الصفحة الرئيسية الصفحة الرئيسية

المكتبة

المراجع باللغة العربية : 67

المراجع باللغة الفرنسية : 37

تغطيات إعلامية

مقالات صحفية : 320

مكتبة الفيديو

حوارات و وثائقيات : 33

أفلام تاريخية : 37

أناشيد وطنية : 30

معرض الصور

صور الشهيد : 61

وثائق مهمة : 15

قصاصات : 27

إظهار
  • نسيت اسم المستخدم؟
  • نسيت كلمـة المرور؟
  • عدد الزيارات 108540
الصفحة الرئيسية الصفحة الرئيسية
  • الرئيسية
    • تقديم
    • إصدارات
    • إتصل بنا
      • صفحتنا على الفايسبوك
  • سيرة الشهيد
    • كرونولوجيا الأحداث
  • المكتبة
  • تغطيات إعلامية
    • 2029-2025
      • 2026
      • 2025
    • 2024-2020
      • 2024
      • 2023
      • 2022
      • 2021
      • 2020
    • 2019-2015
      • 2019
      • 2018
      • 2017
      • 2016
      • 2015
    • 2014-2010
      • 2014
      • 2012
      • 2011
      • 2010
    • 2009-2005
      • 2009
      • 2006
    • قبل 2005
  • صوتيات
  • مرئيات
  • صور
  • مقالات
  • إعلانات

 
التفاصيل
الزيارات: 204

الشهيد الحي أحمد بن محمد.. ذاكرة الونشريس

لم أستطع كبح دموعي يومها ولا كتم أوجاعي وأنا أقف أمام قبره والجموع يشيعونه إلى مثواه الأخير.. كانوا يجهلون من يدفنون! ليتهم عرفوا ما أعرف، ذكرياتي معه بكل تفاصيلها لا تزال تطاردني، رحل يومها الجمع عنه ولم يبقَ معه سوايّ.. "ماذا أفعل أيها الغالي لكي يقدروك حق قدرك؟"

هي بضع كلمات سأكتبها لأجله، لعلي أوفي صاحب ذلك القبر بعضاً من حقه عليّ. اسمحوا لي أن أحدثكم عن رجل كان شامخاً كجبال الونشريس، طيباً كتراب تلك الأرض وأهلها، عزیز النفس، نقي القلب، بريء الروح.. أستأذنكم أيها الكرام أن أحدثكم عن ذلك الذي ألقبه بـ "ذاكرة الونشريس"، إنه جدي لأمي "أحمد بن محمد".

ولد أحمد صباح يوم الأربعاء 11 ربيع الأول عام 1341 هـ الموافق للفاتح من نوفمبر عام 1922م بدوار السواعد في بلدية برج بونعامة بولاية تيسمسيلت. يومها كان للمدينة اسم آخر: "موليار"، وكان الفقر والبؤس أكبر عنوان لتلك الحقبة. ولأن أحمد كان الابن البكر لوالديه، فقد كان يعي جيداً أنه سيقع على عاتقه تحمل المسؤولية منذ الصغر، فكان يصحب والده في رعي الأغنام وزراعة الحقل وجني الحصاد. تعلم عن أبيه الحكمة، فأدرك أن الأرض مقدسة ولا يجوز التفريط فيها، وأن عزة المرء في أن يأكل مما تزرع يداه، تعلم الصبر وكيف يواجه مآسي الحياة، وأن الصلاة هي مفتاح كل الأبواب المغلقة، وبر الوالدين طريق الجنة.

تتعاقب الأيام والسنوات، والأحوال لا تبشر بخير. ففي مطلع الأربعينيات، قرعت أوروبا طبول الحرب العالمية الثانية، وفرنسا قد حشرت أنفها فيها، والجزائر ـ على غرار باقي المستعمرات ـ ستنالها ويلات الحرب رغماً عنها عبر نظام اقتصادي بائس عُرف أيامها بـ "عام البون".

أمسى الفتى أحمد شاباً يافعاً، ورأى والده أن يزوجه بمن تعينه على مصاعب الحياة، فاختار له ابنة شقيقته زوجة له. ولم يمضِ على زواجه بضع أيام حتى حل بالقرية جنود فرنسيون يبحثون عنه لتجنيده إجبارياً. رحل إلى الجزائر العاصمة، ومنها على متن باخرة إلى فرنسا، ثم إلى جبهات القتال في برلين بألمانيا حيث نيران الحرب لم تخمد بعد. كان أحمد يشعر أنه زُجّ به في حرب لا ناقة له فيها ولا جمل، لكنه كان شاهد عيان على أهوال الدمار وقمع الإنسان للإنسان، وعلى مدينة حزينة تسكنها الأشباح والجثث. كان عزاؤه الوحيد دعاء أمه له عند الوداع بحفظ الله وطول العمر، وكان كلما لمح شهاباً في ليالي برلين البائسة أرسل معه شوقه: "أيتها الشهب أقرئيهم سلامي وأخبريهم أني لا أزال على قيد الحياة".

وضعت الحرب أوزارها وعاد أحمد إلى وطنه محصناً بحفظ الله تعالى، وكله شوق لملاقاة أهله، ليفجع بنبأ وفاة والده المعلم والقدوة قبل أيام قليلة من وصوله. وجد أحمد نفسه فجأة الأب والمسؤول الوحيد عن عائلة كبيرة، فتحمل الحمل بشهامته المعتادة، وزادته الأيام إصراراً وثباتاً.

رزق أحمد بصبيين وبنت، وكانت الحياة تبدو كأنها تستقر تدريجياً، لتباغته الأقدار بمأساة أخرى، وفاة زوجته ورفيقة دربه، تاركة في قلبه جرحاً غائراً وفي بيته فراغاً لا يُسد. ولكن الحياة يجب أن تستمر، فتزوج مرة ثانية من إحدى قريباته لتكون أمًا لصغاره وإبنتا لأمه.

ومع اندلاع ثورة التحرير المظفرة عام 1954، لم يكن رجلٌ بحجم "أحمد" ومبادئه ليبقى على الحياد. سرعان ما انخرط في صفوف الثورة، ساهراً على إمداد المجاهدين بالتموين، والمعلومات، وإيواء الفدائيين في شعاب الونشريس الحصينة.غير أن العين الاستعمارية كانت ترصد التحركات، فتم اعتقاله واقتياده إلى السجن في مدينة "شلف".

وبعد انقضاء مدة سجنه، تم تحويله إلى مكتب التحقيقات الثاني بمدينة "بوقائد"، ذلك المكان الرهيب الذي شهد مقتل العديد من الجزائريين جراء أبشع أنواع التعذيب. كان يروي لي كيف أمضى آخر سنتين من عمر الاحتلال الفرنسي في ذلك الجحيم، وبكل التفاصيل الدقيقة يسترجع من ذاكرته القوية تلك الأيام القاسية، وكان يقول: "إن الثوار ما كانوا أبداً لينتصروا لولا احتضان الأهالي والشعب لهم". وهي التهمة نفسها التي اعتقل لأجلها، دعم المتمردين وتوفير الطعام لهم.

كان يصف لحظات الدخول الأولى :"بمجرد إدخالي المعتقل تم تجريدي من كل ملابسي، وتم ربط كل أطرافي بعصا ثم انهالوا عليّ ضرباً، غير أن الضرب كان أهون العذاب.. فقد تفنن العدو وزبانيته في تعذيبي، ولعل أكثر أسلوب كان يرهبني هو استعمال مولدات الكهرباء، فبعد أن يبلل جسدي يتم وصل أسلاك الكهرباء بجميع النقاط الحساسة بالجسم وتبدأ رحلة عذاب لا تطاق". ثم يضيف بأسى: "لو تعلم يا ولدي أني كنت أدعو الله من كل قلبي أن يقبض روحي فقط لكي تنتهي رحلة العذاب الرهيبة.. التعذيب بالكهرباء، والكي بالنار، والإغراق في براميل الماء".

وفي لحظة ثورة ويأس وهو بين أنياب الكهرباء، راح يشتم فرنسا وكلابها ويتحداهم أن يطلقوا عليه وابلاً من الرصاص إن كانوا حقاً رجالاً، لكن الضابط يومها رد عليه بجملة تلخص تاريخ الاستعمار بكل وقاحته: "إن ثمن الرصاص أغلى بكثير من قيمتك!".

شاء الله تعالى أن أشرقت شمس الاستقلال صيف عام 1962، وخرج أحمد من ظلمات المعتقل إلى نور الحرية، لكن الظروف المعيشية لم تكن هينة، إذ عاش حياة بسيطة شاقة، مغلفة بالكفاف والقناعة، يكدح بعرق جبينه دون أن يطلب جزاءً ولا شكوراً عن نضاله وجراحه.

وفي سنواته الأخيرة، أثقل المرض جسده النحيل، وأنهكته السنون وتداعيات التعذيب القديم. كان يجلس إلينا والنور يفيض من وجهه، يروي لنا ما لاقى في ظلمات برلين وفي زنازين شلف وبوقائد، لا ليتفاخر، بل ليزرع في نفوسنا قيمة هذا الوطن وثمن الحرية.

ثم جاءت الساعات الأخيرة.. فاضت روحه الطاهرة إلى بارئها مساء يوم الأربعاء 23 أوت عام 2017م، عن عمر ناهز الخامسة والتسعين عاماً، وشيعته الجموع إلى مثواه الأخير بين أحضان التراب الذي أحبه وضحى لأجله عند سفوح جبال الونشريس.

رحلت يا جدي.. رحل "ذاكرة الونشريس"، ولم يبقَ لي بعدك سوى الحنين، ورسالة أمانة أكتبها ليعلم العالم أن تحت هذا التراب يرقد رجل بطل، عاش كبيراً، ومات صامتاً، وترك في قلوبنا أثراً لا يمحوه الزمان. رحمة الله عليك يا "أحمد بن محمد"، وأفسح الله لك في جنات النعيم.

جميع الحقوق محفوظة لبوابة شاهد الرقمية 2025 |