الانكلو سكسنس ) ([159]) .

وحتى لا نطيل نكتفي بهذه الصور التي اعتقد أصحابها بسفك دم الآلهة قربانًا وفداء عن الخطايا ومثلها في الوثنيات القديمة كثير ، ونختم بنقل قول فيلسيان شالي : « تتشابه المسيحية مع الأديان السابقة تشابها غريبًا .. ولد المسيح من عذراء كما ولد بيرسي من دانا ، وهو ينجو بأعجوبة من أعدائه مثل ديونيزوس وهوروس ، ويموت ثم يبعث مثل أوزوريس أو آدونيس أو ديونيزوس زاغروس ، وفي بداية الربيع مثل آتيس ومثل تموز ، وتجد بعض تفاصيل عذابه صورة لها في بلاد بابل ، فهو يعبد كمنقذ أو مخلص مثل مثرا .. ويمكن أن تشعر بعض النفوس المسيحية بالحرج إذا 
قرأت هذه المتشابات وعرفتها ، وكانت ضيقة العقل ، تمتلئ زهوًا وغرورًا ؛ 
لأنها كانت تؤمن بأن لديانتها سمة فريدة ، وعلى العكس فإن النفوس الأوسع قلوبًا يمكنها أن تسعد بملاحظة أن دينها أو إيمانها هو حصيلة تأليف لمعطيات 
ماض بعيد جدًا »  ([160]) .

الدم المسفوح سبيل الكفارة :

وليست مسألة المخلص فقط هي التي نقلها بولس عن الوثنيات ، فقد تحدث أيضًا عن دم المسيح المسفوح فقال : « يسوع الذي قدمه الله كفارة بالإيمان بدمه » ( رومية 3: 25 ) ، ويقول : « ونحن الآن متبررون بدمه » ( رومية 5: 9 ) ، ويواصل : « أليست هي شركة دم المسيح » ( 1 كورنثوس 10: 16 ) . 

ويقول : « أنعم بها علينا في المحبوب الذي فيه لنا الفداء ، بدمه غفران الخطايا » ( أفسس 1: 7) .

وفي موضع آخر يتحدث عن ذبح المسيح الفادي « لأن فصحنا أيضًا المسيح قد ذبح لأجلنا » ( 1 كورنثوس 5: 7 ) .

ومثل هذه النصوص تكثر في رسائل بولس ، وهي فكرة جِدُ غريبة ، فإن المسيح لم يذبح ، فالأناجيل تتحدث عن موت المسيح صلبًا ، لا ذبحًا ، والموت صلبًا لا يريق الدماء ، ولم يرد في الأناجيل أن المسيح نزلت منه الدماء سوى ما قاله يوحنا ، وجعله بعد وفاة المسيح حيث قال : « وأما يسوع فلما جاءوا إليه لم يكسروا ساقيه ، لأنهم رأوه قد مات ، لكن واحدًا من العسكر طعن جنبه بحربة ، وللوقت خرج دم وماء » ( يوحنا 19: 23-24 ) ، وهو ليس ذبحًا بكل حال .

يقول المحقق ولز : « إنه لزام علينا أن نتذكر أن الموت صلبًا لا يكاد يهرق من الدم أكثر مما يريقه الشنق ، فتصوير يسوع في صورة المراق دمه من أجل البشرية إنما هو في الحقيقة من أشد العبارات بعدًا عن الدقة » ([161]) .

والنظرة إلى الله بأنه لا يرضى إلا بأن يسيل دم الكفارة أو الضحية نظرة قديمة موجودة عند اليهود وعند الوثنيين قبلهم ، ففي التوراة تجد ذلك واضحًا في مثل قولها: «بنى نوح مذبحًا لله .. وأصعد محرقات على المذبح ، فتنسم الرب رائحة الرضا ، وقال الرب في قلبه : لا أعود ألعن الأرض أيضًا من أجل الإنسان » ( التكوين 8: 20-21 ) .

وكذا صنع داود « وبنى داود هناك مذبحًا للرب ، وأصعد محرقات وذبائح سلامة، ودعا الرب ، فأجابه بنار من السماء على مذبحة المحرقة » ( 1 أخبار 21: 26) .

وهكذا فإن التصور اليهودي للإله مشبع برائحة الدم ، وهي تصور الإله ساخطًا لا يرضيه إلا الدم والمحرقات ، وحينها فقط يتنسم رائحة الرضا ، ويرضى عن عباده ، يقول آرثر ويجال : « نحن لا نقدر أطول من ذلك قبول المبدأ اللاهوتي المفزع الذي من أجل بعض البواعث الغامضة وجوب تضحية استرضائية ، إن هذا انتهاك إما لتصوراتنا عن الله بأنه الكلي القدرة ، وإلا ما نتصوره عنه ككلي المحبة » ([162]) .

ويرى كامل سعفان أيضًا « أن ادعاء إهراق دم المسيح مأخوذ من الديانة المثراسية حيث كانوا يذبحون العجل ، ويأخذون دمه ، فيتلطخ به الآثم ، ليولد من جديد ، بعد أن سال عليه دم العجل الفدية » ([163]) .

نزول الآلهة إلى الجحيم لتخليص الموتى :

وتشابهت العقائد النصرانية مع الوثنيات القديمة مرة أخرى عندما زعم النصارى أن المسيح نزل إلى الجحيم لإخراج الأرواح المعذبة فيها وتخليصها من العذاب ، ففي أعمال الرسل يقول بطرس : « سبق فرأى وتكلم عن قيامة المسيح أنه ، ولم تترك نفسه في الهاوية ([164]) ، ولا رأى جسده فسادًا » ( أعمال 2: 31 ) ، ويقول بطرس في رسالته عن المسيح : « ذهب ليكرز للأرواح التي في السجن » ( 1 بطرس 3: 19 ) .

وقد أضحت هذه الفكرة الغريبة معتقدًا نصرانيًا يقول عنه القديس يوحنا فم الذهب 347م : « لا ينكر نزول المسيح إلى الجحيم إلا الكافر » . 

ويقول القديس أكليمندس السكندري : « قد بشر يسوع في الإنجيل أهل الجحيم، كما بشر به وعلمه لأهل الأرض ، كي يؤمنوا به ويخلصوا » ، وبمثله قال أوريجانوس وغيره من علماء النصارى .

وهذا المعتقد وثني قديم قال به عابدو كرشنا ، فقالوا بنزوله إلى الجحيم لتخليص الأرواح التي في السجن ، وقاله عابدو زرادشت وأدونيس وهرقل وعطارد وكوتز لكوتل وغيرهم .

ولما وصل النصارى إلى أمريكا الوسطى ، وجدوا فيها أديانًا شتى ، فخفّ القسس لدعوتهم للمسيحية ، فأدهشهم بعد دراستهم لهذه الأديان أن لها شعائرًا تشبه شعائر المسيحية ، وخاصة في مسائل الخطيئة والخلاص ([165]) .

فكيف يفسر النصارى هذا التطابق بين معتقداتهم والوثنيات القديمة والذي جعل من النصرانية نسخة معدلة عن هذه الأديان ؟ 

يقول الأب جيمس تد المحاضر في جامعة أكسفورد : « سر لاهوتي فوق عقول البشر ، وليس من الممكن تفسيره حسب تفسير وتصور هؤلاء البشر » ([166]) .

وقد صدق الله تبارك وتعالى ، فأخبر أن ذلك الذي يقوله النصارى إنما هو مضاهاة لأقوال الأمم الوثنية وانتحال للساقط من أفكارهم ﴿ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ﴾  [ التوبة : 30 ] ، وهو ما حذرهم الله من الوقوع فيه ﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَاء قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيراً وَضَلُّواْ عَن سَوَاء السَّبِيلِ ﴾  [ المائدة : 77 ] .

 

 
خاتمة المبحث

وبعد : وصلنا في نهاية مطافنا إلى إجابة سؤالنا الرابع في سلسلتنا ، سلسلة الهدى والنور ، حيث أجبنا بموضوعية ومنهجية علمية محايدة عن سؤالنا في هذه الحلقة : هل افتدانا المسيح على الصليب ؟

لقد كشفت لنا الدراسة الموثقة عن جملة حقائق لا يسع الباحث عن الحقيقة إلا أن ينحني لها ، منها نجاة المسيح ÷ من الصلب بشهادة أسفار العهد القديم ، وكما وعد المسيح أتباعه في العهد الجديد ، ورأينا مكر الله يحيق بالتلميذ الخائن الذي خان سيده ، فانتشبت أرجله في الشبكة التي أخفاها ، ووقع في الحفرة التي حفرها .

ورأينا ما يثبت صحة ما توصلنا إليه ، فقد سجلته الدلائل المتناثرة في زوايا الكتاب المقدس ، ورأينا ظلاله في تاريخ النصرانية ، حيث تواصل إنكار النصارى لهذا الصلب المزعوم عبر تاريخ النصرانية القديم .

كما ثبت لدينا عند دراسة فلسفة الفداء والكفارة أن البشر بريئون مما صنعه آدم في القديم ، وأن خطيئته لا تتجاوزه إلى غيره . 

ووضح لنا بالأدلة المتكاثرة أن ما يزعمه النصارى من توارث الخطيئة الأولى ولزوم الفداء بكائن إلهي ، إنما هو هراء تمجه العقول وتزدريه الفطر ، وهو ظلم يتنزه الله عنه ، وقد نقله بولس والمجتمعون بعده في مجمع نيقية من قصص الوثنيات السابقة للنصرانية .

ولا يسعني وأنا أشكر القارئ على قراءته لهذه السطور إلا أن أتوجه إليه بدعوة مخلصة لقراءة الحلقة التالية من حلقات سلسلة الهدى والنور ، وهي بعنوان : هل بشر الكتاب المقدس بمحمد غ ؟


المصادر والمراجع

­ القرآن الكريم . 

­ الكتاب المقدس . طبعة  : دار الكتاب المقدس في الشرق الأوسط (النسخة البروتستانتية) . 

­ الكتاب المقدس . طبعة  : دار الكتاب المقدس في الشرق الأوسط (النسخة الأرثوذكسية الكاثوليكية) .

­ الكتاب المقدس . طبعة : الرهبانية اليسوعية (نسخة كاثوليكية أصدرها الآباء اليسوعيون) . توزيع جمعيات الكتاب المقدس في المشرق . بيروت .

­ الترجمة العربية المشتركة ، (أصدرها علماء ولاهوتيون كاثوليك وأرثوذكس وبروتستانت) ، دار الكتاب المقدس في الشرق الأوسط ، (الطبعة الرابعة للعهد القديم ، الطبعة الثلاثون للعهد الجديد) .

­ الكتاب المقدس . (الأسفار المقدسة العبرانية ، الأسفار المقدسة اليونانية) . ترجمة العالم الجديد .

­ إنجيل برنابا . ترجمة سعادة . ط. دار الوثائق . الكويت ، 1406هـ .

­ الإنجيل بحسب القديس متى (دراسة وتفسير وشرح) ، الأب متى المسكين ، ط1 ، مطبعة دير القديس أنبا مقار ، 1991م .

­ الإنجيل والصليب . عبد الأحد داود . القاهرة ، 1351هـ . 

­ براهين تحتاج إلى تأمل في ألوهية المسيح . محمد حسن عبد الرحمن . ط1 . 
دار الكتاب الحديث ، 1409هـ . 

­ التفسير التطبيقي للكتاب المقدس ، مجموعة من العلماء اللاهوتيين .

­ خديعة الشيطان . أحمد ديدات . ترجمة  : رياض أحمد باهبري . بيت الحكمة . ط2 . القاهرة . 1413هـ

­ الخطيئة الأولى بين اليهودية والمسيحية والإسلام . أميمة أحمد الشاهين الجلاهمة . دار زهراء الشرق . القاهرة . 

­ دراسة عن التوراة والإنجيل . كامل سعفان . دار الفضيلة . القاهرة . 

­ دعوة الحق بين المسيحية والإسلام . منصور حسين عبد العزيز . ط2 . مكتبة علاء الدين . الإسكندرية ، 1972م . 

­ دين الله في كتب أنبيائه . محمد توفيق صدقي أفندي . ط1 . دار المنار ، 1330هـ . 

­ شرح بشارة لوقا ، القس الدكتور إبراهيم سعيد ، ط4 ، دار الثقافة المسيحية ، 1986م .

­ العقائد المسيحية بين القران والعقل . هاشم جودة . ط2 . المركز العربي للنشر 
والتوزيع . 

­ العقائد الوثنية في الديانة النصرانية . محمد طاهر التنير . محمد المجذوب . 
دار الشواف ، 1992م . 

­ عقيدة الصلب والفداء . محمد رشيد رضا . الفتح للإعلام العربي ، 1411هـ . 

­ الغفران بين الإسلام والمسيحية . إبراهيم خليل أحمد . ط1 . دار المنار . القاهرة . 1409هـ . 

­ الفارق بين الخالق والمخلوق . عبد الرحمن البغدادي . ضبط وتعليق  : عصام فارس الحرستاني . ط1 . مكتبة دار عمار . عمان ، 1409هـ . 

­ قصة موت المسيح وقيامته في ميزان النقد العلمي والكتب المقدسة . محمد أبو الغيط الفرت . ط1 . در الطباعة المحمدية ، 1410هـ . 

­ ما هي النصرانية . محمد تقي العثماني . رابطة العالم الإسلامي . مكة المكرمة ، 1984م . 

­ محاضرات في مقارنة الأديان . إبراهيم خليل أحمد . ط2 . دار المنار . القاهرة ، 1412هـ . 

­ المسيح بين الحقائق والأوهام . محمد وصفي . دار الفضيلة . 

­ المسيح في القرآن والتوراة والإنجيل . عبد الكريم الخطيب . ط1 . دار الكتب الحديثة ، 1965م . 

­ المسيح في مصادر العقائد المسيحية . أحمد عبد الوهاب . ط2 . مكتبة وهبة . القاهرة ، 1408هـ . 

­ مسيحية بلا مسيح . كامل سعفان . دار الفضيلة ، 1994م . 

­ المسيحية الحقة التي جاء بها المسيح . علاء أبو بكر . ط1 . مكتبة وهبة . القاهرة ، 1418هـ . 

­ كتاب المزامير ، القمّص تادرس يعقوب ملطي ، نشر : كنيسة الشهيد مار جرجس باسبورتنج .

­ معاول الهدم والتدمير في النصرانية والتبشير . إبراهيم الجبهان . ط4 . عالم الكتب للنشر والتوزيع . الرياض ، 1981م . 

 


فهرس الموضوعات

مقدمة ......................................................................  5

صلب المسيح عند النصارى ..........................................   7

صلب المسيح عند المسلمين ........................................... . 9

أهمية إبطال صلب المسيح عند المسلمين ...........................  11

نقد الروايات الإنجيلية لحادثة الصلب ...............................  15

أولًا : تناقضات روايات الصلب في الأناجيل ........................  17

ثانيًا : تناقضات قصة القيامة ..........................................  27 

ثالثًا : تفرد أحد الإنجيليين في الرواية ...............................  34

رابعًا : النقد الضمني للرواية الإنجيلية ..............................  39

إبطال وقوع صلب المسيح بالدليل التاريخي .......................  46

إبطال صلب المسيح بنبوءات التوراة ...............................  53

أولًا : المزمور الثاني .. ................................................  59

ثانيًا : المزمور السابع...................................................  61

ثالثًا : المزمور العشرون  .............................................  64

رابعًا : المزمور الحادي والعشرون  .................................................  68

خامسًا : المزمور الثاني والعشرون   ...............................  71

سادسًا : المزمور التاسع والستون  .................................  75

سابعًا : المزمور الخامس والثلاثون  .................................................  79

ثامنًا : المزمور الأربعون  ...............................................................  82

تاسعًا : المزمور الواحد والأربعون  .................................  84

عاشرًا : المزمور الرابع والثلاثون  .................................  86 

حادي عشر : المزمور الواحد والتسعون  ..........................................  87

ثاني عشر : المزمور التاسع بعد المائة  .............................................  89

ثالث عشر : المزمور الثامن عشر بعد المائة.......................................  93

خلاصة نبوءات المزامير ..........................................  95

- هل ما جاء في سفر إشعيا نبوءة عن صلب المسيح ؟........  99

إبطال صلب المسيح بنبوءات وأخبار الأناجيل والرسائل .......  111

- هل تنبأ المسيح بصلبه ؟...........................................  111 

- تنبوءات العهد الجديد بنجاة المسيح ............................  119

- تنبوءات الأناجيل المرفوضة عند الكنيسة بنجاة المسيح ...  122

كيفية نجاة المسيح من المؤامرة ......................................  129

- الشك في شخص المصلوب ......................................  136

- إمكانية نجاة المسيح ...............................................  138

بولس واختلاق قصة صلب المسيح ..................................  143

قصة الصلب عند الأمم الوثنية .......................................  149

وثيقة تبرئة اليهود من دم المسيح ....................................  155

عقيدة المسلمين في الخطيئة والخلاص .............................  159

عقيدة الخلاص عند الفرق النصرانية ...............................  163

- الخلاص عند الكاثوليك والأرثوذكس ..........................  166

- صكوك الغفران للخلاص من القصاصات ....................   168

- الخلاص عند البروتستانت .......................................  171

خطيئة آدم والذنب الموروث ..........................................  172

- قصة خطيئة آدم في سفر التكوين ...............................  172

- نقد القصة التوراتية للخطيئة الأولى ............................  174

فلسفة النصارى لمسألة الخطيئة والكفارة ..........................  179

- نقض فلسفة وراثة الخطيئة الأصلية ...........................  182

- بطلان وراثة الخطيئة بإثبات براءة الكثيرين من الخطيئة الأصلية ...  187

- إبطال نظرية الذنب الموروث بشهادات النصارى ..........  187

مبررات صلب المسيح عند النصارى ...............................  191

- نقد مبررات النصارى لضرورة الصلب التكفيري ..........  194

- التوبة من الذنب كفارة له ........................................  195

- عفو الله وغفرانه للمذنبين ........................................  198

- الاكتفاء بالعقوبة التي نالها الأبوان .............................  201

- مسئولية الإنسان عن عمله ......................................  203

من الفادي ؟...............................................................  205

- لم أُرسل المسيح ؟ .................................................  212

من الذي خلص بصلب المسيح ؟ .....................................  215

- هل لغير الإسرائيليين خلاص ؟..................................  217

نقض الناموس وإبطاله..................................................  219

- الخلاص والأعمال عند المسيح وتلاميذه .....................  223

- الدينونة دليل بطلان عقيدة الخلاص ...........................  230

مصادر عقيدة الفداء والخلاص .......................................  234

- دور بولس في نشأة فكرة الفداء في النصرانية ...............  234

- الخلاص والفداء في الأسفار الكتابية ...........................  239

- عقيدة الفداء والوثنيات السابقة ...................................  244

- وراثة الذنب ........................................................  244

- فكرة الفادي والوثنيات السابقة ..................................  246

- موت الإله الفادي ..................................................  247

- الدم المسفوح سبيل الكفارة .......................................  250

- نزول الآلهة إلى الجحيم لتخليص الموتى .....................  252

خاتمة المبحث  ..........................................................  255

المصادر والمراجع .....................................................  256

الفهرس ....................................................................  259


 
([1]) المسيح إنسان أم إله ، محمد مجدي مرجان ، ص (150).
([2]) انظر : مسألة صلب المسيح بين الحقيقة والافتراء ، أحمد ديدات  ، ص (10).
([3]) المسيح في مصادر العقائد المسيحية ، أحمد عبد الوهاب ، ص (279-280) نقلًا عن أدولف هنكر في كتابه ( تاريخ العقيدة ) ، وانظر : ( الإنجيل الرابع ) هنري ديلافوس ، ص (30-36).
([4]) انظر : براهين تحتاج إلى تأمل في ألوهية المسيح ، محمد حسن عبد الرحمن ، ص (128-130).
([5]) مسيحية بلا مسيح ، كامل سعفان ، ص (76).
([6]) المسيح في القرآن والتوراة والإنجيل ، عبد الكريم الخطيب ، ص (372).
([7]) انظر  : مسألة صلب المسيح بين الحقيقة والافتراء ، أحمد ديدات ، ص (18-20).
([8]) مخطوطات البحر الميت ، أحمد عثمان ، ص (139-144).
([9]) انظر  : المسيح في مصادر العقائد المسيحية  ، أحمد عبد الوهاب  ، ص (133-136 ، 170).
([10]) الاقتباس الخاطئ عن يسوع، بارت إيرمان، ص (249).
([11]) الإنجيل بحسب القديس لوقا ، الأب متى المسكين ، ص (705). 
([12]) الإنجيل بحسب القديس متى (دراسة وتفسير وشرح) ، الأب متى المسكين ،  ص (830).
([13]) الإنجيل بحسب القديس متى (دراسة وتفسير وشرح) ، الأب متى المسكين  ، ص (832).
([14]) انظر  : المسيح في مصادر العقائد المسيحية ، أحمد عبد الوهاب ، ص (140-143) ، وانظر حاشية النص في الترجمة العربية المشتركة.
([15]) انظر  : المسيح في مصادر العقائد المسيحية ، أحمد عبد الوهاب ، ص (162 – 163).
([16]) The Evidences of the Genuineness of the Gospels . Andrews Norton.pp 442‏.

أعلى النموذج

أسفل النموذج

 
([17]) انظر  : الفارق بين المخلوق والخالق ، عبد الرحمن باجي البغدادي ، ص (441-447) ، المسيحية الحقة التي جاء بها المسيح ، علاء أبو بكر ، ص (264 ، 300 – 301) ، المسيح في مصادر العقائد المسيحية ، أحمد عبد الوهاب ، ص (174).
([18]) انظر  : الفارق بين المخلوق والخالق ، عبد الرحمن باجي البغدادي ، ص (379-383 ، 513) ، 
وانظر قاموس الكتاب المقدس ، ص (751).
([19]) الهرطقات مع دحضها، الفونسو ليكوري، ص (17).
([20]) انظر  : المسيح في مصادر العقائد المسيحية ، أحمد عبد الوهاب ، ص (273 ، 274) ، وتاريخ الفكر المسيحي ، الدكتور القس حنا جرجس الخضري (1/207) ، وقاموس الكتاب المقدس ، ص (1112).
([21]) انظر  : ضد الهرطقات، القديس إيريناوس (1/108، 113)
([22]) انظر  : دائرة المعارف الكتابية (1/40-41 ).
(1) أسطورة تجسد المسيح ، البرفسور جون هِك ورفاقه، ص (61).
([24]) أقانيم النصارى ، أحمد حجازي السقا ، ص (75)  ، الفارق بين المخلوق والخالق ، عبد الرحمن باجي ، ص (465-466) ، قصص الأنبياء ، عبد الوهاب النجار ، ص (503) ، عقيدة الصلب والفداء ، محمد رشيد رضا ، ص (101).
([25]) انظر  : الفارق بين المخلوق والخالق ، عبد الرحمن باجي البغدادي ، ص (465) ، قصص الأنبياء ، عبد الوهاب النجار ، ص (503).
([26]) انظر  : الفارق بين المخلوق والخالق ، عبد الرحمن باجي البغدادي ، ص (366) ، قصص الأنبياء ، عبد الوهاب النجار ، ص (503).
([27]) تاريخ الفكر المسيحي ، الدكتور القس حنا جرجس الخضـري (1/158)، وهل حقاً قام المسيح؟ 
د. صموئيل حبيب ، ص (39).  
([28]) انظر  : قصص الأنبياء ، عبد الوهاب النجار ، ص (485) ، دين الله في كتب أنبيائه ، محمد توفيق صدقي أفندي ، ص (79) ، تاريخ الفكر المسيحي ، الدكتور القس حنا جرجس الخضري (1/150)، قصة الحضارة، وليام ديورانت (11/205).
([29]) انظر : عقيدة الصلب والفداء ، محمد رشيد رضا ، ص (94-97)، وموت أم إغماء؟ د. فريز صموئيل ، ص (80).
([30]) برهان يتطلب قرارًا  ، جوش مكدويل ، ص (197)، وانظر تأملات في المزامير، القس منيس عبد النور، ص (7).
([31]) انظر : دعوة الحق بين المسيحية والإسلام ، منصور حسين عبد العزيز ، ص (72-74). ولسوف نعتمد في هذا المبحث كليًا على هذا الكتاب الفريد والعظيم  ، مع بعض التلخيص وقليل من التصرف والإضافة.
([32]) انظر :  هل تنبأت التوراة عن المسيح؟ ، القمّص سرجيوس ، ص (28) ، ورب المجد ، لجماعة من اللاهوتيين المسيحيين برئاسة عبد الفادي القاهراني ، ص (84).
([33]) العظة الرابعة عشر، كيرلس الأورشليمي (الفقرة  9)، وانظر رسالة في الفصح، مليتيو، ص (38)، الفقرة 62.
([34]) تفسير المزامير، أغسطينوس (1/15)، وانظر: الإيمان بأمور لا ترى، أغسطينوس، ص (23).
([35]) انظر : يسوع المسيح ناسوته وألوهيته ، د. هاني رزق  ، ص (46) ، دراسات في سفر المزامير ، فخري عطية ، ص (61-66) ، ومن وحي القيثارة ، حبيب سعيد ، ص (18) ، ومسيّا عمله الفدائي ، ويفل كوبر  ، ص (32) ، والصليب في جميع الأديان ، ياسين منصور ، ص (13) ، نقلًا عن ( دعوة الحق بين المسيحية والإسلام ) .
([36]) كتاب المزامير ، القمّص تادرس يعقوب ملطي ، ص (153).
([37]) دراسات في سفر المزامير  ، فخري عطية ، ص (118) ، نقلًا عن «دعوة الحق بين المسيحية والإسلام».
([38]) انظر : دراسات في سفر المزامير  ، ص (302) ، ويسوع المسيح في ناسوته ولاهوته ص (89) ، نقلًا عن ( دعوة الحق بين المسيحية والإسلام ) .
([39]) تفسير سفر المزامير ، أنطونيوس فكري  ، ص (97) ، وانظر : كتاب المزامير ، القمّص تادرس يعقوب ملطي ، ص (333).
([40]) تفسير سفر المزامير ، أنطونيوس فكري  ، ص (93) ، وانظر : كتاب المزامير ، القمّص تادرس يعقوب ملطي ، ص (341).
([41]) تفسير المزامير، أوغسطينوس (1/187).
([42]) كتاب المزامير ، القمّص تادرس يعقوب ملطي ، ص (340).
([43]) انظر : دراسات في سفر المزامير  ، فخري عطية ، ص (311) نقلًا عن ( دعوة الحق بين المسيحية والإسلام ) ، وتأملات في المزامير ،  القس منيس عبد النور  (1/113) . 
([44]) كتاب المزامير ، القمّص تادرس يعقوب ملطي ، ص (343-344).
([45]) المصدر السابق ، ص (344).
([46]) تفسير المزامير، أوغسطينوس  (2/189).
([47]) وأمام هذا النص الصريح الواضح في نجاة المسيح واستجابة الله دعاءه ؛ لم يجد القس الدكتور إبراهيم سعيد إلا القول بأن المسيح كان يدعو ويتضرع إلى الله « لكي لا يموت قبل الصليب » . شرح بشارة لوقا ، ص (565).
(1) قوله: « لكي يتم ما قيل بالنبي: اقتسموا ثيابي بينهم، وعلى لباسي ألقوا قرعة» حذفته النسخ النقدية ومعظم التراجم العربية والعالمية، واعتبروه إضافة لاحقة.
([49]) تفسير سفر المزامير ، كنيسة السيدة العذراء بالفجالة  ، ص (309).
([50]) انظر: ضد الهرطقات، القديس إيريناوس (1/214).
([51]) تفسير أعمال الرسل ، جون ويسلي وآخرون ، ص (11) ، فقوله : «مكتوب في سفر المزامير : لتصر داره خرابًا ، ولا يكن فيها ساكن ، وليأخذ وظيفته آخر»  إحالة إلى فقرتين من هذين المزمورين (انظر 69/25 و 109/8) ، وانظر : الإنجيل بحسب القديس متى (دراسة وتفسير وشرح) ، الأب متى المسكين ، ص (578).
([52]) التفسير التطبيقي، ص (1204)، وقضية صلب المسيح، عوض سمعان، ص (62).
([53]) وانظر : قاموس الكتاب المقدس ، ص (862).
([54]) انظر: علم اللاهوت النظامي ، جيمس أنس ، ص (515) ، وقاموس الكتاب المقدس (432).
([55]) من العجيب المحير ما ينسبه النص التوراتي إلى المسيح من كثرة الذنوب والآثام  ، فيما يصفه الكاتب المجهول لرسالة العبرانيين الذي اقتبس من هذا المزمور ، وأشار إلى أنه نبوءة عن المسيح ، فيصف المسيح  في موضع آخر من ذات الرسالة أنه كان « بلا خطية » (عبرانيين 4/15) ، إنها إحدى معضلات الكتاب المقدس!
([56]) وانظر : قاموس الكتاب المقدس ، ص (862).
([57]) الإيمان بأمور لا ترى، أغسطينوس، ص (24).
([58]) وانظر : تحفة الجيل، المطران يوسف الدبس ، ص (932)، وتأملات في المزامير، القس منيس عبد النور (1/189).
([59]) تفسير سفر المزامير ، أنطونيوس فكري ، ص (152) وانظر : تفسير القمص تادرس يعقوب ملطي للإصحاح الرابع من إنجيل متى [نسخة إلكترونية].
([60]) كتاب الصلاة، أوريجانوس،  ص (23)، وانظر: العظة الثالثة عشر، كيرلس الأورشليمي (الفقرة  9).
([61]) وانظر : قاموس الكتاب المقدس ، ص (862).
([62]) كتاب الصلاة، أوريجانوس، ص (67)، وانظر ص (19).
([63]) قضية صلب المسيح، عوض سمعان، ص (66).
([64]) تفسير أعمال الرسل ، جون ويسلي وآخرون ، ص (11).
([65]) الإنجيل بحسب القديس متى (دراسة وتفسير وشرح) ، الأب متى المسكين  ، ص (84).
([66]) تفسير إنجيل متى، القمص تادرس يعقوب ملطي ، ص (452)، وانظر: قضية صلب المسيح، عوض سمعان، ص (62).
([67]) تفسير إنجيل متى، الأب متى المسكين، ص (75).
([68]) انظر : عقيدة الصلب والفداء ، محمد رشيد رضا ، ص (106-122،196) ، فقد ضمنه كتاب الأفندي.
([69]) ينقل القس صموئيل عن بعض العلماء رأيه في معنى هذا النص أنه يشير « إلى الأبناء الذين ولدوا في أرض المعاناة والضيق ، وكل كرب وألم في أرض سبيهم ، وحملوا من إثم آبائهم في هذه الأرض الغريبة [بابل]». المدخل إلى العهد القديم ، القس الدكتور صموئيل يوسف (298).
([70]) تاريخ الفكر المسيحي ، الدكتور القس حنا جرجس الخضري (1/36).
([71]) انظر : المسيح في مصادر العقائد المسيحية ، أحمد عبد الوهاب ، ص (138-139،147-148) ، المناظرة الإسلامية النصرانية ، ص (89-90).
([72]) الكنيسة الكاثوليكية والبدع ، جورج رحمة , ص (79).                 
([73]) تاريخ الفكر المسيحي ، حنا جرجس الخضري (1/ 206)، وانظر شرح يوحنا، وليم باركلي، ص (26).
([74]) آباء الكنيسة الأولى، أسد رستم، ص (105).
([75]) صلب المسيح وموقف الغنوسطيين ، عوض سمعان، ص (15).
([76]) انظر  : مسيحية بلا مسيح ، كامل سعفان ، ص (15).                  
([77]) المسيحية الحقة التي جاء بها المسيح ، علاء أبو بكر ، ص (14-16) ، مخطوطات البحر الميت ، أحمد عثمان ، ص (137-139) ، النصرانية ، مصطفى شاهين ، ص (282).

وانظر:    Bart D Ehrman , Lost christianities , page 187 , 188
([78]) أعمال يوحنا (95، 99).
([79]) دعوة الحق بين المسيحية والإسلام ، منصور حسين عبد العزيز ، ص (281-289).
([80]) حاشية النص في الرهبانية اليسوعية، ص (272).
([81]) انظر  : الفارق بين المخلوق والخالق ، عبد الرحمن باجي البغدادي ، ص (466) ، والنصرانية ، مصطفى شاهين ص (82) ، المسيحية الحقة التي جاء بها المسيح ، علاء أبو بكر ، ص (318-319).
([82]) دائرة المعارف الكتابية (1/43).
([83]) انظر  : المسيح في مصادر العقائد المسيحية ، أحمد عبد الوهاب ، ص (272-274) ، المسيح في القرآن والتوراة والإنجيل ، عبد الكريم الخطيب ، ص (438).
([84]) أقانيم النصارى ، أحمد حجازي السقا ، ص (96) ، العقائد المسيحية بين القرآن والعقل ، هاشم جودة ، ص (220-221).
([85]) انظر  : العقائد الوثنية في الديانة النصرانية ، محمد طاهر التنير ، ص (41-43 ).
([86]) انظر  : المسيحية الحقة التي جاء بها المسيح ، علاء أبو بكر ، ص (16).
([87]) انظر  : تفصيل هذا التشابه بين الوثنيات والنصرانية في : العقائد الوثنية في الديانة النصرانية ، محمد طاهر التنير ، ص (105-110) ، وانظر منهجية جمع الأناجيل وجمع السنة ، عزية طه  ، ص (222-223 ).
([88]) انظر  : إسرائيل حرفت الأناجيل ، أحمد عبد الوهاب ، ص (20-35) ، دراسة تحليلية نقدية لإنجيل مرقس ، محمد عبد الحليم أبو السعد ، ص (528).
([89]) طبيعة المسيح، البابا شنودة، ص (19)، وانظر: لاهوت المسيح، شنودة، ص (83-84). 
([90]) بدأت الكنيسة الكاثوليكية بالتخلي عن هذا في مجمع الفاتيكان الثاني الذي عقد عام 1964م، فقد ورد في وثيقة المؤتمر في الفصل السادس، في البند 16 ما يلي: «فالذين يجهلون بلا ذنب إنجيل المسيح وكنيسته، ويبحثون عن الله بقلب سليم، ويسعون بأعمالهم، تحت تأثير النعمة، إلى إتمام مشيئته الظاهرة لهم، فيما يمليه عليهم ضميرهم، يستطيعون أن يصلوا إلى الخلاص الأبدي ». 
([91]) انظر : ما هي النصرانية ، محمد تقي العثماني ، ص (87-88) ، وقد أقر التطهير بالمطهر مجمع فلورنس عام 1439 ، والمجمع التريدنتيني المنعقد بين عامي 1545-1563م. انظر علم اللاهوت النظامي ، جيمس أنِس ، ص (647). 
([92]) التعليم المسيحي لطلبة المدارس، المرسلون اليسوعيون بمصادقة القاصد الرسولي في سورية ، 
ص (53-54) ، وانظر مثله في مختصر التعليم المسيحي الذي أصدرته الجمعية الكاثوليكية للمدارس المصرية.
([93]) انظر  : الخطيئة الأولى بين اليهودية والمسيحية والإسلام ، أميمة الشاهين ، ص (135 ، 146) ، وعلم اللاهوت النظامي ، جيمس أنِس ، ص (647). 
([94]) قصة الحضارة، وليام ديورانت (22/50).
([95]) نور العالم، جورج فورد  (نسخة إلكترونية منشورة في موقع الكلمة ).
([96]) انظر  : الخطيئة الأولى بين اليهودية والمسيحية والإسلام ، أميمة شاهين ، ص (149) ، الغفران بين الإسلام والمسيحية ، إبراهيم خليل أحمد ، ص (114) ، علم اللاهوت النظامي ، جيمس أنِس  ، ص (645). 
([97]) مقدمات العهد القديم، وهيب جورجي، ص (34). 
([98]) الخطيئة الأصلية، كيف نفهمها اليوم؟ الأب عزير الحلاق، ص (25). 
([99]) انظر  : ما هي النصرانية ، محمد تقي العثماني ، ص (78-80 ). 
([100]) فلسفة الغفران في المسيحية، عوض سمعان، ص (17)، وانظر: ما هي النصرانية ، محمد تقي العثماني، ص (80-82) ، ودعوة الحق بين المسيحية والإسلام ، منصور حسين عبد العزيز ، ص (295). 
([101]) انظر الخطيئة الأولى بين اليهودية والمسيحية والإسلام ، أميمة الشاهين ، ص (140-141).
([102]) انظر  : الخطيئة الأولى بين اليهودية والمسيحية والإسلام ، أميمة الشاهين ، ص (141) ، المسيح في القرآن والتوراة والإنجيل ، عبد الكريم الخطيب ، ص (381). 
([103]) انظر  : ما هي النصرانية ، محمد تقي العثماني ، ص (89).
([104]) انظر  : ما هي النصرانية ، محمد تقي العثماني ، ص (86).
([105]) انظر: موجز تاريخ الأديان، فيلسيان شالي، ص (250). 
([106]) انظر:  هامش تاريخ البطاركة، ساويرس ابن المقفع (1/275). 
([107]) عقائدنا المسيحية الأرثوذكسية، بيشوب حلمي، ص (202-203). 
([108]) انظر : مختصر تاريخ الكنيسة  ، أندرو ملر ، ص (174). 
([109]) انظر : مخطوطات البحر الميت ، أحمد عثمان ، ص (154) ، ما هي النصرانية محمد تقي العثماني ، 
ص (88-90) ، المسيح إنسان أم إله ، محمد مجدي مرجان ، ص (139) ، الخطيئة الأولى بين اليهودية والمسيحية والإسلام ، أميمة شاهين ، ص (270). 
([110]) محمد الرسالة والرسول ، نظمي لوقا  ، ص (75-78). 
([111]) فلسفة الغفران في المسيحية، عوض سمعان، ص (177-178). 
([112]) انظر : حقيقة لاهوت يسوع المسيح، جوش مكدويل وبات لارسون، ص (71).
([113]) فلسفة الغفران في المسيحية، عوض سمعان، ص (97-98). 
([114]) انظر  : ما هي النصرانية محمد تقي العثماني ، ص (83 – 85) ، المسيح في القرآن والتوراة والإنجيل ، عبد الكريم الخطيب ، ص (359) ، الخطيئة الأولى بين اليهودية والمسيحية والإسلام ، أميمة الشاهين ، 
ص (142 – 144) ، المسيحية ، أحمد شلبي ، ص (126 – 137).
([115]) الغفران بين الإسلام والمسيحية ، إبراهيم خليل أحمد ، ص (111). 
([116]) اللقاء بين الإسلام والنصرانية ، أحمد حجازي السقا ، ص (135). 
([117]) الخطيئة الأولى بين اليهودية والمسيحية والإسلام ، أميمة شاهين ، ص (140). 
([118]) يخالف الكاتب المجهول لرسالة العبرانيين المصر على الدم ما جاء في العهد القديم  ، فإنه يجيز المغفرة بدون سفك دم ، فيكفر خطيئة المذنب الفقير إذا قدم لترين ونصف من الدقيق « وإن لم تنل يده يمامتين أو فرخي حمام ، فيأتي بقربانه عما أخطأ به عُشر الإيفة من دقيق قربان خطية ، لا يضع عليه زيتًا ، ولا يجعل عليه لبانًا لأنه قربان خطية » ( انظر : اللاويين 5/11-12).
([119]) انظر : كيف يفكر الإنجيليون في أساسيات الإيمان المسيحي ، واين جردوم ، ص (206). 
([120]) الإنجيل بحسب القديس متى (دراسة وتفسير وشرح) ، الأب متى المسكين  ، ص (141).
([121]) مائة سؤال وجواب في العقيدة المسيحية الأرثوذكسية, الأنبا بيشوي، ص (22، 74).
([122]) تاريخ الفكر المسيحي ، الدكتور القس حنا جرجس الخضري (1/194-195)، وانظر: عقائدنا المسيحية الأرثوذكسية، بيشوي حلمي، ص (203). 
([123]) فلسفة الغفران، عوض سمعان، ص (177). 
([124]) طبيعة المسيح، البابا شنودة ، ص (19). 
([125]) موسوعة الأنبا غريغوريوس (اللاهوت المقارن) ، ص (235).  
([126]) الخطيئة الأولى بين اليهودية والمسيحية والإسلام ، أميمة الشاهين ، ص (141). 
([127]) انظر  : منهجية جمع السنة و الأناجيل ، عزية طه ، ص (259 – 260). 
([128]) موجز تاريخ الأديان ، فيلسيان شالي ، ص (248). 
([129]) انظر  : المسيح في القرآن والتوراة والإنجيل ، عبد الكريم الخطيب ، ص (376) ، المسيحية الحقة التي جاء بها المسيح ، علاء أبو بكر ، ص (138-139). 
([130]) انظر  : حوار صريح بين عبد الله وعبد المسيح ، عبد الودود شلبي ، ص (23).
([131]) قانون الإيمان، البابا شنودة، ص ( 118-119 ).
([132]) الدر الثمين في إيضاح الدين، ابن المقفع، ص ( 51 ).
([133]) انظر  : ما هي النصرانية ، محمد تقي العثماني ، ص (86-87).
([134]) الدر الثمين في إيضاح الدين، ابن المقفع، ص ( 193 ).
([135]) انظر  : الإنجيل والصليب ، عبد الأحد داود ، ص (80-81 ). 
([136]) الحقيقة أن كاتب رسالة العبرانيين مجهول  ، لكن الكثير من النصارى ينسبونها إلى بولس أو إلى واحد من تلاميذه ، وهو ما قد أميل إليه لما اكتنف هذه الرسالة من تحقير ناموس الله الذي أرسله للأنبياء ، وقد نقضه بولس كما يمر معنا ، واعتبره غير نافع للخلاص. 
([137]) الإنجيل بحسب القديس متى ( دراسة وتفسير وشرح ) ، الأب متى المسكين ، ص (776).
([138]) كشف التلاعب والتحريف، الأب يوسف فان هام، ص (18).
([139]) المسيح ÷ بين الحقائق والأوهام ، محمد وصفي ، ص (67-68 ، 153) ، مسيحية بلا مسيح ، كامل سعفان ، ص (49) ، وانظر كتاب ( المقارنة بين الدين الكاثوليكي والمذهب البرتستنتي ) للأنبا أغناطيوس. 
([140]) انظر  : المسيح في مصادر العقائد المسيحية ، أحمد عبد الوهاب ، ص (275 – 276).
([141]) أي نفس الحكم ؛ وهو القتل. انظر : الإنجيل بحسب القديس متى ( دراسة وتفسير وشرح ) ، الأب متى المسكين ، ص (334).
([142]) انظر  : العقائد المسيحية بين القرآن والعقل ، هاشم جودة ، ص (214) ، الفارق بين المخلوق والخالق ، عبد الرحمن باجي البغدادي ، ص (465-466). 
([143]) انظر  : ما هي النصرانية ، محمد تقي العثماني ، ص (158-165) ، الخطيئة الأولى بين اليهودية والمسيحية والإسلام ، أميمة الشاهين ، ص (137 – 139). 
(1) انظر اتفاق البشيرين ، القس سمعان كلهون ، ص ( 116 ) .
([145]) الإنجيل بحسب القديس متى ( دراسة وتفسير وشرح ) ، الأب متى المسكين  ، ص (496) ، 
وانظر مختصر تاريخ الكنيسة ، أندرو ملر ، ص (99).
([146]) تاريخ الفكر المسيحي ، الدكتور القس حنا جرجس الخضري (1/378).  
([147]) الإنجيل بحسب القديس لوقا ( دراسة وتفسير وشرح ) ، الأب متى المسكين  ، ص (114-115) ، وانظر قاموس الكتاب المقدس ، ص (344).
([148]) الدر الثمين في إيضاح الدين، ابن المقفع، ص ( 139 ).
([149]) انظر : حقيقة لاهوت يسوع المسيح، جوش مكدويل وبات لارسون، ص (72).
([150]) الدر الثمين في إيضاح الدين، ابن المقفع، ص ( 141 ).
(4) اتفاق البشيرين ، القس سمعان كلهون ، ص ( 92 ) .
([152]) يعتبر بعض المعلمين المتأخرين من اليهود هذا النص دليلًا على أن داود – وحاشاه – كان ابن زنا ، كما نقلت ذلك دائرة المعارف الكتابية ، ولكن غيرهم رأى أن خطيئته أنه يسري فيه دم غير يهودي من جهة جداته كراعوث المؤابية. دائرة المعارف الكتابية (3/395).
([153]) تفسير سفر حزقيال، أنطونيوس فكري، ص (71).
([154]) انظر : العقائد الوثنية في الديانة النصرانية ، محمد طاهر التنير ، ص (31).
([155]) انظر : براهين تحتاج إلى تأمل في ألوهية المسيح ، محمد حسن عبد الرحمن ، ص (137-138) ، المسيح في القرآن والتوراة والإنجيل ، عبد الكريم الخطيب ، ص (357) ، حقيقة التبشير بين الماضي والحاضر  ، أحمد عبد الوهاب  ، ص (55). 
([156]) انظر  : العقائد المسيحية بين القرآن والعقل ، هاشم جودة ، ص (219). 
([157]) انظر : العقائد الوثنية في الديانة النصرانية ، محمد طاهر التنير ، ص (34-35) ، حوار صريح بين عبد الله وعبد المسيح ، عبد الودود شلبي ، ص (39)  ، معاول الهدم والتدمير في النصرانية وفي التبشير ، إبراهيم الجبهان ، ص (147) ، حقيقة التبشير بين الماضي والحاضر  ، أحمد عبد الوهاب  ، ص (70-71). 
([158]) انظر : قراءات في الكتاب المقدس ، عبد الرحيم محمد  (2/238 - 239). 
([159]) انظر : العقائد الوثنية في الديانة النصرانية ، محمد طاهر التنير ، ص (29 - 32). 
([160]) موجز تاريخ الأديان ، فيلسيان شالي ، ص (263). 
([161]) انظر : مسيحية بلا مسيح ، كامل سعفان ، ص (45). 
([162]) انظر : المصدر السابق ص (45). 
([163]) انظر  : المصدر السابق ص (45). 
([164]) النص اقتباس من بطرس لما ورد في سفر المزامير (16/10)  ، وهو تحريف لما ورد في الأصل العبراني  ، وفيه :

 

وتعريبه : (لن تترك نفسي للهاوية)  ، أي للموت  ، فيما الترجمة العربية للمزمور تفيد موت المسيح ، وأن الله لن يتركه في القبر ، كما أن للهاوية معان أخرى محتملة ، منها : جهنم (العدد 16/30) ، ومنها أيضًا الفتنة والفساد (انظر : الأمثال 12/13). 
([165]) انظر : العقائد الوثنية في الديانة النصرانية ، محمد طاهر التنير ، ص (102) ، وانظر تاريخ الفكر المسيحي، الدكتور القس حنا جرجس الخضري (1/367-372). 
([166]) حوار صريح بين عبد الله وعبد المسيح ، عبد الودود شلبي ، ص (41).