الصفحة الرئيسية الصفحة الرئيسية

المكتبة

المراجع باللغة العربية : 67

المراجع باللغة الفرنسية : 37

تغطيات إعلامية

مقالات صحفية : 252

مكتبة الفيديو

حوارات و وثائقيات : 31

أفلام تاريخية : 37

أناشيد وطنية : 30

معرض الصور

صور الشهيد : 46

وثائق مهمة : 15

قصاصات : 27

إظهار
  • نسيت اسم المستخدم؟
  • نسيت كلمـة المرور؟
  • عدد الزيارات 83061
الصفحة الرئيسية الصفحة الرئيسية
  • الرئيسية
    • تقديم
    • إصدارات
    • إتصل بنا
  • سيرة الشهيد
    • كرونولوجيا الأحداث
  • المكتبة
  • تغطيات إعلامية
    • 2029-2025
      • 2026
      • 2025
    • 2024-2020
      • 2024
      • 2023
      • 2022
      • 2021
      • 2020
    • 2019-2015
      • 2019
      • 2018
      • 2017
      • 2016
      • 2015
    • 2014-2010
      • 2014
      • 2013
      • 2012
      • 2011
      • 2010
    • 2009-2005
      • 2009
      • 2008
      • 2007
      • 2006
      • 2005
    • قبل 2005
  • مكتبة الفيديو
    • حوارات و وثائقيات
    • الأناشيد الوطنية
  • معرض الصور
  • مقالات
  • إعلانات

 

عند ربهم يرزقون..

قدر الله تعالى وأنا في أول يوم لي في دمشق صيف 2007، أن استقلت سيارة أجرة لتقلني من سوق الحاميدية الشهير إلى حي الصالحية حيث كنت سأدرس، سألني سائقها عن بلدي بعد أن تأكد من لهجتي أني لست من أهل الشام، أخبرته بكل فخر أني من الجزائر وأن هذه أول زيارة لي إلى سوريا، تهلل وجهه سرورا وقال: إذن لديّ سؤالان لك وإن أجبتني عليهما أمنحك ما تريد، شعرت من اسلوب كلامه كأنه أراد الإيقاع بي في مصيدة ما، ودون مقدمات طرح سؤاله الأول: كم يبلغ عدد شهداء الجزائر؟ تعمدت التريث في الرد لأجد له جوابا يخمد تحاذقه، قلت له: هل تريد الحقيقة أم زوجة أبيها؟ إبتسم وقال: المهم أن تعطيني رقما، أجبته: قيل أن عددهم مليون ونصف المليون شهيد، ولكن هذا الرقم فيه الكثير من الإجحاف في حق الملايين الأخرى من الشهداء الذين طهروا بدمائهم تراب الجزائر منذ عام 1830.. وقبل أن أكمل كلامي قاطعني قائلا وقد اعتلت ابتسامة ماكرة وجهه أما السؤال الثاني: هل لك أن تذكر لي أسمائهم؟ وأطلق بعدها ضحكات مقهقها ونظر إلي من المرآة العاكسة كأنه أراد أن يتلذذ بطعم إنتصاره عليّ، أدركت من ثاني سؤاليه ومن حاله تلك أنه حرص أن يكون أول سوري يسمعني أخر نكتة يتداولها أهل الشام في أيامهم تلك ...

ولكن .. لن أخفي عنكم أن سؤاله الثاني جعلني أقف مع نفسي مليًا، ألا يجب أن نعرف أسماء من آثروا الموت لنحيا، وضحوا بالغالي والنفيس وسقوا بدمائهم الطاهرة أرض هذا الوطن؟ ألا يجب أن نعرفهم وفضلهم كبير جدا علينا؟ ألا يجب أن نعرفهم وهم فخرنا في الدنيا ونأمل أن يكونوا شفعاء لنا يوم القيامة؟

وبعد تفكير عميق عقدت العزم أن أبحث في الأمر، هي رحلة قد يصعب الوصول إلى نهايتها ولكن الشرف كله في المحاولة .

أول وجهة قصدتها كانت متحف المجاهد بمسقط رأسي بمدينة برج بونعامة، وأنا أتجول بين أروقة المتحف أتأمل بإجلال صور الشهداء وأقرأ بإمعان سيرهم وتاريخ كفاحهم وبطولاتهم أسمعني القيّم يومها قصة جعلتني أتزلزل في مكاني وجعلت الدموع تعزو عينييّ، قال أنه لا يعرف كل التفاصيل ولكنه أرشدني إلى من يمكنه إرواء فضولي، وأخبرني أن مدير متحف المجاهد بتيسمسيلت يعرف القصة برمتها.

إذن وجهتي الثانية كانت المتحف عينه، سلمني مديره بعد أن علم أني أقطن في بلاد القبائل قائمة لعدد من الشهداء الذين ينحدرون من نفس المنطقة والذين استشهدوا في الونشريس وكلفني بإصالها لمتحف المجاهد بتيزي وزو، سألته عن القصة ذاتها التي جعلتني اقصده، أخبرني أن بداية الحكاية كانت بزيارة إحدى السيدات من بجاية تقتفي آثر والدها الذي إنقطعت أخباره إبان الثورة التحريرية والذي كان جنديا ضمن جيش الاحتلال بمنطقة الونشريس، قالت السيدة أن عمل والدها ضمن جيش العدو جعلها تشعر بالخزي لأن المجتمع لم يرحمها يوما كونها إبنة من وصف بالخائن، تغيرت مشاعر المرأة رأسا على عقب بعد العثور على وثائق وشهادات حية تؤكد أن والدها قد فر بسلاحه من معسكر الجيش الفرنسي وإلتحق بالثوار في جبال الونشريس وقد إستشهد في إحدى المعارك الطاحنة بعد أن أبلى شجاعة في القتال لا مثيل لها، لم تسع الفرحة قلب السيدة وهي تسمع رفاق والدها في الكفاح يتحدثون عن بطولاته وشجاعته وكذلك عن يوم إستشهاده، ولم تقدر على منع دموع الفرح والفخر والاعتزاز وهي تقف أمام قبره في مقبرة الشهداء .

الوجهة الثالثة كانت المقبرة نفسها التي يرقد فيها ذلك البطل الشهيد، تبعد المقبرة بضع خطوات عن محتشد بعلاش، هو أحد المعتقلات التي أنشأها جيش الاحتلال في منطقة الونشريس لعزل أهالي القرى عن الثوار ومنع وصول معوناتهم إليهم، على بعد بضع كيلومترات من المكان يوجد معتقل أخر هو أرهب وأفضع وأبشع من الأول، مكتب التحقيقات الثاني بمدينة بوقايد، هذا المكان الذي شهد مقتل العديد من الجزائريين جراء أبشع أنواع التعذيب التي مورست عليهم، روى لي جدي لأمي (أحمد بن محمد) رحمه الله كيف أمضى أخر سنتين من عمر الاحتلال الفرنسي في مكتب التحقيقات الثاني، وبكل التفاصيل الدقيقة يسترجع من ذاكرته القوية تلك الأيام القاسية التي عاشها في ذلك المعتقل، قال: أن الثورة الجزائرية ما كانت أبدا لتنتصر لولا احتضان الشعب لها، وهي التهمة نفسها التي اعتقل لأجلها، دعم وتوفير الطعام للمتمردين، قال جدي أنه بمجرد إدخاله المعتقل تم تجريده من كل ملابسه وتم ربط كل أطرافه بعصا ثم انهالوا عليه ضربا، واصل حديثه أن الضرب كان أهون العذاب فقد تفنن العدو وزبانيته في تعذيبه ولعل أكثر أسلوب كان يرهبه هو استعمال مولدات الكهرباء، فبعد أن يبلل جسده يتم وصل أسلاك الكهرباء بجميع النقاط الحساسة بالجسم وتبدأ رحلة عذاب لا يطاق، كان يقول لو تعلم يا ولدي أني كنت أدعو الله من كل قلبي أن يقبض روحي فقط لكي تنتهي رحلة العذاب الرهيبة، أخبرني أنه شهد مقتل الكثير من الرجال والنساء من جراء التعذيب بالكهرباء والكي بالنار والإغراق في براميل الماء، كان جدي رحمه الله يسترجع من ذاكرته موقفا رواه لي في العديد من المرات أنه في لحظة ثورة منه إعتلاها اليأس أثناء استعمال الكهرباء في تعذيبه راح يشتم فرنسا وكلابها ويتحداهم أن يطلقوا عليه وابلا من الرصاص إن كانوا حقا رجالا، لكن رد الضابط يومها أن ثمن الرصاص أغلى بكثير من أمثالك، هو رد يلخص تاريخ فرنسا الارهابي .

شاء الله تعالى أن أطال في عمر جدي ليتوفاه الأجل في الخامسة والتسعين من عمره ليكون شاهدا وشهيدا على حقبة من تاريخ الجزائر، كان دائما يردد: أنا لست ابن الثورة كما يصف الكثيرون أنفسهم، بل الثورة ابنتي فقد ولدت في الفاتح من نوفمبر 1954 وأنا ولدتُ قبلها في الفاتح من نوفمبر 1922، في هذا التاريخ تحتفل الجزائر كل سنة أمام العالم بذكرى ثورتها المجيدة، وفي التاريخ ذاته كان جدي يحصي سنوات عمره الأخيرة التي طغى عليها البؤس والحرمان..

كانت هذه بعض من شهادة جدي لأمي (أحمد بن محمد) الذي كنت ألقبه دائما بالشهيد الحي، أما جدي لأبي (ساعد بن أحمد) فلن أحدثكم اليوم عنه، ولكن تذكروا جيدا تاريخ 15 ماي 1957 لأنه يوم شهد أمرا عظيما بالونشريس وهو اليوم نفسه الذي استشهد فيه جدي.

حملت حقائبي وأغراضي وعدت إلى مدينة تيزي وزو، وجهتي هذه المرة كانت متحف ومقبرة الشهداء بمنطقة مدوحة، الهدف كان نفسه البحث عن الشهداء، رأيت في المتحف بقايا طائرة حربية فرنسية أسقطها المجاهدون، ورأيت الكثير من صور الشهداء وأغراضهم والعديد من الوثائق والمستندات، وأنا أتجول بين أضرحة الشهداء أقرأ الأسماء على شواهد القبور، وأتأمل في تواريخ ميلادهم واستشهادهم وبعملية حسابية بسيطة أحسب لكل واحد منهم السنوات التي عاشها في الدنيا، ولكنني فجأة رأيت قبورا تختلف عن غيرها، لا تحمل أسماء بل أرقاما كتب أسفلها كلمتين فقط (شهيد مجهول).

أوقفتني هذه العبارة عند قبور أصحابها كثيرا وشعرت حينها بنوع من الحزن الممزوج بالحيرة والأسى، لخصت تلك الكلمتين البحث الذي أجريه منذ سنوات، اجتاحتني رغبة ملحة في البكاء، وتمنيت السفر عبر الزمن والعودة إلى أيام جهاد هؤلاء والحديث إليهم والتعرف عليهم، أكيد لا يمكنني فعل ذلك، وأكيد أن لا أحد منا يعرفهم، وأكيد أنهم أحياء عند ربهم يرزقون .. وللحديث بقية..

بقلم قدور شاهد

جميع الحقوق محفوظة لمجمع شاهد للإعلام 2025 |